dimensions-of-justice-1-l

أبعاد العدالة لدى مؤسّس الداهشية، الجزء 1 

النظام الخُلُقي

          ما دام الإنسان يتعذر عليه أن يعيش بمعزلٍ عن الناس ، فكيف عليه أن يتصرف في علاقاته معهم من أجل تحقيق أهدافه التي غالباً ما تكون الثروة والرفاهية ، أو القوة والسلطة ، أو السعادة بمفهومها الفضفاض ؟ هل يجوز للإنسان ، فرداً كان أم جماعة ، أن يستخدم أية وسيلةٍ يراها مناسبة شريفةٌ كانت أم دنيئة تحقيقاً لأغراضه أم ثمة حدودٌ واجبةٌ لتصرفاته وقيمٌ عليه التزامها دون غيرها ؟

          هذه الأسئلة وسواها مما يستهدف التمييز بين الحقوق والواجبات ، أو الحق والباطل ، أو الفضيلة والرذيلة ، أعطت الأجوبة عنها الشرائع الدينية والسنن الاجتماعية والنظريات الفلسفية في سياق العصور . ومجموع تلك الأجوبة ، في كل نظامٍ ديني أو إجتماعي أو فلسفي ، جرى الاصطلاح على تسميته ب”النظام الخُُلُقي” أو “الفلسفة الخُُلُقية ” ethics  . وإنما همنا ، هنا ، جانبٌ واحدٌ من هذا النظام هو مفهوم العدالة وكيفية تجلي أبعادها في تعاليم مؤسس الداهشية .

نظام العدالة الإلهية الشامل

          يستحيل على الملحد أو المشكك في وجود قدرةٍ أليةٍ مبدعة أن يؤمن بوجود نظامٍ شاملٍ لعدالةٍ روحيةٍ غير منظورة ، فهو يميل إلى تعليل الأحداث الجارية بالصدف السيئة أو الحسنة ؛ بل إن المؤمن نفسه يتعذر عليه أن يتصور بوضوح سريان العدالة الروحية الشاملة في العالم ، وخصوصاً في ماجريات الحياة اليومية . ولذا فإن من أتيح له أن يعاين معجزةً حقيقية ويلمس من خلالها وجود القوة الروحية الجبارة التي تحدثها فيؤمن بها يكون قد حظي بمساعدةٍ عظمى ، ذلك لأن الإنسان ، مهما تكن علومه ومواهبه ، لعاجزٌ عجزاً تاماً عن إتيان المعجزات . وهذه الاستحالة أكدها جمهور العلماء ، لأن الإنسان ، أياً كان ، خاضعٌ لقوانين طبيعية تهيمن على الأرض كما على الكون المادي كله ، وهذه القوانين ثابتةٌ لا يمكن خرقها .

          غير أن الخوارق لا تحدث إلا عند بعثة الرسالات السماوية تأكيداً لصحتها وإثباتاً لوجود العالم الروحي الإلهي الخالد المنوط به تسيير العوالم جميعها ، وإجراء العدالة الروحية الشاملة فيها . وتوضيحاً لهذا الأمر سأذكر بإيجازٍ حدوث ظاهرة روحية مذهلة للدكتور جورج خبصا ، نِطاسي الأمراض الجلدية الشهير ، يوم كان مرافقاً مؤسس الداهشية في رحلته الأولى حول العالم عام 1969 .

          ففي الرابع من تشرين الأول (أكتوبر) من العام المذكور ، وصل مؤسس الداهشية ورفيقه الدكتور خبصا إلى مطار ميونخ بألمانيا ، واستحال عليهم أن يجدا غرفةٌ شاغرة ٌ يبيتان فيها سواءٌ في فندق ٍ أو نزل ٍ صغير ٍ أو حتى منزل ٍ خاص ، وذلك من جراء إقبال الناس على إحتفالاتٍ موسميةٍ ستقام في المدينة ، فاضطرا ، مع ثمانية عشر شخصاً آخرين ، إلى تمضية الليلة على المقاعد في محطة المطار . وفي تدوينه لوفائع اليوم التالي ، يقول الدكتور داهش :

          في الساعة السابعة والنصف من صباح اليوم تجلت روح للدكتور خبصا وقالت له : ” امض الآن برفقة الدكتور واستقلا تكسياً واذهبا به إلى المدينة . وعندما تبلغانها اذكرا لسائقها أنكما لم تجدا أية غرفةٍ في أي فندق .” وتابعت الروح المتجلية قائلة ً :” الغرفة التي يجب أن تنزلا فيها مهيأة ٌ لكما ، والسائق سيعلمكما بها .”

          فصعدا في أول سيارةٍ في الموقف . وإذ أخبرا السائق باستالة عثورهما على غرفةٍ شاغرة ، قال لهما إن صديقه أبلغه ” أن في منزله غرفة ً ذات سريرين فقط يريد إيجارها لشخصين …” فطلبا إليه إيصالهما إلى المنزل . فاستأجرا الغرة لليلةٍ واحدة ، ووضعا حقائبهما فيها ، ثم انصرفا إلى المدينة يشاهدان معالمها الفنية والسياحية . وعند الثامنة مساءً عادا إلى المنزل ، فوجداه مقفلاً ولا أحد فيه . وبعد محاولاتٍ غير مجديةٍ لدخوله وقلق ممضًّ وأفكارٍ سوداء ساورتهما ، وانتظارٍ دام ساعة ً ونصف الساعة ، تجلت الروح في وجه مؤسس الداهشية وقالت للدكتور خبصا :” سأقود خطاكم إلى مطعمٍ قريبٍ من هنا ، وهناك توجد المرأة صاحبة المنزل .” وهذا ما تم فعلاً . وعند تدوين الدكتور داهش لهذه الحادثة الخارقة يعلق قائلاً :

          ومن لا يصدق [ أي الظاهرة الروحية ] أعتبره عائداً بصفقة الغبون ، لأنه يبقى جاهلاً هذه القوة الروحية الجبارة التي تسيِّر عالمنا الأرضي في كل لحظةٍ من لحظاته بنسبة سيالات البشر واستحقاقاتهم ، وذلك وفق نظامٍ وضعه الخلق لكوكب الأرض .

          وقد أكد مؤسس الداهشية أن هذا النظام الإلهي المبني على العدالة الروحية كما على حرية الإنسان النفسية هو نظامٌ شاملٌ ثابتٌ لا يتغير ولا استثناءات له . يقول على لسان زوس ، رب الأرباب ، في ” أسطورة الشمعة الباكية ” : وبما أنني قد وضعت نظاماً للأرض ، وهذا النظام يطبق على أي مخلوق يرودها بالولادة أو سواها ، فإنني ملزمٌ بالتقيد بهذا النظام الإلهي المفروض على أبناء الأرض . ونظامي هذا يمنع حتى الآلهة والإلاهات أن يسيطروا على أي مخلوق بشري مهما ارتكب من موبقات .  

          ونظام العدالة الإلهية يقضي بأن يستوفي الإنسان جزاءه عما يأتيه من أعمالٍ ورغباتٍ خيراً كان أم شراّ. في كتاب الدكتور داهش الملهم ” مذكرات يسوع الناصري ” يقول يسوع لآدوم بن بطرس الرسول :

          فما تزرعه ، يا عزيزي آدوم ، إياه تحصد . هذه هي العدالة الروحية التي لا تتأثر بعوامل أرضية سخيفة، مثلما يجري على هذه الأرض …

          وكيفية تنفيذ العدالة الإلهية تكون بموجب قانونٍ إلهيٍّ شاملٍ هو السببية الروحية التي تقضي بأن يجازى كل مخلوق بحسب أعماله ورغباته . وقد أوضحت هذا الأمر وفصلته في بحثٍسابقٍ بعنوان ” السببية الروحية والعدالة الإلهية ” ( صوي داهش “، كانون الأول / ديسمبر 1995 ) كما أوضحت مفصلاً في بحثٍ آخر عنوانه    ” العدالة الروحية والتقمص” ( ” صوت داهش ” آذار / مارس 1996 ) أن العدالة الإلهية قد تتخذ مجراها في عدة أدوارٍ حياتيةٍ يعيشها الإنسان متقمصاً إنساناً أو حيواناً أو جماداً ، لا في دورٍ بشريٍّ واحد فحسب .

أوضاع البشر نتيجة ٌ لنظام العدالة الإلهة

          ما من إنسانٍ عاقلٍ يستعرض التاريخ البشري بنظرةٍ فاحصةٍ إلا يتأكد له أن نهر الحياة الجاري في الأرض منذ ألوف السنين مصبغ ٌ بالدم ، وأن اللون الأسود القاتم هو اللون الطاغي على سائر الألوان في عيون البشر . فالآلام والأمراض والمصائب لا تستثني أحداً ، والكوارث الطبيعية لا تستثني بلداً ، وشريعة القوة هي السائدة ، فالفرد القوي يسحق الفرد الضعيف ، والظلم مستشرٍ حيثما كان ، منذ بدء التاريخ؛ وهذه الحقيقة يؤكدها الدكتور داهش في مواضع كثيرةٍ من كُتُبه القصصية الوجدانية . ويمكن إيجاز موقفه من الظلم بالسداسية التالية :

          لقد داس القوي على أعناقنا وهشم رؤوسنا

          لقد استلب أموالنا ، ثم سطا ظلماً على أعراضنا

          لقد شاهد آلامنا ، فسخر منا لاهياً ثم طرب لأمراضنا

          لقد انتزع منا بيوتنا ، وطردنا منها طردةً منهكة

          لقد هزأ بنا وبأجدادنا طويلاً متخذاً إيانا ألاعيب مضحكة

          ثم نراه وقد تخلى عنا ، بعد أن قوض أمانينا وحطم كؤوسنا .

وبالرغم من قيام الأنظمة الديمقراطية الحديثة ، ونشوء منظمة الأمم المتحدة ، ما زالت العدالة بين الشعوب أمنية سرابية ، والدولة القوية لا تعدم حيلةً تتوسلها تحت شعار المؤزارة ورفع الحيف لتجذب إليها الشعوب المظلومة ، لكنها لا تلبث أن تصبح جلادها الجديد . يعقب الدكتور داهش بلسان الدينار الذهبي ( بطل قصة ” مذكرات دينار ” ) ، على خطاب الملك جورج السادس عشية الجلسة الافتتاحية لمنظمة الأمم المتحدة في 10/1/1946 ، بقوله :

          وقد كان هذا الخطاب بمثابة افتتاح هذا المؤتمر الذي يهدف لبناء ( عالم جديد ) تشيد أسسه على حجارة  ( العدالة ) … هذه الكلمة الخرافية السحرية التي رددتها الأجيال منذ فجر التاريخ ، وما زالت ترددها دونما انقطاع .

          ولكن عندما تريد الدولة القوية أن تبطش بدولةٍ أقل قوةً منها ، فإنها تسخر بشعب تلك الدولة ، بعدما تخدعها وترقيها بهذه العبارة الخيالية كما يرقي الحاوي أفعوانه !…

          وإذ ذاك يتم لها ما تريد بمؤازرة ذلك الشعب نفسه ، لأنه يعتقد أن سيتمتع بالعدالة التي تضن بها دولته عليه . وعندما يسقط في الشرك ، يسام الذل والهوان .

          ولذلك كله يرى مؤسس الداهشية أن القوانين التي تسنها الشعوب إما تكون سخيفةً، مصوغةً بطريقةٍ تخدم الأقوياء وذوي المصالح الكبرى ، أو تبقى حبراً على ورق ، إن طبقت فعلى القاصر والفقير والضعيف ، أما المجرمون الكبار فيتملصون من قبضة العدالة أو يصبحون من مشَّرعيها . هذه الحقيقة التي نشر الدكتور داهش صورها الاتمة في ” مذكرات دينار ” أجملها في سداسية بعنوان ” العدالة الموؤدة ” :

          يا أعواد المشانق … كم لك من ضحايا بريئةٍ شريفة !

          وكم من أثمةٍ لم يتأرجحوا بحبالك القوية ،

          ولؤماء لم تطلهم يد الأحكام العدلية !

          إن دموع الآباء والأبناء تشق الفضاء !

          وصرخاتهم العميقة تخرق السحاب فالسماء !…

          لا كنت يا أحكام !… وتباً لك ، أيتها القوانين السخيفة !

          لكن هذه القاعدة العامة لها استثناءاتٌ كثيرة ، لا سيما في البلدان التي انتصرت فيها الحرية وازدادت حرمة حقوق الإنسان ؛ والمثل الأبرز على هذا الصعيد يراه الدكتور داهش في الولايات المتحدة الأمريكية التي ، على غطرستها حيال الشعوب الأخرى ، تمكنت من إقامة العدالة على أرضيها إلا في مجالات قليلة .

          ويؤكد الدكتور داهش أنه على استحقاق البشر لما ينزل فيهم من آلام ومصائب ، فإن الصالحين نسبياً بينهم قد يُمتحنون أحياناً ليسبر عمق إيمانهم فيزداد فضلهم ؛ هكذا تكون المصائب حافزاً لهم إلى مزيدٍ من الارتقاء الروحي ؛ علماً بأن تلك المصائب الامتحانية تبقى خاضعة لنظام السببية الروحية ، وإن لم تكن نتيجةً للاستحقاق الشخصي .

          ويبقى في التاريخ الديني مثل أيوب الصالح هو الأبرز على هذا الصعيد . غير أن مؤسس الداهشية يمدنا بمثلٍ جديدٍ يعرضه في كتابه الملهم ” مذكرات يسوع الناصري ” هو سجن الشرطة الرومانية لبطرس الرسول يوم كان المسيح ما يزال في حداثته ز فبعد أن يحضر شقيق سمعان بطرس إليه ويخبره بأن موت قائد الشرطة الرومانية في كفرناحوم الذي حدث على أثر تقريعه وتهديده ليسوع ، ألقيت تبعت على سمعان بطرس ، فحكم عليه بالسجن عاماً كاملاً ، يقول يسوع الفتى لشقيق سمعان :

– يا للظلم الشنيع !

  لا تحزن ، ولا تبتئس ،

فإن هؤلاء الأشرار سيلاقون أشد الجزاء .

ليكن إيمانك بالله وطيداً .

فإن هذا الأمر قد تم كتجربة

ليُعجم بواسطت صلابة إيمان سمعان .

فإذا لج وتذمر يكون الخسران حليفه ،

وإن صبر واستسلم للإرادة الباري تعالى ،

فالفوز سيسير في ركابه .

ويا لساعدته !

ومثل بطرس الرسول كثيراً ما حدث وتكرر قبلهوبعده ، عند بعثة كل رسالةٍ سماوية. فاضطهاد الأنبياء

وتلاميذهم في جميع العصور يستوي في الخط نفسه . إنه معاناة العذاب والاضطهاد والاستشهاد من جراء التشبث بالإيمان الروحي الجديد ؛ علماً بأن الرسالات السماوية والهدايات الروحية كلها ذات وحدةٍ جوهرية .

          ولئلا يخسر أي إنسان فضله في الصبر والاستسلام للمشيئة الإلهية ، عند حلول المصائب ولآلام ، بسبب عجز البشر عن كشف أسرار السببية الروحية المهيمنة على مجرى الحياة ، فإن مؤسس الداهشية يوجب الإيمان بعدالة السماء في كل ما يصيبنا . يقول:

          أنا أؤمن بأنه توجد عدالة ٌ سماوية ٌ، وأن جميع ما يصيبنا في الحياة الدنيا من منغصات وأكدار إن هو إلا جزاءً وفاقاً لما اجترحناه في أدوارنا السابقة من آثام ٍ وشرور ؛ ولهذا يجب علينا أن نستقبل كل ما يحل بنا من آلام الحياة ومآسيها غير متبرمين ولا متذمرين ، بل قانعين بعدالة السماء ونظمها السامية .

          وينبه الدكتور داهش الناس إلى أن العدالة الروحية كانت – وما تزال – مقترنة بالرحمة الإلهية التي تتجلى في إرسال الأنبياء والهداة من أجل إنارة بصائر الناس علهم يرون الطريق الذي يؤدي بهم إلى الارتقاء الروحي وبالتالي إلى إبعاد الآلام والمصائب عنهم ؛ لكن الناس كانوا- وما زالوا- يجحدون المرسلين ويضطهدونهم منزلين بهم أشد العذاب .

          نعم ، إن الإنسان يستحق هذا المصير التاعس

          إذ كم من المرات زار أرضنا عددٌ من الأنبياء ، رُسُل الله ،

          وشرحوا لنا حقيقة الوجود ، والغاية التي خلقنا لأجلها ،

          وأطلعونا على أسرارٍ روحيةٍ سماوية ،

          وأكدوا لنا أننا ، إذا سرنا على هداها،

          وتنازلنا عن بعض لذات جسدنا الحسية الترابية ،

          فإننا ننال عوالم فردوسية متعها خالدة ولذاتها سرمدية .

          وإذانا نهزأ بهم وبتعاليمهم ،

          ونسخر من أسرارهم الروحية وإرشاداتهم السماوية ،

          ونضطهدهم ونرشقهم بكل فريةٍ ،

          ونصمهم بكل نقيصةٍ وتهمةٍ زرية …”

          واضطهاد الأنبياء والهداة يؤدي إلى مضاعفة عقاب الظالمين وإلى رسوفهم في شقائهم وويلاتهم طول أجيالٍ كثيرة متعاقبة ، لأن العقاب الإلهي لا ينال الجاحدين البغاة فحسب ، بل يمتد أيضاً إلى أبنائهم وأحفادهم وذراريهم بسبب كونهم امتداداتٍ نفسية وراثية لطاقاتهم الإدراكية والنزوعية والإرادية.

          هذه الحقيقة التي أوضحها مؤسس الداهشية في مواضع مختلفة من كتاباته ، أشير إليها في الوصية الثانية من وصايا الله العشر التي أنزلت على موسى النبي ، في معرض تحريم عبادة الصور والتماثيل أيا يكن من تمثله . قالت الوصية : ” لا تسجد لهن ولا تعبدهن لأني أنا الرب إلهك إلهٌ غيورٌ أفتقد ذنوب الآباء في البنين إلى الجيل الثالث والرابع من مبغضي ، وأنع رحمةً إلى ألوف من محبي وحافظي وصاياي .”

          تلك كانت صورة النظام الإلهي للعدالة الروحية الشاملة ولمفاعيلها في أوضاع البشر . وعلى هذه القاعدة بني مفهوم نظام العدالة ، في التعاليم الداهشية ، بأبعاده المختلفة : العدالة في التعامل ، عدالة السلطة ، عدالة القضاء ، العدالة السياسية ، العدالة بين الشعوب .

العدالة في التعامل بين الناس

          من البديهيات في التعاليم الداهشية أن كيفية تعامل الإنسان مع الآخرين يحددها مستوى سيَّالاته . والسلوك التعاملي يتأثر ، بالدرجة الأولى ، بالمبادئ الخلقية الدينية ، أو الخلقية الفلسفية التي يعتنقها الإنسان .

          ولا شك في أن المؤمن بخلود النفس وبالثواب والعقاب إيماناً صادقاً يكون له من ضميره رادعٌ عن أعمال الإساء للآخرين ؛ أما الملحدون أو المشككون أو المراؤون فليس لديهم ما يردعهم عن إشباع نزواتهم ومطامعهم باستخدام كل وسيلةٍ ممكنة مهما تكن دنيئة . لا يشذ عن هذه القاعدة إلا قلائل من المفكرين يكونون متمتعين بمستوى إدراكي عالٍ يمكنهم من تصور نتائج أعمالهم على الصعيد الاجتماعي ، فيؤثرون الصيت الحسن على السمعة الرديئة . وهؤلاء يبقون قلةً ضئيلة ً في كل مجتمع ، ونفورهم من الإيمان الديني يكون مصدره ، في الغالب ، ما زرعه رجال الدين من مظالم وفضائح وقبائح في طريق الإيمان عبر العصور .

          وبما أن الناموس الروحي هو ناموس الحق والعدالة ، فمن تكن أعماله عادلة يكون مجارياً للناموس الروحي ، وبذلك يرقي نفسه ويزيدها سلاماً واطمئناناً ، ومن تكن أعماله مؤذية فإنه يناقض الناموس الروحي ، وبذلك يسفِّل نفسه ويزرع فيها بذور الاضطراب ، فضلاً عن أن أعمال الباطل ستعاقب صاحبها وفقاً لنظام السببية الروحية الشامل .

          وفي العصور الحديثة ليس من شخصٍ مثّل العدالة في السلوك الاجتماعي مثلما مثلها المهاتما غاندي ( 1869-1948 ) في سلوكه المبني على اللاعنف والصدق والتواضع والاستقامة . والدكتور داهش يستشهد بحياته وتصرفاته في كتابه “مذكرات دينار” كما في مواضع أخرى من كتبه ، بينها مقالٌ كتبه في “وداع عام 1948” الذي شهدت أوائله مصرع غاندي ؛ مما يقول فيه :

          لقد تقوضت أعمدة الفضيلة،

          وأُلحدت العدالة في جدثها السحيق الأغوار،

          وتوارى الحق غائصاً في أعمق الأسحاق خجلاً واستحياءً،

          وكيف لا تقوض أعمدة الفضيلة ،

          ولم لا تلحد العدالة في أغوارها ،

          ولماذا لا يتوارى الحق وينطوي على نفسه أسفاً وخجلاً

 بعدما أطلق الجاني الأثيم (جوداس) ، شقي (يهوذا) الإسخريوطي الخائن،

          رصاصةً على( نبيّ) الإنسانية ورسولها ومصلحها الأمين (غاندي )!

لكن ما تعني العدالة في التعامل ؟

          إذا نظرنا في عمقٍ إلى أعمال الناس وتصرفاتهم وإلى نتائج تلك الأعمال والتصرفات فيما بينهم ، لرأينا أن العدالة في التعامل تقوم على أساسٍ عام هو الصدق في التعاطي بين الناس بحيث لا يخدعون في إتخاذ مواقفهم بعضهم من بعض ، سواءٌ على الصعيد الاجتماعي أم عى الصعيد السياسي أم على الصعيد الديني أم على الصعيد الاقتصادي . وأفهم بالصدق ، هنا ، الصراحة فضلاً عن الاستقامة والأمانة والإخلاص ، أي ما تنطوي عليه الكلمة الإنكليزية Honesty  من مدلولات . فالتاجر الذي يغش ، والسياسي الذي يخادع ، ورجل الدين المرائي، والمرأة المماذقة تملقاً ، والرجل المنافق تزلفاً – هؤلاء جميعاً وأشباههم يطعنون عدالة التعامل في الصميم .

          وقد شدد مؤسس الداهشية على الصدق في التعامل ، وحمل على الرياء والخداع والمماذقة حيثما كانت ، سواءٌ في قصصه أم في مقالاته الوجدانية . وتبرز أهمية الصدق في التعامل لديه في ” أسطورة الصدق ” التي ساقها في كتابه ” مذكرات دينار ” على لسان طاغور ، شاعر الهند الأكبر . وفحواها أن غلاماً غريباً أقبل إلى الناسك المعلم جومايا يحمل له الورود والأثمار طالباً إليه أن يقوده إلى طريق الحقيقة . فأجابه المعلم المتصدر حلقة أبناء النساك :” لتحل عليك البركات ، يا بني . إلى من تنتسب؟ إن الكمال الروحي لا يحاول الوصول إليه إلا البراهمة .” فقال الغلام :” لست أدري ، يا سيدي ، ابن من أنا . وسأذهب لسؤال  والدتي عن ذلك .” وانصرف الفتى إلى أمه واستوضحها الأمر ، ثم عاد إلى المعلم الناسك ، وأجابه عن سؤاله قائلاً : ” لست أدري ، أيها المعلم ، فقد قالت لي أمي إنها كانت في إبان فتوتها مع أشخاصٍ كثيرين ، وحينما وضعتني ، كانت بدون زوجٍ معروف .”

          ويردف الدكتور داهش على لسان طاغور قائلاً:

          ” فارتفعت بين الجالسين همهمةٌ كدوي النحل استنكاراً . ورمق آخرون الغلام شزراً . ولعن سواهم هذا الطريد البريء . عند ذلك تقدم الناسك جومايا وفتح ذراعيه ، وضم الغلام إلى صدره وقبله بلهفةٍ ، ثم قال :

  • أنت تفضل على البراهمة بكثير ، يا بني ، . فإنك ورثت أنبل وأسمى فضيلةٍ ألا وهي الصدق .”

وإذا سلمنا بأن لكل إنسان حقوقاً شخصية ً طبيعية – منها الحريات والملكية والحرمة الشخصية – تقضي

العدالة الإلهية بألا تسلب منه أو يعتدى عليها ، فيمكننا أن نستنتج أن العدالة تقضي بأن يؤدى إلى كل ذي حق حقه ، كما تقضي بأن الأذية لأي حق يعاقب عليها بمثلها . والوجه القصاصي من العدالة عبرت عنه شريعة ” العهد القديم ” بالقول المأثور ” العين بالعين والسن بالسن ” ؛ أما الوجه الإيجابي فقد عبرت عنه كلمة السيد المسيح القائلة ” عاملوا الناس بمثل ما تودون أن يعاملوكم به ؛ هذه هي الشيعة وكلام الأنبياء .”

          وسبق أن أدرج كونفوشيوس هذه القاعدة في تعاليمه ، وكررها في تضاعيفها ، جاعلاً إياها جوهر العدالة في السلوك الاجتماعي .

          وقاعدة العدالة بوجهها القصاصي الآنف الذكر بني عليها نظام العدالة الروحية الشامل ؛ فالإنسان يحصد ما يزرع ، ويعاقب بمثل العمل المسيء الذي قام به . وكثيرةٌ هي القصص التي جعلها الدكتور داهش تطبيفاً لهذه الشريعة الروحية .

          لكن الإنسان الطامح إلى تخطي درجة الأرض الروحية ، يجب أن يتجاوز مبادلة السيئة بمثلها . وهذا ما ميز موقف السيد المسيح ودفع زخماً روحياً سامياً في تعاليمه . فهو يقول :

           سمعتم أنه قيل :” العين بالعين والسن بالسن .” أما أنا فأقول لكم: لا تقاوموا الشرير . من لطمك على خدك الأيمن ، فاعرض له الآخر (…) وسمعتم أنه قيل :” أحبب قريبك وأبغض عدوك .” أما أنا فأقول لكم : أحبوا أعداءكم وادعوا لمضطهديكم ، فتكونوا بني أبيكم الذي في السماوات ، لأنه يطلع شمسه على الأشرار والأخيار ، وينزل غيثه على الأبرار والفجار . فإن أحببتم من يحبكم ، فأي أجرٍ لكم ؟(…) فكونوا أنتم كاملين مثلما أن أباكم السماوي كامل .

          وما دعا إليه المسيح لا يطيقه إلا الساعون إلى الكمال ، ولذلك جعل مطلبه الدرجة الأخيرة في معراج الارتفاء الروحي لبلوغ الكمال . ونادرون بين البشر هم الذين طبقوا هذه التعاليم السامية .

          ومن الخطاء الظن بأن القرآن الكريم لم يناشد الناس ليأخذوا بالصفح والرحمة والإحجام عن الإنتقام . فقد ورد فيه عدة آيات ٍ تحض على ذل ؛منها :” وسارعوا إلى مغفرةٍ من ربكم وجنةٍ عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ، والله يحب المحسنين .”

          ومن عرف مؤسس الداهشية عن كثب ، تأكد له أنه طوال حياته لم يعامل المسيئين إليه بمثل ما عاملوه به، بل تجاوز عن سيئاتهم وشملهم بشفقته ورحمته ومحبته . وهذا الثالوث من العواطف السامية يحتل الصدارة في ” صلاة داهش ” التي يرددها يومياً أتباعه النتشرون في مختلف أنحاء العالم . أما المواقف التأديبية المجلجلة التي وقفها الدكتور داهش من الطغاة وأعوانهم ، فإنما أملتها عليه مبادئه التي توجب الثورة على الحكام الظالمين وأيدتها المشيئة الإلهية التي زودته بقوى روحيةٍ خارقة ، وذلك ليكون الطغاة عبرةً للظالمين في كل عصرٍ ومصر ، وتذكيراً لأولي الألباب بأن نظام العدالة الإلهية المهيمن على الأرض لا بد أن يأخذ مجراه الروحي ضد المتسلطين الجائرين وأعوانهم .

          وفي ضوء ذلك يمكن أن نفهم المفارقة بين طلب المسيح إلى الله أن يغفر لأعدائه ” لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون ” ، وسخط الله عليهم وتشريدهم بعد تدمير أورشليم.

وجوهٌ من العدالة في التعامل

إكتفى الدكتور دهش كمُصلح ٍ روحيٍّ بأن يضع القاعدة ويسلط الأضواءعلى نماذج من التعاطي بين الناس ليُظهر وجه العدالة فيه . وحسبي أن أورِد، في هذا المقام ، أربعة نماذج :

1- بين الرجل والمراة

          مع بداية عام 1936 بدأ الدكتور داهش يخط ” كلماته ” في المرأة والصداقة والحياة بمختلف شؤونها وشجونها . كان عمره ستة ً وعشرين عاماً . لنهكان قد خاض من المحن أهوالها ومن خيانات النساء والأصدقاء أفظعها ، فأتت خواطره وآراؤه في المرأ – كما في الصداقة والحياة – قاتمة ً سوداء ، معبرة ً عن تجاربه الشخصية الكاوية ، لكنها ، مع ذلك ، كانت مبنية ً على قاعدة العدالة في التعامل بين الرجل والمرأة ،ألا وهي الصدق في التعاطي . فالمرأة التي تخدع الرجل لتوقعه في أشراكها ثم تخونه هي امرأة ً ظلمة ، والعدالة تقضي بمعاقبتها وتشهيرها . وإن هو صب جام نقمته على المرأة الخائنة المنجرفة بشهوتها ، فقد نال رشاش نقمته الرجل أيضاً الذي يشارك المرأة في المسؤولية المشتركة أوضحها الدكتور داهش في سداسيةٍ بعنوان ” لا المرأة ولا الرجل ” أدرجها في كتابه ” بروق ورعود ” الذي وضعه عام 1942 ، وقد جاء فيها :

          أنا لا أؤمن بالمرأة . كما إن الرجل لا ثقة لي به في هذه الغبراء

          المرأة شهوانية هوجاء . والرجل ذو أنانيةٍ وسلطةٍ رعناء

          المرأة تبتسم لكل معجبٍ بها . والرجل لا يتورع أن ينصب حباله لكل ابنة حواء

          المرأة تقسم أنها عفيفة . والرجل يؤكد أنه بعيدٌ عن الفحشاء

          مع أن ربة الحقيقة لو تجلت لصاحت بصوتٍ من العلاء :

          إن المرأة الطاهرة والرجل العفيف النفس لا وجود لهما في دار الشقاء.

          غير أن الموازنة الموضوعية شبه الشاملة بين الرجل والمرأة سنراها في كتابه المعجز ” مذكرات دينار ” الذي كتبه في أوائل عام 1946 . ففيه يدلي برأيه الموضوعي على لسان الدينار الذهبي ، بطل قصته . يقول :

          أنا لا أستطيع أن أحكم على نساء الأرض قاطبة ً بسبب اتجاه امرأةٍ واحدة . كما إنه لا يمكنني أنأصدر حكمي ، أيضاً ، لأجل ميولها وضعفها .

          فالمرأة كالرجل ، تشعر كشعوره ، وتتمنى كتمنياته . ومثلما توجد خائنات ٌ ، يوجد أيضاً رجالٌ يتفوقون عليهنّ بالمكر والخيانة والمراوغة . كما أنهتوجد نساءٌ مغالياتٌ في وفائهن ، وكذلك بعض الرجال .

          فإذا وضعنا المرأة على المشرحة ، وقارنا بينها وبين الرجل ، كي نصدر حكمنا على أفضلهما ، لبؤنا بالفشل ، كذلك . وأستطيع أن أقول إنهما متساويان : فإن المرأة تتمم الرجل ؛ وهذه حكمة السماء وإرادة الباري تعالى .

          أما تلك الصورة المضحكة التي ملأوا بها صفحات الجرائد اليومية والأسبوعية ، وشحنوا بأخبارها بطون الكتب ؛ تلك الخرافة القائلة بأن المرأة ضعيفة ٌ كل الضعف أمام رغباتها ، وأن الرجل يتفوق عليها في هذا المضمار ، فإنني أهزأ بمختلِقها ، وأسخر بمخترعها . فوقائع الحال برهنت ، والظروف والمناسبات أكدت أن الرجل أضعف من المرأة ، وأن المرأة تتفوق عليه بهذه الناحية . ولكن، لكل حالةٍ شواذ . فإن هذه النظرية لا يمكن تطبيقها على العموم . فإذا أكدنا هذا ، فإننا نكون جد مخطئين ف حكمنا النقوص

          وخلاصة الأمر أن المرأة والرجل متساويان في الحقوق والواجبات . وما نشاهده من شذوذٍ في بعض النساء أو الرجال ، لا يمكننا أن نأخذه كمقياس ، لنقارع به خصومنا في ساعات المفاضلة بين الجنسين .

          ومن تعميم الدكتور داهش التساوي في الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة يستخلص أنه لم يميز الرجل بأي حق ما كما لم يحرم المرأة من التمتع بأي حق يتمتع به الرجل . وبناءً على ذلك يمكن أن نفهم أنهما يتساويان في حقوق الزواج والطلاق والإرث ، كما في الحقوق المهنية والسياسية والثقافية والإجتماعية .

          وبقوله ” إن المرأة تتمم الرجل ؛ وهذه حكمة السماء وإرادة الباري تعالى ” جعل من الزوجين ، وبالتالي من الأسرة ، الوحدة الطبيعية التي يتكون منها بناء المجتمع .

2- العدالة في التعامل الديني

          قاعدة العدالة في التعامل هي الصدق ، مثلما سبق ذكره . وأوجب ما يكون الصدق هو في التعامل الديني ، وخصوصاً لدى من يتقلدون الإرشاد الروحي والرعاية الدينية كالكهنة والراهبات . فالإنسان العادي قد يكون مؤمناً صادقاً أو مشككاً أو ملحداً ، وليس من أحدٍ له الحق في فرض إيمان ديني معين على أحد ، لأن حق الإعتقاد والعبادة هو من الحريات الشخصية التي لا يجوز المساس بها . لكن الذي يختار بإرادته أن يكون مرشداً روحياً أو راعياً دينياً ، رجلاً كان أو امرأة ، يجب عليه أن يكون صادقاً في عمله وممارسته واجبات دينه ؛ أما إذا كان مرائياً ، فإنه يصبح بمنزلة المخادع المضلل للمؤمنين عمداً وقصداً ، وإذ ذاك يتوجب ضحه وتشهيره برأي مؤسس الداهشية .

          وموقف الدكتور داهش ما هو إلا رجعٌ وتأكدٌ لموقف السيد المسيح من الكهنة المرائين الذين كثيراً ما ندد بهم ، لنقضهم فضيلة الصدق ، قاعدة العدالة في التعامل بينهم وبين المؤمنين . وحسبنا التقريع الشهير التالي :

          الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون ، تقفلون ملكوت السماوات في وجوه الناس ، فلا أنتم تدخلون ، ولا الذين يريدون الدخول تدعونهم يدخلون (…)

          ” الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون ، انتم أشبه بالقبور المكلسة ، يبدو ظاهرها جميلاً ، أما باطنها فممتلئ ٌ من عظام الموتى وكل نجاسة . وأنتم كذلك ، تبدون في ظاهركم للناس أبراراً ، أما باطنكم فممتلئ ٌ رياءً وفسقاً .”

           وفي ” مذكرات دينار ” عدة أمثلةٍ حيةٍ على أرباب الرياء الديني وضحاياه المساكين . فمن مطران يلقي موعظة ً أمام المؤمنين يندد فيها بالمكر المداجاة ، فيستدر تبرعات السذج ، ثم تأتيه أرملة ٌ فقيرة ٌ ذات ستة أطفال تطلب معونته ، فيصرفها بحجة أن خزانة المطرانية خالية ؛ إلى كاهن ٍ يغتنم فرصة غياب المطران ، فيفتح باب خزنته بمفاتيح مزيفة ويستولي على كل ما فيها ، ثم يسام مطراناً بعد موت الأول ، فيعتدي على عفاف اللاجئات إليه بتحريف أقوال السيد المسيح وتأويل معانيها . وما قولك بالمطران (مبروك) الذي يفاجئه موعد القداس الذي عليه أن يقوم به إذ كان مستغرقاً في لعبة قمار مع أحد الكهنة ، فيبادر إلى إلقاء ورق اللعب في جيب كمه السري  العريض مع بعض الحلى التي سرقتها وجلبتها له خادمة ٌ من أقربائه ، ويلقي في جموع المؤمنين عظة ً تشجب القمار ومساوئه ؛ ولشدة حماسته وسرعة حركات يده ، ” أفلت الجيب المثبت في كمه من عروته ، فانقذفت أوراق اللعب في الهواء ، وتناثرت الحلي ، فاصطدمت بوجوه بعض المستمعين لموعظته الفذة …”  لكن المطران الماكر لم يعدم حيلة ، بل سرعان ما حول الفضيحة إلى انتصارٍ خطابي له فقال :

          أرأيتم كيف تبعثرت هذه الأوراق وتفرقت أيدي سبأ ؟

          هكذا سيبعثركم الله في أروقة الجحيم المتقدة النيران ، إذا لم تقلعوا عن رذية القمار والسرقة الدنيئة .

          وهكذا سيكون خجلكم عظيماً أمام عرش الديان ، في اليوم الأخير ، فيما لو استمر المدمنون منكم على التعلق بهاتين الجرثومتين اللتين تقودان إلى الهلاك الأبدي .

          وكي أستطيع أن أشرح لكم أضرار هاتين النقيصتين المرذولتين بصورةٍ تقربها إلى أفهامكم ، وتظهر لكم فداحة نتائجها ، أحببت أن أقرن القول بصورةٍ عملية ، فوضعت ورق اللعب مع هذه الحلي التي أحضرها السارق لي كي أعيدها لصاحبها ، بعدما اعترف ، فوعظته وأنبته على عمله الذميم ، فندم وطلب التكفير …”

          وطبعاً كان تأثير (مبروك) في المؤمنين بالغاً إلى حد أن صاحب الحلي المسروقة الذي كان بينهم تقدم وأعلن تبرعه بالحلي للمطران المفوه التقي !

3- العدال بين المستثمرين والزبائن

          في رأي الدكتور داهش أن قاعدة الصدق نفسها يجب أن تبنى عليها علاقات المستثمرين بالزبائن ، سواءٌ كان المستثمرون مالكين أو محامين أو أصحاب متاجر أو شركات … وقد مدته رحلاته حول العالم بين سنة 1969 و 1983 بتجارب ومشاهداتٍ وافية ليصدر آراءه في التعامل بين الناس . ففي نيويورك لم تعامله الجمارك باستقامةٍ وعدل . وفي عدة مطاعم في عدة مدنٍ أمريكية شاهد اللصوصية والابتزاز الحقير للزبائن . وفي نيويورك استأجر شقة ً ، فتقاضاه صاحبها سلفاً 1600 دولار إيجار شهرين ، لكن ظروفاً طارئة ً جعلت الدكتور داهش يعدل عن الإيجار بعد ساعةٍ واحدة ، ويطلب المالك بإعادة حقه إليه ، غير أن المالك رفض واستولى على المبلغ . فأوكل الدكتور داهش محامياً ليعيد إليه حقه السليب . لكن المحامي لم يقم إلا باتصال هاتفي مع المالك كانت نتيجته الفشل ؛ ومع ذلك طالب الدكتور داهش ب 820 دولاراً لقاء أتعابه .

          وقد علق مؤسس الداهشية علىهذا الحادث الذي هو نموذجٌ عما يقع يومياً في أمريكا بين المستثمرين والزبائن بقوله :

          إن هذا إلا سرقة قذرة دونما ريب . إنه لصوصية ٌ دنبئة ٌ للغاية . فمن يقتنص المال بهذه الطريقة المدنسة ما هو إلا مختلس ٌ جبانٌ يجب تشهيره . فالسارق بحطةٍ يجب أن يزج بالسجون ، فهي مكانه الدائم على ارتكاباته الملوثة .

          وفي فلاكستاف كانت للدكتور داهش انطباعات سوداء عن الشركات السياحية التي تغري الزبائن بما تقوم به من دعاية ، فإذا هم يبحثون عن الماء في صحراء . فبعد اجتيازه مسافاتٍ هائلةٍ بالحافلة ليرى ” الهنود الحمر ” ويصور مشاهد عن حياتهم حسبما وعد به ، فوجئ بالمنع . فقال معلقاً :

          وبأسفٍ كبيرٍ أقول إننا قطعنا آلاف الكيلومترات لكي نشاهدهم ونلتقط صوراً سينمائية ًعنهم ، بعد أن قرأنا الإعلانات التي تصدرها شركات السياحة ، وهي تؤكد إمكان السائح أن يشاهد الهنود الحمر ، ويسجل بعدسته مناظر حياتهم ؛ فإذا بنا نفاجأ ، عند وصولنا إليهم ، بأن يقال لنا ” ممنوع أن تأخذوا أية صورة للهنود !” إذاً هذه الشركات ليست إلا فخاخاً تنصب لاصطياد السائح الذي يصرف الألوف ويبذلها بسخاء في سبيل أخذه لقطاتٍ سينمائية لقبيلةٍ هنديةٍ تاريخها معروف ، فيفاجأ مثلما فوجيئنا بالمنع .

          كلا ، إن هذا إحتيال وضيع ! ويجب على السلطات الضرب بعصاها الحديدية على يد هذه الشركات التي همها الوحيد جمع المال وتكديس الدولارات ، ولكن بطريقةٍ غير شريفة على الإطلاق . وهذا غير جائز .

          ومن يطالع سلسلة ” الرحلات الداهشية حول الكرة الأرضية ” بأجزائها الاثنين وعشرون يقف على أحداثٍ كثيرةٍ مر بها امؤلف في مختلف بلدان العالم ، تجري في الشركات والفنادق والمستشفيات والمصارف والمتاجر والغالريهات وغيرها ، كلها تظهر أن العدالة في المعاملة بين الناس ، ولا سيما بين المستثمرين والزبائن ، أصبحت كلمة ً لا معنى لها ، وأن الصدق اختفى من تعاطيهم ليحل محله النفاق ؛ ذلك بأن تحصيل المال بأية وسيلة أصبح هم البشر الأول ، فهو إلههم القوي الأوحد الذي وحدهم على اختلاف مشاربهم وأجناسهم . إزاء هذا الوضع الظالم يناشد مؤسس الداهشية الدولة بالتدخل منعاً لابتزاز الناس .

          تلك كانت العدالة في التعامل بين الناس في المفهوم الداهشي .