في الأسس الداهشية
فيما يلي مختارات من المقالات والاقتباسات من كتب ومؤلفات الدكتور دهش، مُرتبة تحت العناوين التالية من قِبل الأخ الراحل الدكتور غازي براكس، والتي تُسلط الضوء على بعض الأفكار الأساسية في الدهشية..

1-أللّـــه
الابتهال الاول
الابتهال-الثاني
الابتهال-الرابع
الابتهال-الحادي-عشر
أللّـــه
نشيد-مؤمن
ضراعة-لخالق-البرايا

2-عالَمُ الروح
سلام
يا عالم الروح الطاهر
شوق عارم أو الحنين لعالم الروح

3-عوالمُ الفراديس
سلام على الديار العلوية
مدينة الاحلام الفاتنة
أُغنية ملاك
الحُلم الهابط الى أرض البشر
الكوكب فومالزاب
مدينة سكّانُها لا يموتون فهم خالدون
مدينةُ الأحلام
حلم مُذهِل
أسرار الموت والحياة
رحلة وردة جوريَّة

4-السيِّدُ المسيح
استسلام
ليس لنبيٍّ كرامةٌ في وطنه
إلى فادي الأنام
إلى معدن الطهر و النقاء
رسول السلام

5-داهش الرسول السماويّ
أنشودة الروح
سأعود
نشوة روحية
أنا ثائر
سأُبوتقُ البشر…
أشعر بأنّي أحوي…
أيّها الحُسّادُ الموتورون….
عندما تغربُ شمسي…
أنا القوى الجبَّار
إستقبال عام 1937
ليس من يقظ سواي
وداع عام 1943
الإندماج بالحق
استقبال عام 1970
مات داهش
ظنك خائب
إلى ابنتي في عالم الغيب
إلى ولدي في عالمه المجهول
نصح وإرشاد
عنكبوت النسيان

6-داهش المُؤَدِّبُ الإلهيّ
ثورة إله
يوم الإنتقام
تخيلات ستحققها الأيام
المنبوذ
حلم غريب
جبروت
صعاليك
إبتهال
غضبة مروعة
المؤدّب
أرضكم هذه
انا نارٌ تهوي على اللؤماء

7-لبنان وحصاد الاضطهاد
وداع عام 1944
الويل للمجرمين من يوم الانتقام المروع
وأخيرا أسقط الطاغية وطرد المرتكب الباغية
لبنان أيها التعيس
معركة جهنمية مبيدة
إستقبال عام 1980

8-نذيرُ الفناء
الضباب
خراب الأرض
نيويورك و ناطحات سحابها
اليوم الأخير أو الدنيوية
ليلة الأهوال المزلزلة
فشا الإلحاد فيها
تخيُّلات نوويَّة
الأرض الزانية
حذار ثم حذار
أيضاً إلى أخي سليم
ومادت بهم دنياهم

9-البشر وضاعتُهم وشرورُهم
حقارة البشر وضعتهم
حياتنا التافهة
غرور الإنسان
ذئاب مفترسة
العدالة الموءودة
ثعالب
الإنسان
تمثال الحريّة
تراب
فقاقيع
المال …المال
المال والله

10-السيّالات
شجرةُ معرفة الخير والشر
الكونتينار وصناديقه ال25
الشجرة المشطورة لقسمين
حديث بين بصلتين خضراوين

11-العدالة الإلهيَّة والتقمُّص

12-الرسالة السماويَّة الجديدة
الديانة الداهشية
رسولة الله
الرسالة الداهشية تهاجر
سأغنّي
والدة داهش
كلمة أول حزيران
الحذر واجب

الابتهال الاول
الرب ينقذني في وقت الضيق،
يسدد خطواتي في طريقه العادلة،
ويرشدني لسبله المستقيمة،
يشدد من عزيمتي الخائرة،
و يهدي روحي الحائرة،
من العثرات الشريرة يقيني.
يلهب روحي بالإيمان، و يجدد يقيني،
ينزع من رأسي جميع الأفكار الفاسدة،
يطهر نفسي من شوائبها،
و يغسلها من أدرانها.
يرفع يده القوية فوقي ويحميني.
يبسط ذراعه القديرة و ينجيني.
من له قدرة الله؟
البرايا ترتعد من هول غضبه،
و العواصف تئن بذل لوطأة حنقه!
قدوس هو العليّ.
الغمر يغشاه الخشوع، و تغمره الروعة من ذكر اسمه.
بيساره بدد اعدائي كالخراف الشتيتة،
و بيمينه أبادهم، و جعل أصماءهم لعنة في فم الأجيال.
شحذ من عزيمتي الواهنة.
إستبدل قلبي الواجف بآخر صيغت مادته من الفولاذ.
إضربوا على الصنوج،
و وقعوا على القيثارات،
و اعزفوا على آلات الطرب،
و تغنوا باسمه القدوس،
من دور إلى دور، حتى أبد الآبدين. آمين
الابتهال الثاني
رنموا للعليّ، و تغنوا بصنع يديه.
إحمدوه، يا بني الأرض.
سبحوه، يا جميع ملائكة السماء.
و باركي اسمه، يا أيتها الكواكب التي لا يحصيك عد.
و اخشعي يا انواره الالهية، أيتها الشمس البهية.
وازحفوا يا قضاة الأرض،
واعترفوا بذنوبكم ومعاصيكم تحت موطئ قدميه.
ولتغمركم أمواج من الخجل المتدفق،
يا جميع ملوك هذا العالم،
عندما تشاهدون عظمته الحقيقية.
و لتهرع قبائل الأرض حيث العادل الخالد.
و ليجثوا الجميع امام سدته الازلية.
و لينح بنو الأرض طراً،
بين يدي خالق كل ما هو معروف و مجهول،
و ليسألوه أن يغسل آثامهم،
و يغفر ذنوبهم.
عظيم هو الله في أحكامه العادلة!
الابتهال الرابع
السماوات تترنم باسم العلي،
واللجج السحيقة تعلن آياتها العجيبة،
و الانواء تحدث أبناء الأرض بعظمته و جبروته.
العواصف تطوف في أرجاء المعمورة،
كي تبلغ إلى العناصر رهبوت القدوس.
إخشعي، أيتها الكائنات من ظله الرهيب،
واجثي، يا كافة العوالم، عند ذكره المحيي المميت.
الشمس رفعها في بروجها الحصينة،
و الكواكب أقامها في مراكزها الامينة.
الهواء يطوف انحاء الارض بحكمة مرسومة،
و الفصول تسير على نظامها الثابت بأمره القدوس.
كل ما تراه العيون
ينطق بنظام محتم بمجامع القلوب،
و جميع ما يصل إليه الفكر ،
يبرهن انه يسير ضمن نطاق إلهيّ لا يتعداه.
الحياة منحة وهبها لنا رب الأرباب لأمد محدود.
فلنسر على طريق الفضيلة
كي يكافئنا بحياة روحية خالدة لا انتهاء لها
الابتهال الحادي عشر
وقعوا على نايكم دعاء الحمد،
ورددوا نشيد الثناء لرب السماء.
إهتفوا بترانيم الشكر، و ارفعوا للخالق.
مجدوا القدير ناثر الكواكب و منظمها موكب فمواكب.
عظموا الجالس على كرسي الحق.
إخفضوا الرؤوس واخشعوا لإله اسرائيل.
المحيط يرنم للعليّ من دور إلى دور،
و السماء تشدو من أبد إلى أبد،
و العناصر تطوف أرجاء الكون،
و هي تشارك معشر الكاروبيم في تسابيحها الأزلية.
أما روحي فإنها كانت تلهج بعظمته،
قبل ان اتخذت لها جسدي الترابي لباساً.
و ستمكث معددة مراحمه
طوال أيام ضيافتها القصيرة على هذه الأرض،
حتى تدق ساعة انفصالها و عودتها إلى أصلها الروحاني.
و إذ ذاك ستبدأ بإكمال نشيدها الخالد من حيث انتهى.
أللّـــه
كلمة رقيقة , عذبة , شفّافة , أثيريّة , مقدّسة !
كلمة تلفظها الشفاه برعشة وخشوع !
كلمة تردّدها القلوب برهبة وخضوع !
كلمة ينشدها كلّ بائس ويائس .
كلمة تعرفها البرايا من قديم الزمّان .
كلمة يعرفها الطّفل في سنيه الأولى .
كلمة هي البلسم الشافي للقلوب المتعبة .
كلمة لا يجاريها ( الكوثر ) في عذوبته !
كلمة تحوي سرّ الحياة بأكملها !
كلمة تعلو على أيّة كلمة معروفة ومجهولة .
كلمة قويمة , صارمة , بتّارة , عميقة .
كلمة إختارتها ( القوّة الموجدة ) لتكون رمزاً لها .
كلمة قاسية , ولكنّها عطوفة !
كلمة رهيبة , ولكنّها معسولة !
كلمة عميقة , وعمقها لا حدّ له ولا نهاية !
كلمة سماويّة , ليست أرضيّة .
كلمة قدسيّة , أزليّة , سرمديّة , أبديّة !
كلمة تضمّ في ثناياها أسرار الأبد وخفاياه !
كلمة جبّارة تطغى على ما عداها .
كلمة منتقمة , ولكنّها عادلة تبعث الإطمئنان !
كلمة مبكية , مفرحة , مؤلمة , مؤمّلة !
كلمة موسيقيّة الّلفظ , روحيّة المعنى .
كلمة هي البداية , وهي النهاية !
يا لها من كلمة عذبة خالدة !
كلمة تضمّ الجبال والبحار , والسهول والأنهار ,
والغابات والقفار , والنجود والأغوار ,
وكلّ ما هو معروف ومجهول ,
من مرئيّات هذه الحياة ,
والحياة الأخرى ! ..
نعم , يا لها من كلمة عذبة خالدة :
أللّـــه ! ..
القدس , كانون الثاني 1935
نشيد مؤمن
سبحي الله، ( أيتها الأفلاك) السابحة في أقاصي السماوات!
واشدي بعجائبه، أيتها ( الريح) الطواقة في أرجاء هذا الكون الشاسع!
و حدثي بمعجزاته الخالدة، أيتها (الشمس) البهية!
و أشرف، أيها ( البدر)، من عليائك،
واسكب على أرضنا أضواءك الشعرية!
و رنمي أيتها ( الطيور) ترانيم الغبطة الهنية للعزة الإلهية!
واصدحي يا بلابل الغاب!
واطربي، و اثملي، في كل فجر و عشية!
و تيهي يا أزهار الحقول بخيلاء!…
و أنت ترتدين حللك القرمزية!
و أنت أيها ( الكون) العنيف، الصخاب، الهدار!
إخشع أمام خالق الأكوان القدير الجبار!
و تغني ، أيتها( العوالم) المعروفة و المجهولة بصنع يديه!
* * *
و لتصمت( الملائكة)،
و لتخشع( الارواح) ، و لتستكن( العناصر)،
و ليغمر هذا ( العالم) صمت عميق أخرس،
و ليبق في خشوعه، و صمته السحيق السائد،
حتى أنتهي من ترديد نشيدي للخالق!
بيروت، صباح 22 كانون الثاني 1943
ضراعة لخالق البرايا
تبارك اسمك يا الله!
السماوات تحدث بعجائبك،
و الكواكب تنبئ عن صنع يديك،
و السدم تذيع أخبار معجزاتك،
و المجرات تنشر انباء خوارقك،
و الجبال الشامخة المشمخرة تطأطئ رؤوسها،
و تخر هولاً أمام موطئ قدميك!
و الأشجار السامقة ترتعد من عظمتك،
فتلتجئ لرحمتك الشاملة،
و البحر الجبار الثائر المتلاطم الامواج
يخشع أمام جبروتك العاصف،
و العاصفة تنكفئ و تستكين أمام مهابتك الإلهية،
و الصواعق تصمت و تخرس
فلا يسمع لها ركز أو إيقاع،
و الزلازل تنكمش على نفسها،
فلا يسمع لها همسة أو نأمة،
و البروق المومضة يخبو بريقها و يأفل نورها
أمام انوارك العجيبة،
و الرعود القاصفة تذعر من بهائك و جلالك
فتلزم الصمت الأبدي،
و أسود الآجام و نمور الآكام
يحل بها الوجل لخشيتك السرمدية،
و مخلوقات الأرض طراً تحني هاماتها
و تعفر جباهها بتراب نعليك المقدسين.
إن عظمتك أيها الموجد
لأعجز من ان يصفها قلمي المسكين!
إن فلاسفة الأرض و أدبائها و حكماءها و كتابها و فصحاءها
لأعجز من ان يستطيعوا وصف عظيم جلالك،
و روعة جمالك، و لألاء بهائك!
أي موجدي و موجد البرايا معروفها و مجهولها،
إنني أضرع إليك بخشوع كلي
لكي تقيلني من عثراتي الكثيرة،
و تغفر لي حوبي، و تمحو ذنوبي.
فأنا مخلوق ضعيف، و لا رجاء لي إلا بك،
فرحمتك و حنانك يشملانني، و يشملان الخلائق طرّاً.
إن آثامي متعددة، و ارتكاباتي هائلة رهيبة،
و لكن رحمتك عظيمة و عفوك شامل.
فاشملني برحمتك و عفوك الإلهيين.
آه!ما أعظمك أيها المهيمن الجبار!
و ما أرحمك و اعدلك بنا
نحن أبناء هذه الغبراء المساكين!
مرسيليا، في الساعة التاسعة و الثلث
من صباح 26/2/ 1974
سلام
سلام على ذلك العالم الروحي المضيء الخالد!
سلام على تلك الأنوار الدائمة السطوع!
سلام على ذلم المجد الإلهي الفائق البهاء!
سلام على تلك الديار التي احن إليها أبداً!
سلام على ذلك الملأ السرمدي الطاهر!
سلام على قاطنيه الأبرار، المعاينين انواره الباهرة السنية!
سلام على العالم المجهول الذي لا خباء له و لا افول!
سلام على تلك الأماكن الأرجة العبير!
سلام على من مكنتهم قدسيتهم
من ولوج ذلك المكان الحصين الامين!
سلام على من الضطهدوا و عذبوا في سبيل عقيدتهم الثابتة الحقة!
سلام على من ذاقوا الهوان، و شربوا كأسه المريرة حتى ثمالتها!
سلام على أرواحهم السعيدة من الأزل إلى الأبد!
سلام أنثره على هذا الطرس
من قلب كسير خافق، حزين مكلوم ممزق!
سلام على عالم غير عالمنا المادي المرذول!
سلام عبق فواح عطري، لا مادي موبوء قذر!
سلام أبدي إلى أحكامه العادلة النافذة!
سلام من عالمي الحقير هذا،
أرسله إلى ذلك العالم العظيم السامي!
سلام من مسكين ملأ الكون بآثامه،
وهو يضرع إلى الله أن يغفر له آثامه تلك، و أن يسعه بمراحمه التي شملت الكائنات و طغت عليها.
نعم، سلام، سلام، سلام!
باريس، في 23 نيسان 1935
يا عالم الروح الطاهر
يا عالم الروح الطاهر!
أيها العالم التقي النقي!
أيها العالم البعيد السعيد!
أيها العالم النوراني الساطع ببهاء!
أيها العالم الذي تملأ الطمانينة رحابه الفاتنة!
يا من تتوق إليك نفسي المتألمة،
و تنشدك روحي المتعطشة للقائك!
أيها العالم الذي لا يجرؤ الرياء على الاقتراب منه!
يا من يقطن الصدق في جباله الشماء،
و يجول في اوديته و يحتل شطآنه!
يا من يحيا الحب في جميع أرجائه!
يا من يتلهف إليك كياني!
أبسط جناحيك، و ظللني بما أيها العالم الفتان!
ثم احملني واذهب بي إلى حدائقك الغناء،
و دعني اتفيأ ظلال أشجارك الإلهية الخالدة!
ثم ضمني إلى صدرك الرحب لأشعر بالطمأنينة،
هذه الطمأنينة التي فقدتها في أرض الألم و الشقاء.
ثم حلق بي إلى فردوسك الذي يغمره الحب الإلهي،
و دعني اجوس ربوعه الراتعة بالسعادة الأبدية،
هائماً في غاباته الفاتنة
التي لا يستطاع وصف فتنتها العجيبة،
راقصاً مع حوريات هذه الجنات الدانية لقطوف،
منشداً ترانيم السعادة التي لا انتهاء لها!
و إذ ذاك تثمل نفسي من البهجة التي تغمرها،
و تنتشي روحي من الحبور الذي اندمج فيها!
آه! أيها العالم الروحي العظيم!
متى تأزف الساعة التي أعود فيها، ثانية إليك،
فتكتمل سعادتي و يخلد سروري؟!
شوق عارم أو الحنين لعالم الروح
يا عالم الروح!
أيها العالم التقي النقي!
يا عالم الطهارة السامي!
أيها العالم الذي تطوق روحي إليه!
أنت املي و ملاذي،
و نفسي أبداً بشوق عارم للقائك،
فمتى، متى اجوس ظلالك؟
و متى ارتع في حياضك؟
أيها العالم الذي تحتاطك الطمأنينة؟
إن روحي قلقة في عالمي المادي المخيف،
إذ كل ما يحتويه شرس و عنيف.
لقد مللت وجودي بعالمي الأرضي التاعسة،
و بت بشوق ملح لأن أتفيأ جنتك الدانية القطوف،
فخذ بيدي و ادعني إليك،
يا عالم أحلامي الفردوسي!
نعم، أدعني، أدعني إليك،
لأندمج بعالمك الروحي،
و أسبح موجدي طوال أدهار و آباد.
كتبتها في فندق هلتن بمدينة تورينتو الكندية
الساعة السابعة و النصف من صباح 4/3/ 1978
سلام على الديار العلوية
سلام عليك أيتها الديار العلوية!
سلام على ربوعك الرائعة البهية!
سلام على رياضك الظليلة السنية!
سلام على أرباضك الشاسعة الشهية!
سلام على أشجارك و اثمارك الندية!
سلام على الطمأنينة التي تسود أرجاءك التقية!
سلام على السكينة التي ترتع بها تخومك النقية!
سلام على الصدق الذي يحيا في مدينتك الزهية!
سلام على شمسك الساطعة بأنوارها السحرية!
سلام على البهاء الإلهي الذي يشمل مدينتك الجنية!
سلام على السعادة التي تغمر فراديسك الهنية!
سلام على من استطاعوا البلوغ لهذه الجنة القصيّة!
سلام عليهم يوم خلفوا وراءهم أرضهم التاعسة الشقية!
سلام عليهم لأنهم استطاعوا سحق شهواتهم ليبلغوا الأحذار السماوية!
سلام عليهم يوم ولدوا ، و يوم ماتوا، و يوم بعثوا في درتكم الإلهية!
باريس،30/5/ 1972 الساعة السابعة و النصف صباحاً
مدينة الاحلام الفاتنة
سلام لك يا مدينة الاحلام!
سلام لأرضك الرائعة الفائقة البهاء!
سلام لغاباتك الظليلة الأشجار الوارفة الظلال!
سلام لمروجك العامرة بشتى الورود المذهلة الجمال!
سلام لحدائقك الغناء و مروجك السندسية الإلهية!
سلام لطيورك الصادحة على الأدواح السامقة!
سلام لبلابلك الغريدة و هي تنتقل على الاغصان لمورقة.
سلام لهدوئك الرائع و لسكينتك الحبيبة.
سلام لغدرانك المترنمة و لجداولك الرقراقة.
سلام لشلالاتك المهيبة و موسيقاها المسكرة.
سلام لشمسك الساطعة ببهاء أخاذ.
سلام لكواكبك ذات الانوار الساطعة الضياء.
سلام لروابيك العجيبة الأشجار المثقلة بالأثمار.
سلام لمن استطاع بنقاء صفحته،
الولوج إليك، يا مدينة الاحلام.
سلام من مدلّه بك، مفتتن بربوعك،
مشتاق للسير بدروبك،
تواق أن يحيا في مروجك،
مستهام بحبك،
و يتمنى أن يعيش أبد الدهر بقربك.
بيروت، الساعة الخامسة من مساء 23/ 12/ 1975
أُغنية ملاك
أيها الأتقياء الأنقياء،
أسرعوا إالى جنّات الخلد الدائمة السعادة،
وتفيّأوا ظلال أشجارها العجيبة،
فكفاكم ما لاقيتم في عالمكم القاسي من الآلام.
أسرعوا أسرعوا وأخلدوا في النعيم.
يا من سطّرت أسماءكم بأقلام من النور ،
يا لبهاء ما ستلاقونه من الجذل والحبور!
لقد خلّفتم وراءكم الأحزان والأشجان،
وستلاقون في فردوسكم كلّ عطف ورقّة وحنان،
أسرعوا، أسرعوا، وأخلدوا في النعيم.
يا من حزنتم في عالمكم الشقيّ كثيراً،
لقد أتت ساعة أفراحكم ، فطوباكم!
هنا ترون الغبطة أزليّة سرمديّة،
وأصبحت أشجانكم أسطورةً أرضيّة .
أسرعوا، أسرعوا، وأخلدوا في النعيم .
يا أبناء الفردوس الدائم المتع ،
لقد خلعتم بتقواكم رداء الشهوات ،
فخوضوا الآن النهر الكوثري،
وانهلوا منه فتتجدّد أرواحكم وتشعروا بالراحة الإلهيّة .
أسرعوا، أسرعوا، وأخلدوا في النعيم .
يا من بلغتم قمّة السعادة والمجد ،
بوركتم من أوفياء على العهد.
لقد تعذّبتم في دنياكم من المهد الى اللحد،
فكافأتكم العناية بعد ذلك الكدّ والجدِّ.
أسرعوا، أسرعوا، وأخلدوا في النعيم.
أيّها الخالدون الأبرار ،
للّه ! إنْ أنتم سوى ملائكةٍ أطهار!
إضرعوا الى اللّه أن ينير عقول الكفّار والفجّار،
فينجوا من عذاب الجحيم المتأججة الأوار.
أسرعوا، أسرعوا، وأخلدوا في النعيم.
بيروت، 4 تمّوز 1944
الحُلم الهابط الى أرض البشر
مهداة إلى ليلى داهش بمناسبة عامها الثامن عشر
و ذاعت الانباء في جزيرة الاحلام السعيدة معلنة أن الكاعب الهيفاء أحلام ستغادر الجزيرة الحالمة المجاورة للمجرة و التي يحتاط بفراديسها الخلابة ملايين من النجوم السابحة في فلكها العجيب…هذه الجزيرة الغارقة في الطمأنينة و الهاجعة في سكينة عجيبة و الراتعة أبداً في نعيم مقيم.
وما أذيع هذا النبأ حتى هرعت الربات ذوات الخفر و الدلال، و تسابقت كواعب جزيرة السعادة و غيدها الحسان، وحور عينها الأماليد تتبعهن قيان الجزيرة، و فتيات غابها، و حسان جداولها العذبة النمير.
و تحرك موكبهن العجيب. و في طليعته، كانت الإلهات ينشدن أناشيد عذبة تطرب الآذان لسماعها و تبهج القلوب لإيقاع جرسها الغريب.
و هكذا بلغ الموكب حيث تقطن الكاعب الهيفاء احلام، هناك في قلب الغاب الفتّان حيث تجري الجداول و توقّع بخريرها ألحاناً لم تتعرّف بعد عليها إلا آذان سكان السماء.
وكان شلال ينثر ماسه على الغاب،فيتألق الرذاذ المستقر على أفواف الأزاهير و براعم الورود، و تنعكس انواره و كأنها اليوااقيت العجيبة!
أما صبايا الماء فكنّ يتلاعبن و يتضاحكن و هنّ في جوف البحيرة المقدسة ثم ينشدن للكاعب أحلام و يحيينها برفع أيديهن الغضة البضة.
واندفعت أحلام نحو الموكب القادم لوداعها و طبعت قبلة على فم كل منهن، إذ إن كل ربة من الربات كانت صديقتها الصدوق، و كل غادة هي رفيقة فتوتها، و كل كاعب هي لها أخت ودود.
وقد حاولت الربات أن يردعنها عن عزيمتها، ألا و هي مغادرة جزيرة الأحلام السعيدة، و الهبوط إلى أرض البشر حيث الألم المدمى و الشقاء الدائم و البكاء المرير و المنغصات التي لا نهاية لها. و حذّرنها من مغبّة هذا التصميم المخيف، و شرحن لها الأهوال التي ستحط عليها بأعبائها الباهظة منذ الدقيقة التي ستهبط فيها إلى عالم البشر التعساء.
ولكن الغادة الغيداء أحلام عزمت على مغادرة مدينة سعادتها، و القدوم إلى أرض تعاستها و أفهمت صديقاتها الملتاعات أن لديها من الأسباب ما يجعلها أشد تمسكاً بوجوب مغادرة هذا المكان الغائص بالنعيم الذي لا يوصف،واستبداله بشقاء الأرض و جحيم نكباتها المزلزلة.
كوكب عباقرة الموسيقى و نجم الأدباء و الشعراء
وانطلقت أكليتون باتجاه السدم نحو كوكب النور و الضياء، حيث تقطن أرواح عباقرة الموسيقيين الذين تركوا لعالم الأرض تراثاً إلهياً من الأنغام، تفنى الأجيال دون ان تزول خلوده المستمد من السماء.
كما أن الإلهة بافاليا اتجهت نحو كوكب الخلود الباهر حيث تقطن أرواح الأدباء و الشعراء.
و بلغت كل من الربتين إلى سكان هذين الكوكبين نبأ عزم أحلام على مغادرة كوكب جزيرة الأحلام السعيدة. فهرع عباقرة الموسيقى و أساطين الأدب و الشعر إلى جزيرة الأحلام برفقة الربتين للإشتراك في وداع حلم الجزيرة الفتية.
وكانت تموج بقاطنيها و بمن وفد عليها من النجوم و الكواكب موجاً عجيباً و الجميع يتهامسون بحزن باد على أسارير جباههم قائلين:
-إنها ستغادر كوكب الطمأنينة لتذهب إلى أرض الأبالسة و الشياطين. فيا لغرابة التي لا تصدق!..
بتهوفن يعزم نشيد الوداع
وصمت الجميع و كأن على رؤوسهم الطير عندما عزف بتهوفن نشيد الوداع الرائع بنغماته الشجية، السماويّ بانسجام موسيقاه العلوية، و الفتان بتأثر تموجاته السحرية العجيبة.
فسرت هذه النغمات في شغاف الأرواح المصغية بورع و خشوع. وفجأة انهمرت الدموع من العيون النجلّ. و كان النشيج يعلو من حوريات الأدغال و بنات الغاب و فتيات الجداول.
وما انتهى بتهوفن العبقري من نشيده حتى عانق الجميع بعضهم بعضاً، و هم مغمورون بنشوة أنغام الموسيقى السماوية التي دعتهم يلمسون بأرواحهم أبواب النعيم الحافل باللذاذات التي لا يمكن لقلم بشري أن يصفها أبداً، وانتشى الجميع بخمرة هذه النغمات السماوية المستمدة من الله جلت قدرته. إنها إكسير الآلهة، الأرباب العظام الراتعين في الفردوس، هناك في الجزر السعيدة حيث تتألق النجوم أبداً ببريقها المذهل للعقول، و حيث ينعمون ببهجات يضلّ فيها الفكر و يفنى على أبوابها الخيال.
ولرخامة تلك الانغام العذبة بشجوها، و لعميق تأثيرها على الأرواح، لم تتمالك الإلهات أن يهمرن من الدمع الغزير لتحرك عواطفهن الإلهية المكبوتة.
وتتابع عباقرة الموسيقى على العزف، كل بدوره، فتقدم فاجنر و عزف بعض مقطوعاته الشهيرة، فطرب و أطرب.
وتلاه شوبان فسكر الحضور برحيق موسيقاه العجيبة.
و تبعه كريك الذي سحر سكان النجوم.
و فعل مثله الموسيقار ليست فصفق له الحضور تصفيقاً طويلاً. و عندما انتهى من عزفه أفسح مكانه لزميله برليوز فأبدع هذا العبقري أيّما إبداع، و ألهب الاكف بالتصفيق المتواصل له.
و كذلك حلّق المستمعون نحو الأعالي عندما صدحت أنغام جان سبستيان باخ و أوفنباخ و مندلسون و شومان، و قد أبدع كل موسيقار منهم في عزفه إبداعاً عجيباً.
ثم تقدم هندل و عزف مقطوعة موسيقية تنضح بالألم العميق لفراق الكاعب الصناع أحلام و مغادرتها لجزيرة الأحلام. و قد عبّر هندل بمقطوعته الشجية عما يساور نفوس قاطني جزيرة الأحلام السعيدة من الشجا العظيم و الألم الهائل لاقتراب ساعة افتراقهم عن غادتهم أحلام الفتية.
وهكذا برهن هندل أنه عبقري في تجسيم الآلام التي تساور الأرواح، بشكل أنغام سماوية. و للمرة الثانية صعد بأرواح المستمعين نحو الملأ الأعلى، و جعلهم يلمسون الألم لمس اليد فيسري في أعصابهم و يقطن في أعمق تخيلاتهم، مثلما فعل في المرة الأولى عندما كان يحيا في أرض البشر، يوم أذاع مقطوعته الموسيقية الشهيرة معبراً فيها عن آلام السيد المسيح له المجد.
وما انتهى هندل من مقطوعته الشجية حتى كانت الدموع تملأ الآفاق، و النشيج يوقّع موسيقاه من الصدور، و الأنّات الحبيسة تخرج مرغمة من مكامنها حزناً على فراق أحلام الجزيرة.
وكانت نهاية هذه الحفلة الموسيقية الوداعية عودة العبقري بتهوفن للعزف. فأجاد و أبدع، و حلّق بالنفوس نحو الآفاق العلوية و الاجواز الإلهية، فانتشى و انشى. و شرب الجميع كؤوس الصهباء الإلهية على وقع أنغامه السماوية.
وعندما انتهى من عزف مقطوعاته الرائعة تقدمت أحلام، و شكرته على إبداعه العظيم.و حيّت زملاءه العباقرة، ثم وضعت إكليلاً من غار الجزيرة على رأس بتهوفن، و قدمت لكلّ من الموسيقيين طاقة من ورود الغاب وباقة من بنفسجه و رياحينه الفواحة. فشكرها بتهوفن و زملاؤه و زودها كل منهم بسرّ من أسرار موسيقاه قائلين لها:
-عندما تبلغين الأرض، وتمر بك السنون، و تبلغين فتوتك، إذ ذاك ستشعرين برغبة ملحة في الموسيقى و أنغامها، و ستتلهفين لفك طلاسمها و بلوغ مكامن أسرارها. و ما ذلك إلا لأن كلاّ منا قد زودك بسرّ من أسرار موسيقاه الخفية. و لكنك ستنسين هذا الأمر، لأن الجسد المادي الترابي الذي ترتدينه سيحول بينك و بين تذكرك لهذا الأمر. و لكننا نبشرك بنبوغك الباكر في هذا المضمار، و إننا ننبئك بأنك ستصبحين موسيقارة عظيمة يشار إليك بالبنان إذ سمح رئيس كوكبنا الوضاء أن ننفخ فيك هذه الروح، و نمنحك هذه النعمة الإلهية، فبشراك!!…
فدهشت أحلام و كان سرورها بالغاً و أجابت:
-أشكر هذه النعمة التي منحتني إياه العناية وسأبرهن أنني سأكون أهلاً لها.
الكوكب فومالزاب
الكوكب فومالزابواقترب الكوكب فومالزاب من الكرة الأرضية التي يقطنها البشر، وأصبح على مسافة عام من النور(1) منها. وهذا الكوكب بلغ من الحضارة الشأو الأعلى.وهو يقترب من الأرض كل مليار عام.ويمكث بمركزه الجديد عاماً كاملاً ثم يعود إلى مركزه السابق.
وقد أمر إمبراطور الكوكب أن تجهز السفن الكونية الثلاث لتذهب إلى الأرض. فالكوكب عندما تنتهي مدة اقترابه من كوكب الأرض ويعود إلى مركزه الكونيّ،تحتاج المركبة التي تسير بسرعة النور لتصل إليه ملياراً ونصف مليار عام. وفي كل مليارين من الأعوام يعود فيقترب من كوكب الأرض فيصبح على بعد عام من النور عنه.
وجهزت المراكب الثلاث. فالأولى تحمل على متنها 200 رجل. والمركبة الثانية وضعت بداخلها الآلات الإلكترونية التي يمكن أن يتصل بواسطتها رجال السفينة بكوكبهم الحبيب،كما يستطيعون أن يشاهدوا بعضهم بعضاً بأثناء المخابرة الكونية.كما وضعت بها آلات مُعقدة تُستَخدم لدكّ الجبال وترديمها،إذ لزم الأمر، ولحفرِ أعماقٍ سحيقة. وغيرها من الآلات الصغيرة بحجمها الكبير بفعلها، فهي تستطيع أن ترفع أثقالاً هائلة بينما هي بعيدة عن هذه الأثقال، إذ تكفي لمسة على الجهاز العجيب ليتمُّ رفع تلك الأثقال لإرتفاعات شاهقة.
أما المركبة الثالثة فقد وضعت فيها الأجهزة التي تصنع بها الأطعمة بمختلف أنواعها. فهذه الآلات العلمية الدقيقة بإمكانها أن تحيل ما يوضع في داخل الأوعية من قشورٍ ونفاياتٍ لطعامٍ لذيذٍ بدقيقةٍ واحدة. إذ تتحوَّل النفايات إلى كتلةٍ كالعجين يكيّفها الجهاز لأرغفة جاهزة للطعام تتَّخذ طعماً لذيذاً للغاية. كما يستطيع هذا الجهاز الإلكتروني أن ينوّع مذاق الأطعمة حسبما يُراد لها أن تكون. وقد ثُبِّت بهذه المركبة أيضاً جهاز يجعل الطقس حاراً أو بارداً،كما يستطاع أن يبقي الطقس صحواً أو ممطراً. وكذلك وُضع فيها جهاز كعربة تستوعب ستة رجال كوكبيين، وتسير بهم بسرعة على الأرض أو الماء أو بالفضاء.
وجهزت المركبات الفضائيَّة الثلاث، وأديرت مُحركاتها دون أن يصدر عنها صوت وكلٌّ منها بطوابق ستة.
وقد اجتمع عليَّة القوم والمسؤولين من رجال الحكم ليودعوا الراحلين. وانطلقت المركبات بسرعة هائلة وإذا بها تغيب عن الأنظار.
وكلّ مركبة كونيَّة يقودها أربعة قباطنة، إذ هي مستطيلة كالقلم، لكن داخلها لولبيّ. فيجلس القائد وهو مُمسك بعصا القيادة، وكذلك بنهاية المركبة قائد آخر، وعلى جانبيها الأيمن والأيسر القائدان الآخران. وأمام كلّ منهم نافذة عليها مادَّة شفَّافة لا يستطيع الرصاص أو ما هو أشدّ مفعولاً منه أن يخترقها، ومنه يشاهد القادة طريقهم.
إذاً المركبة يقودها أربعة رجال، ولكن بانتظام. فالقائد الأساسي هو احدهم. وإذا لزم الأمر أن تتجه المركبة إلى الناحية اليمنى، فمن الصعوبة أن يتمَّ اتجاهها وهي تسير بسرعة النور، فبمحاولتها للإتجاه إلى الناحية اليمنى تكون قد قطعت مئات الآلاف من الأميال وأصبحت بعيدة عن هدفها. فوالحالة هذه، يُضاء نورٌ بنفسجيٌّ أمام القائد الذي يجلس على الميمنة، فيقودها فوراً لاتجاهها الصحيح. وإذا كان الهدف الناحية اليسرى، أُضيء النور البنفسجي أمام الجالس من تلك الناحية فيقودها فوراً، بينما تُطفأ محركات الرأس الأمامي والخلفي والجانب الأيمن. وإذا أريد أن تسير المركبة باتجاه معاكس لتبلغ هدفها، تعطى إشارة الضوء البنفسجي للقائد الجالس هناك فيقودها لهدفها.
كان الرجال المئتان يصغون لموسيقى كوكبهم المشنِّفة للآذان وهم يشاهدون البرنامج أيضاً.بينما سفينتهم تسير بسرعتها الخارقة التي تعجز عنها اختراعات الأرض.
الرجال أقزام. فارتفاع الطويل منهم 35 سنتيميتراً. لكن لديهم طاقة مُذهلة.فالقزم منهم يستطيع أن يرفع أثقالاً يعجز عنها عشرة رجال من رجال الأرض!
أما حديثهم فيتمُّ بواسطة النفخ. فعندما يتحدثون ينفخون حيناً بأفواههم وحيناً بأنوفهم، وهذه النفخات تؤلف لغتهم الكوكبية. ومنها الصفير المتنوع فهو تتمَّة اللغة الفومالزابية.
أما عيونهم فحجمها كرأس المسمار، وسرعتهم بالركض والقفز خارقة، وآذانهم مستطيلة، وبقدرِ استطالة الأذن يكون ذكاء المرء أو عدمه. فمن تستطيل أذنه حتى تبلغ الأرض-رجلاً كان أم امرأة-فذكاؤه عجيب، وهو محترمٌ للغاية.
امرأة واحدة فقط رافقتهم، وهي زوجة رئيس الحملة، وقامتها 30 سم. وهي تعتبر من المُلسنات، فحديثها النفخي لا يجارى، وهي مُثقَّفة رغم صغر سنها، فهي في عامها الألفي، أي في ربيع عمرها وزهرة صباها فسكان فومالزاب يعمّر كل منهم 6000 عام. ومديدو الحياة-وهم قلَّة-تمتدُّ أعمارهم حتى السبعة آآلاف من الأعوام.
والمرأة بطبيعتها تحب الزينة. لهذا كانت زوجة قائد الحملة تنفث بفمها من جهاز صغير بطول الإصبع، فتخرج منه مادَّة تتَّخذ شكل دائرة تستطيع أن تشاهد فيها وجهها. ثم تذوب هذه الدائرة في الفضاء وتتلاشى المرآة.
أما زوجها فعمره 2000 عام وهو أقلّ ثقافة منها. وقد حاول منعها من مرافقته، ولكنه لم يستطع أن يفرض إرادته عليها، فهو متأكد أن الرجال يستميتون في سبيلها، وكلٌّ منهم يتمنَّى أن تكون زوجة له إذا انفصل عنها، والسعيد منهم من تختاره. ولهذا رضخ لرغبتها، فرافقت الحملة. وكان جميع من في المركبة ينفذون رغباتها فوراً والسرور يغمرهم إذ أسرتهم بأنوثتها البادية للعيان.
عاماً كاملاً أمضته السفن وهي تقطع محيطات الفضاء وأوقيانوساته بسرعة النور. وكانوا بأجهزتهم الدقيقة المذهلة يشاهدون الأرض وما يجري فيها من خيرٍ وشر.
كما كانت أجهزتهم العلمية الخارقة تتيح لهم أن يأخذوا نسخاً عن الصحف اليومية والأسبوعية والكتب التي تصدرها المطابع. وكان جهاز الكتروني يترجمها للغة كوكبهم فومالزاب. فيطالعون ما خطَّته أقلام أهل الأرض، وهو لا يضارع آدابهم الرفيعة وثقافتهم العالية.
وكانت سافاليا زوجة رئيس الحملة تقضي أكثر أوقاتها في الحديقة حيث تجلس بين ورود كوكب فومالزاب العجيبة الأشكال تقطف منها باقة عطرة، وتشبك وردة بشعرها لتشبع غرورها النسائي. وكانت الحديقة تضمُّ عدداً كبيراً من أشجار الكوكب الغريبة المنظر والعطرية الرائحة. وكانت سافاليا تصغي لتغريد طيور زرقاء وكحلية وإسمانجونية وقوس قزحية، وكان صدحها وكأنه موسيقى تعزفها السماء. وفي أحد الأيام استخفَّها الطرب وهي تجلس بين الأزهار بحديقة المركبة الكونية،كانت بلابل الكوكب ذات الألوان المتعدِّدة تغرِّد أغاريد البهجة وهي تتنقل على الأغصان الملوَّنة أيضاً، فأنشدت سافاليا النشيد التالي:
أنا سافاليا الجميلة
تحملني المركبة ياتانيا منطلقةً بي بسرعة النور
وانا أجلس في جنَّةٍ مُصغَّرة تمثل جنَّات فومالزاب كوكبي المفدَّى،
تحيط بي مجموعة من ورود وأزهار جمالها عجيب غريب.
وبلابل كوكبي ينشدنني أغاريدهنّ العذبة،
تشاركهنّ طيور بلادي التي اشتقت إلى ربوعها المُذهلة الفتنة.
وأنا اودُّ ان أبلغ كوكب الأرض،
لأشاهد عالماً غير عالمي العظيم،
جائبة رحابه طاوية سهوله، مخترقة جباله،هابطة أوديته.
ثم يحدوني الشوق للعودة إلى مدينة أحلامي فومالزاب
فأطير إليها بخيالي، ثم تحلّق بي ياتانيا،
عائدة بي إلى وطني الحبيب،
حيث ولدت وحيث سأموت وأدفن بربوعه المقدَّسة.
كان الإتفاق قد تمَّ على المكان الذي سيهبطون فيه، وقد اقتربوا منه وكانوا على ارتفاع عشرين مليوناً من الأميال فوقه. وإذ ذاك أوقف القائد محركات السفينة وكذلك السفينتين الأخريين، وأشعلوا محركات أخرى سرعتها عادية، وابتدأوا بالهبوط.أخيراً، استقرُّوا في سهلٍ ممتد المسافات.
وصادف دقيقة هبوطهم مرور قافلة من الجمال، ففغر رجال القافلة أفواههم عجباً مما شاهدوه، واقتربوا من مكان المركبات، وإذا بهم يتطايرون بالفضاء.
وشاهدوا رجالاً قصار القامة ينفخون باستمرار بقوة وعصبية، وفهموا من نفخهم وإشاراتهم اليدوية أنهم يطلبون منهم الابتعاد فوراً. فولوا الأدبار، والخوف قد هزهم هزاً.
وتوقفت المحركات، وضغط قائد المركبة الأم على جهاز داخليّ، وإذا بقبةٍ كالخيمة من المعدن تظلِّل المركبة، وكذلك فعل الفائدان الآخران بمركبتيهما.
وتجمهر أهل القرية لمشاهدة أعجب ما يمكن أن تشاهده العيون، والدهشة مرسومة على وجوههم. وذهب عدد من رجال السفينة إلى غابة تبعد عن مكان استقرارهم، نصف ساعة. ورافقتهم جماهير من أهل القرية. وقد ارتقى رجال الكوكب الأشجار، وامتشقوا أوراقها وطلبوا بالإشارة من الجمهور أن يفعل فعلهم. فصعدوا الأشجار وجرَّدوا الأغصان من أوراقها، ووضعت الاوراق ضمن اوعية عميقة. ثم سلّط الأقزام عليها أشعة خضراء من آلة صغيرة، فتحوَّلت أوراق الأشجار إلى عجين قُطِّعَ كأرغفة. فأكلوا منها وأطعموا أهل القرية الذين ذُهلوا من هذه الخارقة، كما استطابوا ما أكلوه للغاية.
أما الماء فكانوا يضعون الوعاء، ويسلطون عليه أشعة صفراء، فيمتلئ بماءٍ صافٍ مذاقه كماء الينابيع الجبلية. وبإمكان هذا الجهاز أن يدع الماء بارداً جداً أو في غاية السخونة.
وكان كل قزم يحمل بيده عصا طولها 31 سم، وثخانتها 20 سم، وبأعلاها فتحة صغيرة وفي أسفلها ثبتت عجلات ككلل الأولاد. وهذه العصيّ المعدنية مجوفة. وقد دخل كل قزم في عصاه، فإذا بهذه العصي تسابق الريح، فهي مراكب عجيبة غريبة، وعادوا بها حيث تقف مركباتهم الفضائية مخلفين أهل القرية والعجب الشديد قد استبدَّ بهم أيَّما استبداد.
واختار رجال الكوكب فومالزاب سهلاً شاسعاً في تلك القرية. وركزوا آلاتهم الالكترونية، ثم باشروا في الأسبوع الأول من وصولهم إلى كوكب الأرض، بناء هيكل عظيم تخليداً لزيارتهم للأرض. وقد حوَّلوا أكواماً من تلالِ الرمال والحجارة إلى معجونة بواسطة آلاتهم الالكترونية. ثم قطَّعوها بقياساتٍ مختلفة اختاروها ونفَّذوا فكرتهم فجعلوا منها أعمدة ضخمة للغاية، ومنها حجارة مختلفة الأحجام. ورفعوا هذه الأعمدة بآلاتهم العجيبة، فإذا هي مُنتصبة شامخة تناطح السحاب. وثبَّتوا على قمة كل عمود منها تاجاً حجرياً هائل الضخامة والثقل.
ثم سقفوه بحجارة متداخلة بعضها ببعض، فأصبحت كأنها قطعة واحدة لا انفصام فيها.كما أقاموا سوراً مرتفعاً حول الهيكل العظيم، ووضعوا أعلاه بضعة حجارة هائلة الطول والعرض، وتركوا حجراً ضخماً للغاية من المعجونة التي صيغت من الرمال والحجارة، وأبقوه بمكانه، وهو يعرف الآن بحجر الحامل، إذ لا يزال مُلقى منذ ذلك العهد السحيق. وقد أنهوا بناء الهيكل بخلال شهر. فآلاتهم الإلكترونية تقوم بالعجائب والخوارق.
كذلك تزوج عدد منهم من بنات الأرض.وبعد رحيلهم ولد لهم بنون وبنات.
وبعد مضي ستة أشهر على وصولهم صعد الرجال الأقزام إلى مركباتهم الفضائية الكونية واجتمع أهل القرية بأكملها لوداعهم وكانوا قد تعلموا طريقة حديثهم النفخي لكثرة الاستمرار.كما تعلم رجال الكوكب بضع كلمات أرضيَّة.
واشتعلت محركات المركبات الكونية، وبلمحةٍ خاطفة اعتلت الفضاء، ولسرعتها الهائلة غابت عن الأنظار.
ذهبوا عائدين إلى كوكبهم الموغل في الأبعاد اللانهائيَّة مُخلفين وراءهم قلعة بعلبك الشهيرة شامخة تتحدَّى الزمان، وهي كشاهد على زيارتهم لكوكبنا الأرضي.
نيويورك الساعة 2 و 25 دقيقة
بعد ظهر 29/3/1977
مدينة سكّانُها لا يموتون فهم خالدون
كان أسد الله يسير في شوارع مدينة الأنوار الساطعة ,وقد استطال شعر رأسه حتى بلغ أسفل قدميه . وكان بريق شعره الذهبيّ يلمع تحت أنوار الشموس الستّة التي ترسل أنوارها على هذه المدينة الموغلة في البعد , في الفضاء الكونيّ اللامتناهي .
فنظام هذه المدينة السحريّة بمفاتنها يقضي على المرء , عندما يبلغ من العمر 500 عام , بأن يتحوّل لون شعره الشديد السواد إلى الذهبيّ . فمن يكلّل رأسه شعر ذهبيّ يعرف أنّ الأعوام قد تكأكأت على كاهله وطالت , ويتأكّد له أنه يحمل على منكبيه مئات من الأعوام البائدة .
كان أسد الله شابّا فتيّا , مفتول العضلات , قويّ الساعد , متين الأعصاب , حاضر البديهة , أديبا فطنا وأريبا . فهو لا يشقّ له غبار في مدينة الأنوار الساطعة . لقد رشف من العلم الرفيع ما اختزنه في عقله , فأصبح حجّة في العلوم والفنون والأدب الكوني , حافظا لتواريخ الحروب الكوكبية , مشتركا في الدفاع عن مدينته النورانية . فعندما حاول سكان كوكب السادلاييم اجتياح عاصمة مدينة الأنوار الساطعة , أبلى أسد الله بلاء رائعا , إذ حصدت آلات حرب هذا الشابّ الباسل المتمرس بفنون القتال أرواح أكثر من ألف مقاتل وكأنّهم ألعاب أطفال سخيفة .
وقد توّجت أكاليل المدينة الأكاليبتوس المقدّس رأس هذا البطل المغوار , وأقيمت له حفلات تكريمية كبرى . وأرسل كوكب اسمانديون أشعّته البنفسجية , فأحاطت بأسد الله , تأكيدا لبطولته . وقد تنسّم رائحة أنوار هذا الكوكب , فانتشت روحه . وجذبه هذا النور عندما تنسّمه فإذا هو قد ولجه ولوج المنتصرين الظافرين .
والمسافر من مدينة الأنوار الساطعة الى كوكب اسمانديون يحتاج إلى مركبة بسرعة النور , وإلى زمن يستغرق مليون عام نوريّ !
ولكن من يرسل هذا الكوكب أشعتّه البنفسجيّة اليه , ويتنسّمها , فأنه يجذب إلى الكوكب بلحظة واحدة , فيجد نفسه وقد أصبح يجوس هذه المدينة الخلاّبة التي زيّنها الله بفتنة فردوسيّة مذهلة .
واستقبلت غادات هذا الكوكب الصّيد البطل القادم اليهنّ , تحمله أشعة الكوكب العجيب , ورحن يرقصن له , وهنّ يهزجن أهازيج الترحاب بمقدمه , فثملت نفس البطل وابتهجت روحه .
وانتشى ممّا شاهده من جمال الكواعب الفرحات بلقائه , واستهوته أجملهنّ , فانحنى أمامها ولثم أناملها الغضّة البضّة , وإذا بها تطوّقه وتطبع على ثغره قبلة الزواج الذي لا تنفصم عراه , فهي خالدة من جيل الى جيل , ومن أزل الى أزل , ومن أبد إلى أبد . فالحبّ في هذا الكوكب الوضّاء خالد مدى الآجال والأدهار . ويقتضى ممّن ارتبط بهذا الوثاق المقدّس أن تلده من أحبّها وأحبّته عند انقضاء أعوامه الألف . وبعد بلوغه سنّ الألف عام وولادته , تصبح والدته زوجته مدى الأدهار الزاحفة .
كان أسد الله عندما اقترن ببهاء الربيع لا يتعدّى الخمسمئة عام . فهو ما يزال شابّا فتيا , طريّ العود , متين الأعصاب , تتدفق في شرايينه دماء الشباب الحارّة , فتمنّى لو تباد أعوام حياته ليحيا مع من أسرت قلبه واستهوت فؤاده .
والحياة في مدينة الأنوار الساطعة هي ألف من الأعوام , إذا لا يمكنه أن يشبع رغباته من حوريته التي خلبت لبّه إلاّ بعد مضيّ 500 عام ! ويا لها من مدّة طويلة تمنّى على خالقه أن ينسيه فيها فاتنة فؤاده كي لا يحيا أعوامه المديدة هذه حزينا , بائسا , يائسا , وشعلة حبّها مضطرمة الأوار في داخله , فتحيل حياته إلى شقاء رهيب .
وقاطن كوكب مدينة الأنوار الساطعة لا يمكنه , بأيّ حال , أن يقترن بأية فتاة مدينتها كوكب اسمانديون العظيم إلاّ بعد أن تتصرّم أعوامه الألف , وبعد انقضاء حياته ينتقل الى كوكب اسمانديون , وبمجرّد انتقاله تتغيّر سيّالاته , فتصبح منسجمة مع هذا العالم , وإذ ذاك يمكنه الاقتران بحبيبته – هذا إذا كان قد أوصل سيّالاته لتوجد في هذا العالم الفريد . ولشدّة رغبة أسد الله بمن استولت على عقله وخلبت لبّه , حاول تطويقها بذراعيه وارتشاف لماها , ولكنّه كان كمن يحاول أن يمسك الهواء بيديه , وإبقاءه في قبضته , وهذا من رابع المستحيلات .
وأخذه عجب كبير , إذ قال : كيف , إذا, قبّلتني , وشعرت بقبلتها وقد أسكرتني , وأضاعت نهاي , والآن أحاول تطويقها , فأراني أطوّق الفضاء , مع أنها بجانبي .
وإذا بصوت خفيّ يقول له :
” إنّ نظام هذا الكوكب الإلهيّ يسمح لك , كبطل آزرتك أنوار الكوكب البنفسجيّ فجذبتك اليه , أن تشعر بقبلتها لأنها ستكون زوجتك وحبيبتك عندما تنتهي أيّام حياتك في كوكب مدينة الأنوار الساطعة . وبعد هذه القبلة لا يمكنك الوصول إلى صاحبتها , وهي كذلك لا يمكنها لمسك أو الاجتماع بك حتى تنقضي أعوامك الألف . وإذ ذاك تنتقل إلى كوكب اسمانديون وتلدك حبيبتك المختارة . وعندما تنمو ويشتدّ عودك تكون زوجتك وأنت قرينها الحبيب “.
وحزنت نفس أسد الله , مع أنّ الاحتفاء بمقدمه كان عظيما , ومشاهد الأمكنة التي زارها كانت رائعة ومشوّقة للغاية . وكان طوال تجواله في مدينة الفنّ السامي منطويا على نفسه لعدم استطاعته المكوث مع حبيبة روحه المصطفاة .
عشرين عاما مكث أسد الله في هذا العلم العجيب الغريب . وقاطنو كوكب اسمانديون لا يعرفون النوم على الإطلاق . والليل لا يعرفون منه سوى اسمه , فالنور يغمرهم دائما , والضياء يرافقهم أنّى ساروا أو رحلوا . وعندما يسيرون يرسمون نجمة بأصبعهم على جبينهم , فإذا بهم يرتفعون في الفضاء , ويسيرون فيه كأنهم يمشون على اليابسة .
وكم أذهلته أشجار حدائق هذا الكوكب المذهل ! فأغصانها متهدّلة , وكلّ ورقة من أوراقها الغضّة ذات لون يختلف عن الآخر , فهي مجموعة غريبة من آلاف الألوان الباهرة . وأثمارها الجنيّة متعدّدة , فكلّ شجرة تحمل آلافا من مختلف أنواع الأثمار . وعندما يضع المرء ثمرة في فمه تذوب فورا , ومذاقها العجيب اللذّة يدعه مسرورا ومبتهجا , فيشيع الفرح في أطرافه ويحتلّ أعصابه .
وإذا حاول اقتطاف ثمرة أبهجه منظرها وكانت ذات سيّال مؤذ له , فأنها تنّبهه بصوتها الرخيم قائلة أنا له :
” إياك أن تقتفني , فأنا لسواك ممّن يستحقّون العقاب بالنسبة لأعمالهم السيئة ” .
والجزاء في هذا الكوكب السامي يقع على كلّ من لا يتقيّد بنظامه السرمديّ . وما كان اشد ذهول أسد الله عندما ولج غابة النعيم المقيم , وشاهد شجرة الطاووس السامقة , وقد حطّ على أغصانها الرائعة المفاتن آلاف من مختلف طيور هذا الكوكب الضاجّ بالمحاسن الفردوسيّة . وكلّ طائر منها يصدح بأغاريد عذبة تنسي المرء أحزانه وتزيل عنه أشجانه , فتمرّ الساعات , وتتلاشى الأسابيع , وتفنى الشهور , وهو تائه مذهول مبهور مما يسمعه من أنغام فردوسيّة تدخله إلى سماوات عامرة ببهجات قدسيّة لانهائيّة .
انقضت السنوات العشرون , وانطلقت أشعّة الكوكب البنفسجيّة فحملت أسد الله معيدة إياه إلى مدينة الأنوار الساطعة التي كان قد غادرها .
وقرعت طبول الفرح , وهرعت الملايين تستقبل بطلها المغوار العائد من كوكب هائل البعد . وطويت الأعوام وأبيدت , وأسد الله ما زال ينتظر فناءها جميعا كي يقترب من معبودته , وخالبة لبّه , وحبيبته التي اقترن بها بهاء الربيع التي تزوره في عالم أحلامه مؤكّدة حبّها العظيم وإخلاصها له وفناءها بغرامه المضطرم الأوار .
وكم تمنّى لو أمكنه الانتحار والتخلص من حياته ليذهب الى كوكبها الفاتن . لكنّ سكّان هذه المدينة العجيبة لا يمكن أيّا منهم أن ينتحر , ولو ألقى امرؤ نفسه من قمة أيّ جبل شامخ , وهوى الى الحضيض , لانتصب واقفا دون أن يخدش له ظفر . فالموت لا يأتي أيّ قاطن في هذه المدينة حتى تنتهي أعوامه الألف . لهذا فهو يحصي الثواني , ويتمنّى فناءها , فبفنائها بدء سعادته .
وبما أنّ مدينة الأنوار الساطعة لا موت فيها إطلاقا . فعندما يبلغ المرء عامه الألف يكون قد شاخ , وتوتّرت أعصابه , وانحنى ظهره لثقل الأيام ,وضعف بصره , واخشوشن صوته , وثقلت خطواته , وأخذ يترنّح يمنة ويسرة .
وعندما ينقضي يومه الأخير من عامه الألف , يتغيّر فجأة , فيولد طفلا رضيعا , ويروح ينمو مع الأيام , ويعيد سيرته الأولى , أي يحيا ألفا من الأعوام , ثانية , وبنهايتها يولد مرة أخرى , وهكذا دواليك …
وانقضى الأسبوع الأخير , وأصبح عمر أسد الله 1000 من الأعوام . وبانتهاء آخر دقيقة من عامه الألف اختفى أسد الله بغتة وهو جالس مع زمرة من أصدقائه . فعرفوا بأنه قد ولد في كوكب اسمانديون ذي الأشعة البنفسجيّة . فسكان مدينة الأنوار الساطعة علموا جميعا بحبّ بطلهم ل بهاء الربيع الفاتنة . فأقيمت الأفراح بهجة وحبورا لولادته منها .
وبالدقيقة نفسها التي توارى فيها جسد أسد الله عن العيان , ولدت بهاء الربيع طفلا جميل الصورة متين التركيب . وفور ولادته أطلق ضحكة رنّانة عرفت منها بهاء الربيع أنه كان متلهفا للقياها . فقبّلته وقالت له :
سأنتظرك خمسمئة من الأعوام حتى يشتدّ عودك يا حبيب نفسي الخفيّة . فأنا لك وأنت لي من قديم الزمان , ويد الحبّ التي ربطت مصيري بمصيرك لن تستطيع يد القدر أن تمتدّ اليها . فأننا سنلتقي معا في جميع أدوار حياتنا , وسنحيا معا , وننتقل من كوكب إلى كوكب مدى أدهار وأزمان لا يحصيها عدّ .
وأذيعت البشائر في هذا الكوكب البنفسجيّ معلنة وصول أسد الله بطل مدينة الأنوار الساطعة , وقد أصبح قرين بهاء الربيع أفتن حوريّة بهذا الكوكب .
وعندما اجتمع أسد الله ببهاء الربيع في كوكب اسمانديون , كان عمرها , إذ ذاك , 2500 من الأعوام . وقاطنو هذا الكوكب البنفسجيّ الأشعة يعيشون 10 آلاف من الأعوام , رجالا ونساء .
إذا عند ولادة أسد الله من حبيبته , كان عمر بهاء الربيع 3000 عام . وبعد أن يمرّ على ولادته 500 عام يمكنه ممارسة الحبّ مع قاطنة روحه . فيكون عمرها يومذاك 3500 عام , أي تكون في شرخ فتوّتها وربيع عمرها , إذ يبقى لها من الحياة 6500 عام . وعندما تنتهي أيّام حبيبته لبلوغها العام 10 آلاف , يكون هو في عامه ال 7000 , أي سيبقى بعيدا عنها 3000 عام , ولن يسمح بالتقائه بها بعد ذلك إلا ّ إذا كان قد أوصل سيّالاته الى العالم الذي ستكون فيه . كذلك درجتها هي تؤخذ بعين الاعتبار , فاذا كانت أعمالها قد أوصلت سيّالها لعالمه فلقاؤهما يتمّ , وإلاّ فلن يلتقيا , ربّما لآلاف من الأدهار تباد دون اجتماع .
إنّ النظام الإلهيّ في غاية الدّقة , وعلى المرء أن يتقيّد بالأوامر والنواهي الإلهيّة . وسواء أكنّا في كوكب الكّرة الأرضيّة أم في أيّ كوكب أو عالم أو مجرّة , فيجب علينا السيّر بموجب النظام الإلهي الذي وضعه الله للكوكب والأفلاك والسّدم والمجّرات المعروفة والمجهولة .
وارتفعت الأناشيد من جوقات كوكب اسمانديون ابتهاجا بتوافق سيّالات أسد الله وبهاء الربيع بدليل ولادته منها . إذا لقد أوصل سيّاله بأعماله التي حققها في عالمه الى درجة استحق معها أن يولد في اسمانديون البنفسجيّ الأشعة . وهذا أبهج قلوب سكان الكوكب السعيد .
وإذا بطيور شجرة الطاووس الفائقة الفتنة تصدح أنغام تغاريدها , معلنة الحدث العظيم , حدث ولادة بهاء الربيع لحبيبها أسد الله بطل كوكب الأنوار الساطعة .
أنهيت كتابة هذه الأسطورة في تمام الساعة الواحدة
بعد ظهر 17| 7| 1978 في الولايات المتحدة الأمريكيّة
مدينةُ الأحلام
حلّقت بخيالي نحو الأعالي … وإذا بي أرتقي ربوة فاتنة , تزينها أشجار من الذهب النقيّ تحمل أثمارا مذهلة من الجواهر الثمينة , وأوراقها من الزمرد الجمال ! وأعشاب غابها الهاجع بسكون من اليشب النادر والجزع اليتيم !
وكان النهر المتألق المياه فتنته تأخذ بالأبصار المدهوشة بما ترى . وحصباء هذا النهر الفريد من الفيروز واليواقيت الناصعة البياض والأميتيست البنفسجي .
وكانت كروم الغاب الغنيّ بوروده الفردوسيّة وبيلسانه المصوّغ مثقلة بعناقيد من اللؤلؤ الخلاب .
فتهت ممّا أشاهد , وجبت أرجاءه الحافلة برياحين جنّة الخلد العجيبة .
وشنّفت أذنيّ أنغام فردوسيّة تذهل سامعها وتدعه يحلق الى موطن الكواكب النيرة المتألقة .
وكان القارب المصنوع من ورود هذه الجنّة , وحبقها المصوغ , والمنتور المتعدد الألوان , وشقائق النعمان , يختلط بالقرنفل , والبابونيا , والزيزغون , والأضاليا , والزنابق الأنيقة . فأبحرت فيه , وإذاه ينساب بي في بحيرة يعكس صفؤها الأسماك الملوّنة وهي تسبح بمائها الفرات .وكان البطّ ينساب والأوز يمرحان على صفحة هذه البحيرة العجيبة الرائة بمفاتنها الخلاّبة . وتوقّف زورق المفاتن بي تحت شجرة ظليلة بأغصانها المتهدلة , فانبهرت بجمالها الأخاذ .
وكانت بلابل هذا الرض الإلهي تصدح على أفنانها بألحان عذبة أسكرتني , فحلّقت نحو الأعالي , وانتشت روحي لعذوبة هذا التغريد السماويّ . وتفتح وردة جمرية اللون , وخرجت منها حوريّة هي البدر التمام . وكانت ترتدي أنوار الشمس , وتتوّج رأسها بالبدر المتوهج بأشعته الشعرية , تحيط بها الكواكب النيّرة . وفجأة هبطت مركبة نورانية تقودها يمامتان لطيفتان , فأشارت الحوريّة لي بأن أصعد , وجلست بجانبي . واذا باليمامتين تبسطان أجنحتهما وتحلّقان نحو الأعالي .
ومضت الأعوام , وانقضت الأجيال , وفنيت الآجال وأنا أنعم بصحبة هذه الحورية الحوراء , دون أن أعلم بأن الدهور قد تلاشت لعظم سعادتي التي تعجز الأقلام عن وصفها .
لقد اجتزنا الكواكب , وجاورنا المجرات , واخترقنا السدم , ثم حطّ بنا الرحال في فردوس النعيم المقيم …
ثم استيقظت فإذا بي في أرض الجحيم اللعين .
كتبتها بالسيارة الذاهبة من فرجينيا إلى
واشنطن , في الساعة 10 و 35 دقيقة
من صباح 18\ 8\ 1978
حلم مُذهِل
الطريق ممتدّة أمامي , وأنا أسير بخطى ثابتة , راجيا بلوغ محطّ رحالي …
ومضت الساعات , ولاشاها العدم , وعرت بتعب لسيري المتواصل . وكنت قد وصلت الى غابة أشجارها ظليلة وبحيرتها نميرة , فجلست بظل شجرة فاتنة متهدلة الأغصان . واذا بعصفور يقف على أحد أفنانها ,ويغرّد , فانتشت روحي بعد مشّاق السير , وأضيعت لصدحه بجوارحي , ورحت أخاطبه قائلا له :
أيّها العصفور الغريد ,
يا سمير الأشجار وحبيب الأزهار ,
أيّها المخلوق اللطيف الرائع الصّداح ,
إنّ شدوك قد أثلمني ,
وغناءك الأخاذ استولى على لبيّ .
فليتني كنت طليقا مثلك أيّها الجميل ,
أرود الغياض , وأحلق فوق الأرباض ,
مغردا على رؤوس الأشجار السامقة ,
مرحا , فرحا , طروبا , جائبا الحدائق الفاتنة ,
أتناول من ثمار جنيّها
وأشرب من فرات البحيرة السحريّة .
لك الله يا عصفوري الغرّيد , فإنّ صدحك المذهل قد شده الغاب وأطرب الألباب .
فليتني مثلك يا عصفوري المبدع
حرّا طليقا , لا شيء يكبلني بقيود المادة اللعينة .
إنّها أمنية لن يحقّقها سوى الموت ,
يا عصفوري الغرّيد .
واستولى عليّ نعاس بعد مشاق السفر , فاستغرقت في نوم عميق …
وسرعان ما شاهدت نفسي أسير في طريق عبدت بالذهب الوهّاج , ورصّعت بالجواهر اليتيمة . وكانت أشجار العقيق , والعاج , والمرجان , والياقوت , والزفير , والماس المتألق تقوم على جانبيها , وهي مثقلة بقطوف من الجواهر النادرة . فتلك تتدلى منها عناقيد من اللؤلؤ الناصع البياض , وأخرى مبهظة بحملها من ثمار اليشب , وأخرى ملأى بحبوب من ثمار الجزع الرائع , فبهرني منظر لم يخطر على بال بشر .
وسرت بين صفيّن من الأشجار العجيبة وكأنني في عالم الملكوت القصيّ . وإذا بي أصل الى حديق الجمال الذي لا يضارعه جمال !
فأزهار هذه الحديقة المذهلة تضوع أشذاؤها في الفضاء , فيترّنح من يتنسمّها ابتهاجا وطربا .
وتجلّت أمام ناظريّ حورية حوراء لم يخلق الله من يضارعها بالحسن والرواء , والفتنة والبهاء . كانت هذه الحوريّة الغناج تسير بتؤدة ودلال , ومكان كل خطوة تخطوها تنبثق زنابق ناصعة وورود مخملية , وأضاليا رائعة , وبنفسج عجيب . وكان الفراش العجيب الألوان يحوم حولها ولثم وجنتيها .
وجلست هذه الغادة الألهية ذات الفتنة الخلاّبة بجانب بحيرة يترقرق ماؤها . واذا بالأسماك الملوّنة تجوب الماء الفرات , وكأنها تتمنى لو كان باستطاعتها مغادرة مياه البحيرة لتلثم قدميها . وأنشدت هذه الفتنة المجسّدة بصوتها الملائكي المذهل , واذا بطيور الغاب تهرع نحوها , وتجثم على باسق الأشجار , مصغيّة لشدو الحسناء المبدع . وكنت كالمسحور مسمّرا بمكاني وراء شجرة غضّة تخفيني عن الأنظار .
وفجأة كشف الغطاء عن بصري , فاذا بي أشاهد عصفورين يكسوهما ريش عجيب غريب , إذ كلّ ريشة بلون يختلف عن اللون الآخر , فهما فتنة عجيبة محبّبة للنظر . وقال العصفور لرفيقه : إنّ هذا الزائر لعالمنا قد سمح له أن يلجه بروحه وليس بجسده . فبعد أن أغلق النوم عينيه , أذن لروحه أن يجوب عالمنا , أمّا جسده فها أنت تراه مستلقيا تحت شجرة في عالم الأرض . وسيعود اليها , إذ إنّ أيّامه عليها لم تنته حتى الآن , وما يزال أمامه متسع من الوقت ليغادرها . فان ارتكب المعاصي فالويل لروحه ممّا ستلاقيه في عالم ظلماته مدلهمّة , وويلاته مرعبة وهائلة .
أما اذا كان الصلاح ديدنه والخير غايته , وتمسّك بالفضيلة ونبذ الرذيلة , وتغلّب على ميوله الدنيوية , وداس بجبروت رغباته الدنيّة , فمكافأته كوكبا بهيا في الديار العلويّة .
واذا بالعصفور الآخر يقول لرفيقه : إنّ هذا الإنسان يغذّ السير نحو مدينة القاهرة لينصب فخا لرجل مسكين سيستلب منه ماله , ويقطع عنه رزقه . ويا لسوء مصيره اذا نفذّ ما عزم عليه من شر وبيل . فاذا عدل عن هذا العمل الاجرامي ّ , وأصلح نفسه , فانه ساعة انتهاء أيّامه , يأتي الى عالمنا هذا لتقوده الغادة التي شاهدها ففتنت به , اذ ستقوده الى عالم بهيّ يتفوّق على هذا العالم بما يحتويه من بهجات لا يمكن لقلم أن يصفها .
وانتفض العصفوران فاذا هما شابّان يجللهما الحسن ويكسوهما ببردته المبدعة . فحيّاني كلّ منهما , وأوصاني أن أترك الشرّ جانبا , وأغير سلوكي لأحظى بعالم بهيّ لا يطاله حزن , ولا يعرف للأشجان اسما .
واستيقظت , واذا بي قد انقلبت رأسا على عقب إكمال سفري الى القاهرة , وعدت الى منزلي , وبعت أملاكي , ووزّعت ثمنها على الفقراء والمعوزين , وحسنّت سلوكي , وبت أنتظر انتقالي الى هذا العالم الذي شاهدته لدقائق معدودات لعلّني أعود فأشاهد حوريّة ذلك العالم البعيد السعيد لتكون دليلتي الى عالم لا تقربه الأحزان ولا يعرف معنى للأشجان .
الولايات المتحدة الأمريكية , الساعة الواحدة
من فجر 24\ 10 \ 1978 .
أسرار الموت والحياة
وشعرت بالنعاس يسيطر عليّ ، فذهبت الى فراشي واستسلمت للنوم . واذاني أجوس عالمه البهيّ وأرود فردوسه الخلاّب.
ورحت أتجوّل في غاب سحريّ أزهاره عجيبة ، ومياهه نميرة ، وأشجاره الباسقة تغرّد عليها الأطيار الملوّنة ، فتشفّ الأسماع ، وتطرب الآذان .
وجلست أمام بحيرة ماؤها فرات عذب . وكان الفراش الملوّن يحزم حول الأزهار العجيبة اللألوان ، وضوعها يملأ الأرجاء فيحيلها لحلم خياليّ عجيب .
كنت أستظلّ فيء الأشجار المهدلّة الأغصان البادية الفتنة الخلاّبة . وكنت مسحورا بما أشاهده من مفاتن الغنيّة في هذا الفردوس البهيّ . واذاني أسمع حفيفا خفيفا ، ثم تضوّع عبق محي فرحت أتنسّمه بشوق عظيم . واذاني أشاهد حوريّة حوراء مقبلة نحوي والبسمة العذبة تعلو شفتيها . لقد بهرني جمالها ، واستولى حسنها على كياني ، فذهلت لرؤيتها . ونهضت أحيّيها ، والوجل عقد لساني ، فما استطعت التفوّه بكلمة . كنت ممغنطا أمعن النظر بذهول مأخوذ بجمالها الفردوسي وأنوثتها التي لا مثيل لها .
وتحدّثت إليّ …
وكان صوتها كترجيع صدح كناريّ الفردوس الأخّاد ،
وسجدت أمامها ، فأمسكت بيدي وأنهضتني قائلة لي :
السجود لله ، أيّها الحبيب القادم لفردوسي .
وتلجلج صوتي وخرج خافتا من صدري :
ومن تكونين أيّتها الالهة المتجسّدة ؟
أنا لست الهة ، انني فتاة أحيا في عالم الفردوس البهيّ ،
اذ أوصلت سيّالي لأوجد فيه .
وأنت من اصطفتك روحي .
وكنت أنتظر وصولك بشوق عظيم .
وها قد بلغت عالمي الذي فيه بتّ أقيم .
يا الله ! ماذا أسمع ؟ ! أحقّا أنت حبيبتي المرجّاة ؟ !
هل أنت فتاة أحلامي ومحطّ رحالي ؟!
أأنت من كنت أناجيها دون أن أراها ؟!
أأنت من كنت أشعر بأنني سألتقيها يوما ما ؟!
أأنت من هي بغيتي المفدّاة وطلبتي الخفيّة ؟!
أأنت هي من خفق قلبي بحبّها العظيم ؟!
يا الله ! انّ سعادتي الهائلة ستوردني موارد التهلكة !
فما كانت تتمنّاه روحي قد تحقّق الآن !
وفتح ذراعيه وضمّها الى صدره الولهان ،
ووضع شفتيه على شفتيها وقبّلها بجنون عارم ،
وبادلته حبّا بحبّ ، ولوعة الضرام والجوى ترافقهما .
كم مكثا متضامّين ، وكم بقيا متعانقين …
هذا علمه عند الله واهب الحياة وباعث الحبّ الدفين .
ومضت الأيّام ، وتصرّمت الأسابيع ، وفنيت الشهور …
ثم تتالت الأعوام متتابعة متلاصقة …
وكان الحبّ يزداد اشتعالا
والغرام يزيد ضرامه ضراما .
جوداميا ، يا أحبّ نساء الفراديس الى قلبي ،
انّ حبّك قد سرى في عروقي ممتزجا بدمائي
فليتني أستطيع منحك السعادة التي منحتني ايّاها .
أنت قيثارتي التي أعزف عليها آيات حبّي العميق .
فسعادتك تسعدني ، وشقاؤك يميتني ويفنيني .
فيا أمنية روحي ، أنا أنت وأنت أنا ، وبك نلت المنى .
وأثمر هذا الحبّ الأسطوريّ غادة غيداء أطلق عليها أبواها اسم راهاديا . وكانت شبيهة بوالدتها ، فيها من السحر الحلال والفتنة الفردوسيّة ما لوالدتها جوداميا .
وكان منزلهم من الورود المخمليّة توشّيها أزهار الفردوس النّضرة ، فمنازل الفردوس تبنى من الأزهار . فالربيع في الفردوس أبديّ .
والشتاء لا يطرق أبواب الفردوس اطلاقا ، والشيخوخة لا تعرف هذا الفردوس ، ولا يمكنها الولوج لهذا العالم الحصين الأمين .
وكلّ سكّان هذا الفردوس سعداء لا يعرفون للهمّ اسما ، ولا تقربهم الأحزان اطلاقا ، فهم سعداء دوما .
وطعامهم من أثمار الفردوس الشهيّة . ففيه من كلّ شجرة توأمان . وما تكاد الأيدي تقتطف الثمار الجنيّة حتى تمتلىء الأغصان ، ثانية ، بها دون أن ينتقص منها ثمرة ما . أمّا أنواع الخضار والبقول العجيبة فحدّث عنها ولا حرج ، فالفردوس عنيّ بها ، وحقوله مملوءة بشتّى الأنواع اللذيذة وهي لا تنضب أبدا .
فكلّ نوع من الأنواع اذا قطف يعود اليها ثانية فورا .
والاخاء يشمل عالم الفردوس بأكمله ، فالجميع عائلة واحدة يسودها الحبّ ويغمرها الولاء الدائم .
هنا لا يعرف الحسد اطلاقا ، والغيرة لا وجود لها في هذا العالم السعيد .
والتكالب على المال لا يعرف في هذا العالم البعيد عن أطماع الأرض الدنيّة . فسعيد من أوصل سيّاله الى هذا العالم الغارق بالبهجات اللانهائية .
جوداميا ، يا حبيبة روحي منذ الأزل ، انّ ابنتنا راهاديا قد أصبحت شابّة مغرية ، ففتنتها مستمدّة منك .
وهي لا تستطيع الاقتران بشابّ من عالم الفردوس ، اذ يجب أن تقترن بمن كان حبيبها بدوره السابق . وهو ما يزال في عالم الأرض ، وحتى الآن ليس لديه سيّال فردوسي يسمح له بولوج عالمنا .
فماذا بوسعنا عمله لنجعل فلذة كبدنا ونتيجة حبّنا سعيدة مثلما سعدت بحبّك العظيم .
سوديام ، يا حبّة قلبي المفدّى ، انّ روحي تتعذّب لأجلها ، فليتها تسعد مثلما سعدت معك . ولكن كيف السبيل الى ذلك ؟
انّ حبيبها وزوجها السابق لم يوصل أيّ سيّال من سيّالاته ، حتى الآن ، ليكون هذا السيّال من درجة الفردوس .
اذا لا يمكنه أن يبلغ فردوسنا في عالم أحلامه اطلاقا ، والاّ لاجتمع معها عندما يحمله الكرى على أجنحته الغدافيّة فيزور عالمنا ، ويمضي معها ساعات ما دام غارقا في نومه ….
ثم يعود الى عالم الأرض ، ثانية ، ناسيا أنه كان برفقة معبودته الوحيدة . كان سوديام مسندا رأسه الى صدر حبيبته جوداميا ، وهو يحدّثها . ثم انقطع عن الحديث فجأة ، فعرفت بأنه سيستيقظ ، واذا استيقظ فانه يجد نفسه بفراشه في عالم الأرض ؛ اذ يعود سيّاله الى جسده ، فورا ، بسرعة النور ، أي 300 ألف كيلومتر بالثانية ، فيستيقظ .
وهالها الأمر ، وقالت بنفسها : لا طاقة لي على الحياة اذا غادرني بمفردي في عالم الفردوس ، لهذا سأقطع بسيف النور المرهف سيّال النوم الأثيري المتّصل بجسده المسجّى بفراشه في عالم الأرض .
واستلّت جوداميا سيف النور الحادّ الشفرين القاطعين ، وأمرّته على السيّال المتّصل بجسده الراقد بفراشه في عالم الأرض ، فاذاه يبتر بترا !
وتأخّر سوديام في نومه ، ودخلت والدته لتوقظه فاذاها تصيح صياح الذعر ، وتولول ولولة الثكالى ، فتذيع نبأ موته . وتدخل شقيقاته الى غرفته ، فاذا هنّ يجدنه جثّة باردة فارقتها الحياة ، فنحن ، وقطّعن شعورهنّ أسى ولوعة على المسجى ، وقد انتقل الى عالم آخر مخلّفا عالم الأرض الغارقة بالشقاء .
وفتح سوديام عينيه ، واذاه يجد نفسه مسندا رأسه الى صدر غادة رائعة المحاسن ، فذهل ذهولا هائلا ، اذ تذكّر أنه كان يحلم بأنه كان يجوس فردوسا زاهرا برفقة فتاة هي عينها التي يشاهد نفسه الآن مغمورا بين زنديها الغضّين البضّين .
وتذكّر أنه حلم بأنه قد عاش معها ردحا من الزمن في جنّة قطوفها دانية ، وأطيارها مغرّدة ، وفتنتها لا توصف .
كما تذكّر أن نتيجة حبّه لجوداميا قد أثمر فتاة ساحرة المحيّا ، وأسماها هو ووالدتها باسم راهاديا .
وكم كان ذهوله هائلا عندما شاهد راهاديا نفسها ، وقد انتصبت أمامه تناديه ، قائلة له :
يا والدي الحبيب ، هل أقتطف لك ثمر الحباجيد ؟
والحباجيد ثمر بحجم التفاح ، حلو المذاق ، لذيذ الطعم ، تكفي حبّة واحدة منه لأن تدع آكلها لا يشعر بالجوع شهرا كاملا .
فهبّ واقفا على قدميه ، والدهشة الهائلة تحيط السوار بالمعصم . وقال :
يا الله ! ماذا أراه ؟! وكيف حدث هذا الأمر العجيب ؟!
أم تراني قد جننت وفقدت عقلي ، وما أراه ليس سوى أضغاث أحلام واهم ! أو أني كالمشاهد للماء في السراب ، بينما لا ماء ولا شيء به يتعلّلون !
وتمتم : لقد حلمت بما أشاهده الآ، حقيقة لا شكّ فيها .
فأعنّي ، يا الهي ، أعنّي على حل هذه الألغاز والمعميّات .
واقتربت جوداميا منه ، وأفهمته بأنه الآن في عالم الفردوس يحيا معها منذ زمن ، وأنّ حبّهما قد أثمر ابنتهما راهاديا ، وأنّ الحلم الذي يراه في عالم الأرض لمدّة دقائق ، يحياه في عالم الفردوس هذا أعواما عديدة وسنين مديدة .
ثم بسطت يدها على جبينه ، ورسمت باصبعها على جبهته نجمة مخمّسة الأضلاع ، وقالت له :
بحق الله ، والنبي الحبيب الهادي ، والشخصيّات الست ، والسيّال العشرين أن ترى جثمانك في عالم الأرض .
واذا به يشاهد منزله الأرضي الذي عاش فيه منذ كان طفلا فيافعا ، فشابّا . وشاهد نفسه مسجّى على السرير الذي رقد عليه عندما حلم حلمه السعيد عن جوداميا ، وشاهد والدته ، وشقيقاته ينحن عليه ، وجمهرة من أصدقائه ومعارفه يحطون بجثمانه .
ثم شاهد عربة الموتى وقد وقفت أمام المنزل ، وأنزلوا منها التابوت ، وأدخلوه الى غرفته ، ثم حملوه وأدخلوه في الصندوق ، وأغلقوه عليه .
وكان هو واقفا بينهم ، فاقترب من والدته وهزّها من يدها ، وقال لها : – ها اني حيّ لم أمت ، فانظريني .
فلم تعره التفاتا . فتركها ، وذهب الى احدى شقيقاته ، ففعل معها مثلما فعل مع والدته ، ولكنها لم تسمع صوته ، بدليل عدم ردّها عليه ، فغادرها لشقيقته الثانية ، وفشل أيضا ، فذهل وتأكّد له أنه غير منظور لجميع من هم بمنزله . ولكنه كان يراهم ، ويسمع أحاديثهم ، ويحاول أن يرفّه عنهم ، ولكنّ محاولاته ذهبت أدراج الرياح .
ورافق جثمانه الى المقبرة …
وصلّى على جثمانه الكاهن ….
وقد أعطي ، بعد انفصام سيّاله عن جسده المعرفة الروحيّة ، فتكشّفت له حقيقة هذا الكاهن الداعر ، اذ عرف أنه قبل استدعائه من قبل والدته ليصلّي على جثمان ولدها ، كان قد فسق بامرأة ذهبت لتعترف له بخطاياها . فعندما عرف بأنها زنت مع الرجل الذي تهواه ، أكّد لها أن خطيئتها تغفر اذا سافحها ، فصدّقت أقواله واستسلمت لدعارته .
وهجم سوديام على الكاهن الداعر ، وصفعه بجمع كفّه على وجهه الصفيق ، قائلا له :
أيها الكاهن الزاني ، اصمت ولا تكمل قراءتك لفصل الانجيل ، فما أنت الاّ شيطان قذر ! ولكنّ الكاهن استمرّ بتمثيله ، فعرف سوديام أنّ الصفعة لم يشعر بها ، فتألّم لهذا كثيرا ؛ اذ تكشّفت له المعرفة الروحيّة فعرف أنّ هذا الكاهن ارتكب مثل هذا الاثم مرارا وتكرارا مع نساء عديدات . فضلا عن النذور النقدية التي كانت تدخل الى صندوقه وقد ملأ بها جيوبه ، فصاح قائلا : ليت العناية تدعني أنهض من التابوت لأذيع معلوماتي عن هذا الفاسق ليتجنّبه الناس ويتجنّبوا طغمته الفاسدة ، ولكنّ رغبته لم تحقّق ، اذ مكث ممدّدا في تابوته دون حراك .
ووضعت الجثّة في القبر وهي ضمن تابوتها المغلق ، وهيل عليها التراب ، وسوديام يرى هذه المراسيم والعجب آخذ منه كل مأخذ . وانفضّ الجميع كلّ عائدا الى منزله .
وكم وكم شاهد سوديام من مآس واسرار وفضائح وقبائح ، وعجائب وغرائب لا يمكن أن تصدّق ، ولكنها حقائق واقعيّة لا يأتيها الباطل .
لقد شاهد نساء ومعهنّ أولادهنّ وهنّ من غير أزواجهنّ ، بل نتيجة علاقات غراميّة مع من ارتبطن معهم بروابط جنسيّة .
وكم من فتيات مثاليات يظنّهنّ رفاقهنّ أنهنّ معدن الطهارة ، وما هنّ الاّ فاسقات رجيمات تخشاهنّ الأفاعي الرقطاء .
لقد تكشّف له حقائق الناس فهالته شرورهم وأخافته آثامهم واجرامهم ، وعرف لماذا لم يضع الله حاسّة سابعة للانسان وذلك لكي يمنع عنه أهوالا مرعبة اذا عرفها لتمنّى الموت فورا ، وهذه حكمة الله جلّت قدرته .
وفور مغادرة سوديام المقبرة ، عاد أدراجه الى عالم الفردوس بسرعة النور ، فبلغه ، واذا بحبيبته جوداميا تنتظره بفارغ الصبر ، ومعها ابنتها راهاديا الفاتنة . فاسقبلتاه ، وهرعت جوداميا الى بحيرة النسيان ، وطلبت منه الاغتسال بمياهها المقدّسة ، ففعل ، واذا به ينسى ما شاهده في أثناء الاحتفال بمراسم دفنه . كما نسي انه مات وانتقل الى عالم الفردوس . نسي كلّ ذلك لكي لا يتعذّب نفسيّا من توارد أفكاره المخيفة ، عندما يتذكّر ما شاهده من ختل البشر واحتيالهم ، ومن فسق النساء وتدنيسهنّ لشرفهن وهتك طهارتهنّ وتلويثها بالدنس الملطّخ بأقذار العار .
وظنّ سوديام بأنه خلق في هذا العالم الفردوسي بعدما نسي أنه كان في عالم الأرض ، مثلما يظنّ كلّ بشريّ أنه ولد في عالم الأرض ، ولم يسبق ولادته أيّ وجود له ، غير عالم بأنه كان في عالم آخر غير العالم الذي ولد فيه ، ولكن بمجرّد ولادته ينسى كلّ شيء عن عالمه الذي غادره ، وذلك لحكمة أرادها الخالق للخلائق .
بيروت ، الساعة 8 و38 دقيقة
من ليل 4/2/1979
أسرار الموت والحياة
وشعرت بالنعاس يسيطر عليّ ، فذهبت الى فراشي واستسلمت للنوم . واذاني أجوس عالمه البهيّ وأرود فردوسه الخلاّب.
ورحت أتجوّل في غاب سحريّ أزهاره عجيبة ، ومياهه نميرة ، وأشجاره الباسقة تغرّد عليها الأطيار الملوّنة ، فتشفّ الأسماع ، وتطرب الآذان .
وجلست أمام بحيرة ماؤها فرات عذب . وكان الفراش الملوّن يحزم حول الأزهار العجيبة اللألوان ، وضوعها يملأ الأرجاء فيحيلها لحلم خياليّ عجيب .
كنت أستظلّ فيء الأشجار المهدلّة الأغصان البادية الفتنة الخلاّبة . وكنت مسحورا بما أشاهده من مفاتن الغنيّة في هذا الفردوس البهيّ . واذاني أسمع حفيفا خفيفا ، ثم تضوّع عبق محي فرحت أتنسّمه بشوق عظيم . واذاني أشاهد حوريّة حوراء مقبلة نحوي والبسمة العذبة تعلو شفتيها . لقد بهرني جمالها ، واستولى حسنها على كياني ، فذهلت لرؤيتها . ونهضت أحيّيها ، والوجل عقد لساني ، فما استطعت التفوّه بكلمة . كنت ممغنطا أمعن النظر بذهول مأخوذ بجمالها الفردوسي وأنوثتها التي لا مثيل لها .
وتحدّثت إليّ …
وكان صوتها كترجيع صدح كناريّ الفردوس الأخّاد ،
وسجدت أمامها ، فأمسكت بيدي وأنهضتني قائلة لي :
السجود لله ، أيّها الحبيب القادم لفردوسي .
وتلجلج صوتي وخرج خافتا من صدري :
ومن تكونين أيّتها الالهة المتجسّدة ؟
أنا لست الهة ، انني فتاة أحيا في عالم الفردوس البهيّ ،
اذ أوصلت سيّالي لأوجد فيه .
وأنت من اصطفتك روحي .
وكنت أنتظر وصولك بشوق عظيم .
وها قد بلغت عالمي الذي فيه بتّ أقيم .
يا الله ! ماذا أسمع ؟ ! أحقّا أنت حبيبتي المرجّاة ؟ !
هل أنت فتاة أحلامي ومحطّ رحالي ؟!
أأنت من كنت أناجيها دون أن أراها ؟!
أأنت من كنت أشعر بأنني سألتقيها يوما ما ؟!
أأنت من هي بغيتي المفدّاة وطلبتي الخفيّة ؟!
أأنت هي من خفق قلبي بحبّها العظيم ؟!
يا الله ! انّ سعادتي الهائلة ستوردني موارد التهلكة !
فما كانت تتمنّاه روحي قد تحقّق الآن !
وفتح ذراعيه وضمّها الى صدره الولهان ،
ووضع شفتيه على شفتيها وقبّلها بجنون عارم ،
وبادلته حبّا بحبّ ، ولوعة الضرام والجوى ترافقهما .
كم مكثا متضامّين ، وكم بقيا متعانقين …
هذا علمه عند الله واهب الحياة وباعث الحبّ الدفين .
ومضت الأيّام ، وتصرّمت الأسابيع ، وفنيت الشهور …
ثم تتالت الأعوام متتابعة متلاصقة …
وكان الحبّ يزداد اشتعالا
والغرام يزيد ضرامه ضراما .
جوداميا ، يا أحبّ نساء الفراديس الى قلبي ،
انّ حبّك قد سرى في عروقي ممتزجا بدمائي
فليتني أستطيع منحك السعادة التي منحتني ايّاها .
أنت قيثارتي التي أعزف عليها آيات حبّي العميق .
فسعادتك تسعدني ، وشقاؤك يميتني ويفنيني .
فيا أمنية روحي ، أنا أنت وأنت أنا ، وبك نلت المنى .
وأثمر هذا الحبّ الأسطوريّ غادة غيداء أطلق عليها أبواها اسم راهاديا . وكانت شبيهة بوالدتها ، فيها من السحر الحلال والفتنة الفردوسيّة ما لوالدتها جوداميا .
وكان منزلهم من الورود المخمليّة توشّيها أزهار الفردوس النّضرة ، فمنازل الفردوس تبنى من الأزهار . فالربيع في الفردوس أبديّ .
والشتاء لا يطرق أبواب الفردوس اطلاقا ، والشيخوخة لا تعرف هذا الفردوس ، ولا يمكنها الولوج لهذا العالم الحصين الأمين .
وكلّ سكّان هذا الفردوس سعداء لا يعرفون للهمّ اسما ، ولا تقربهم الأحزان اطلاقا ، فهم سعداء دوما .
وطعامهم من أثمار الفردوس الشهيّة . ففيه من كلّ شجرة توأمان . وما تكاد الأيدي تقتطف الثمار الجنيّة حتى تمتلىء الأغصان ، ثانية ، بها دون أن ينتقص منها ثمرة ما . أمّا أنواع الخضار والبقول العجيبة فحدّث عنها ولا حرج ، فالفردوس عنيّ بها ، وحقوله مملوءة بشتّى الأنواع اللذيذة وهي لا تنضب أبدا .
فكلّ نوع من الأنواع اذا قطف يعود اليها ثانية فورا .
والاخاء يشمل عالم الفردوس بأكمله ، فالجميع عائلة واحدة يسودها الحبّ ويغمرها الولاء الدائم .
هنا لا يعرف الحسد اطلاقا ، والغيرة لا وجود لها في هذا العالم السعيد .
والتكالب على المال لا يعرف في هذا العالم البعيد عن أطماع الأرض الدنيّة . فسعيد من أوصل سيّاله الى هذا العالم الغارق بالبهجات اللانهائية .
جوداميا ، يا حبيبة روحي منذ الأزل ، انّ ابنتنا راهاديا قد أصبحت شابّة مغرية ، ففتنتها مستمدّة منك .
وهي لا تستطيع الاقتران بشابّ من عالم الفردوس ، اذ يجب أن تقترن بمن كان حبيبها بدوره السابق . وهو ما يزال في عالم الأرض ، وحتى الآن ليس لديه سيّال فردوسي يسمح له بولوج عالمنا .
فماذا بوسعنا عمله لنجعل فلذة كبدنا ونتيجة حبّنا سعيدة مثلما سعدت بحبّك العظيم .
سوديام ، يا حبّة قلبي المفدّى ، انّ روحي تتعذّب لأجلها ، فليتها تسعد مثلما سعدت معك . ولكن كيف السبيل الى ذلك ؟
انّ حبيبها وزوجها السابق لم يوصل أيّ سيّال من سيّالاته ، حتى الآن ، ليكون هذا السيّال من درجة الفردوس .
اذا لا يمكنه أن يبلغ فردوسنا في عالم أحلامه اطلاقا ، والاّ لاجتمع معها عندما يحمله الكرى على أجنحته الغدافيّة فيزور عالمنا ، ويمضي معها ساعات ما دام غارقا في نومه ….
ثم يعود الى عالم الأرض ، ثانية ، ناسيا أنه كان برفقة معبودته الوحيدة . كان سوديام مسندا رأسه الى صدر حبيبته جوداميا ، وهو يحدّثها . ثم انقطع عن الحديث فجأة ، فعرفت بأنه سيستيقظ ، واذا استيقظ فانه يجد نفسه بفراشه في عالم الأرض ؛ اذ يعود سيّاله الى جسده ، فورا ، بسرعة النور ، أي 300 ألف كيلومتر بالثانية ، فيستيقظ .
وهالها الأمر ، وقالت بنفسها : لا طاقة لي على الحياة اذا غادرني بمفردي في عالم الفردوس ، لهذا سأقطع بسيف النور المرهف سيّال النوم الأثيري المتّصل بجسده المسجّى بفراشه في عالم الأرض .
واستلّت جوداميا سيف النور الحادّ الشفرين القاطعين ، وأمرّته على السيّال المتّصل بجسده الراقد بفراشه في عالم الأرض ، فاذاه يبتر بترا !
وتأخّر سوديام في نومه ، ودخلت والدته لتوقظه فاذاها تصيح صياح الذعر ، وتولول ولولة الثكالى ، فتذيع نبأ موته . وتدخل شقيقاته الى غرفته ، فاذا هنّ يجدنه جثّة باردة فارقتها الحياة ، فنحن ، وقطّعن شعورهنّ أسى ولوعة على المسجى ، وقد انتقل الى عالم آخر مخلّفا عالم الأرض الغارقة بالشقاء .
وفتح سوديام عينيه ، واذاه يجد نفسه مسندا رأسه الى صدر غادة رائعة المحاسن ، فذهل ذهولا هائلا ، اذ تذكّر أنه كان يحلم بأنه كان يجوس فردوسا زاهرا برفقة فتاة هي عينها التي يشاهد نفسه الآن مغمورا بين زنديها الغضّين البضّين .
وتذكّر أنه حلم بأنه قد عاش معها ردحا من الزمن في جنّة قطوفها دانية ، وأطيارها مغرّدة ، وفتنتها لا توصف .
كما تذكّر أن نتيجة حبّه لجوداميا قد أثمر فتاة ساحرة المحيّا ، وأسماها هو ووالدتها باسم راهاديا .
وكم كان ذهوله هائلا عندما شاهد راهاديا نفسها ، وقد انتصبت أمامه تناديه ، قائلة له :
يا والدي الحبيب ، هل أقتطف لك ثمر الحباجيد ؟
والحباجيد ثمر بحجم التفاح ، حلو المذاق ، لذيذ الطعم ، تكفي حبّة واحدة منه لأن تدع آكلها لا يشعر بالجوع شهرا كاملا .
فهبّ واقفا على قدميه ، والدهشة الهائلة تحيط السوار بالمعصم . وقال :
يا الله ! ماذا أراه ؟! وكيف حدث هذا الأمر العجيب ؟!
أم تراني قد جننت وفقدت عقلي ، وما أراه ليس سوى أضغاث أحلام واهم ! أو أني كالمشاهد للماء في السراب ، بينما لا ماء ولا شيء به يتعلّلون !
وتمتم : لقد حلمت بما أشاهده الآ، حقيقة لا شكّ فيها .
فأعنّي ، يا الهي ، أعنّي على حل هذه الألغاز والمعميّات .
واقتربت جوداميا منه ، وأفهمته بأنه الآن في عالم الفردوس يحيا معها منذ زمن ، وأنّ حبّهما قد أثمر ابنتهما راهاديا ، وأنّ الحلم الذي يراه في عالم الأرض لمدّة دقائق ، يحياه في عالم الفردوس هذا أعواما عديدة وسنين مديدة .
ثم بسطت يدها على جبينه ، ورسمت باصبعها على جبهته نجمة مخمّسة الأضلاع ، وقالت له :
بحق الله ، والنبي الحبيب الهادي ، والشخصيّات الست ، والسيّال العشرين أن ترى جثمانك في عالم الأرض .
واذا به يشاهد منزله الأرضي الذي عاش فيه منذ كان طفلا فيافعا ، فشابّا . وشاهد نفسه مسجّى على السرير الذي رقد عليه عندما حلم حلمه السعيد عن جوداميا ، وشاهد والدته ، وشقيقاته ينحن عليه ، وجمهرة من أصدقائه ومعارفه يحطون بجثمانه .
ثم شاهد عربة الموتى وقد وقفت أمام المنزل ، وأنزلوا منها التابوت ، وأدخلوه الى غرفته ، ثم حملوه وأدخلوه في الصندوق ، وأغلقوه عليه .
وكان هو واقفا بينهم ، فاقترب من والدته وهزّها من يدها ، وقال لها : – ها اني حيّ لم أمت ، فانظريني .
فلم تعره التفاتا . فتركها ، وذهب الى احدى شقيقاته ، ففعل معها مثلما فعل مع والدته ، ولكنها لم تسمع صوته ، بدليل عدم ردّها عليه ، فغادرها لشقيقته الثانية ، وفشل أيضا ، فذهل وتأكّد له أنه غير منظور لجميع من هم بمنزله . ولكنه كان يراهم ، ويسمع أحاديثهم ، ويحاول أن يرفّه عنهم ، ولكنّ محاولاته ذهبت أدراج الرياح .
ورافق جثمانه الى المقبرة …
وصلّى على جثمانه الكاهن ….
وقد أعطي ، بعد انفصام سيّاله عن جسده المعرفة الروحيّة ، فتكشّفت له حقيقة هذا الكاهن الداعر ، اذ عرف أنه قبل استدعائه من قبل والدته ليصلّي على جثمان ولدها ، كان قد فسق بامرأة ذهبت لتعترف له بخطاياها . فعندما عرف بأنها زنت مع الرجل الذي تهواه ، أكّد لها أن خطيئتها تغفر اذا سافحها ، فصدّقت أقواله واستسلمت لدعارته .
وهجم سوديام على الكاهن الداعر ، وصفعه بجمع كفّه على وجهه الصفيق ، قائلا له :
أيها الكاهن الزاني ، اصمت ولا تكمل قراءتك لفصل الانجيل ، فما أنت الاّ شيطان قذر ! ولكنّ الكاهن استمرّ بتمثيله ، فعرف سوديام أنّ الصفعة لم يشعر بها ، فتألّم لهذا كثيرا ؛ اذ تكشّفت له المعرفة الروحيّة فعرف أنّ هذا الكاهن ارتكب مثل هذا الاثم مرارا وتكرارا مع نساء عديدات . فضلا عن النذور النقدية التي كانت تدخل الى صندوقه وقد ملأ بها جيوبه ، فصاح قائلا : ليت العناية تدعني أنهض من التابوت لأذيع معلوماتي عن هذا الفاسق ليتجنّبه الناس ويتجنّبوا طغمته الفاسدة ، ولكنّ رغبته لم تحقّق ، اذ مكث ممدّدا في تابوته دون حراك .
ووضعت الجثّة في القبر وهي ضمن تابوتها المغلق ، وهيل عليها التراب ، وسوديام يرى هذه المراسيم والعجب آخذ منه كل مأخذ . وانفضّ الجميع كلّ عائدا الى منزله .
وكم وكم شاهد سوديام من مآس واسرار وفضائح وقبائح ، وعجائب وغرائب لا يمكن أن تصدّق ، ولكنها حقائق واقعيّة لا يأتيها الباطل .
لقد شاهد نساء ومعهنّ أولادهنّ وهنّ من غير أزواجهنّ ، بل نتيجة علاقات غراميّة مع من ارتبطن معهم بروابط جنسيّة .
وكم من فتيات مثاليات يظنّهنّ رفاقهنّ أنهنّ معدن الطهارة ، وما هنّ الاّ فاسقات رجيمات تخشاهنّ الأفاعي الرقطاء .
لقد تكشّف له حقائق الناس فهالته شرورهم وأخافته آثامهم واجرامهم ، وعرف لماذا لم يضع الله حاسّة سابعة للانسان وذلك لكي يمنع عنه أهوالا مرعبة اذا عرفها لتمنّى الموت فورا ، وهذه حكمة الله جلّت قدرته .
وفور مغادرة سوديام المقبرة ، عاد أدراجه الى عالم الفردوس بسرعة النور ، فبلغه ، واذا بحبيبته جوداميا تنتظره بفارغ الصبر ، ومعها ابنتها راهاديا الفاتنة . فاسقبلتاه ، وهرعت جوداميا الى بحيرة النسيان ، وطلبت منه الاغتسال بمياهها المقدّسة ، ففعل ، واذا به ينسى ما شاهده في أثناء الاحتفال بمراسم دفنه . كما نسي انه مات وانتقل الى عالم الفردوس . نسي كلّ ذلك لكي لا يتعذّب نفسيّا من توارد أفكاره المخيفة ، عندما يتذكّر ما شاهده من ختل البشر واحتيالهم ، ومن فسق النساء وتدنيسهنّ لشرفهن وهتك طهارتهنّ وتلويثها بالدنس الملطّخ بأقذار العار .
وظنّ سوديام بأنه خلق في هذا العالم الفردوسي بعدما نسي أنه كان في عالم الأرض ، مثلما يظنّ كلّ بشريّ أنه ولد في عالم الأرض ، ولم يسبق ولادته أيّ وجود له ، غير عالم بأنه كان في عالم آخر غير العالم الذي ولد فيه ، ولكن بمجرّد ولادته ينسى كلّ شيء عن عالمه الذي غادره ، وذلك لحكمة أرادها الخالق للخلائق .
بيروت ، الساعة 8 و38 دقيقة
من ليل 4/2/1979
رحلة وردة جوريَّة
وشعرت بالنعاس يسيطر عليّ ، فذهبت الى فراشي واستسلمت للنوم . واذاني أجوس عالمه البهيّ وأرود فردوسه الخلاّب.
ورحت أتجوّل في غاب سحريّ أزهاره عجيبة ، ومياهه نميرة ، وأشجاره الباسقة تغرّد عليها الأطيار الملوّنة ، فتشفّ الأسماع ، وتطرب الآذان .
وجلست أمام بحيرة ماؤها فرات عذب . وكان الفراش الملوّن يحزم حول الأزهار العجيبة اللألوان ، وضوعها يملأ الأرجاء فيحيلها لحلم خياليّ عجيب .
كنت أستظلّ فيء الأشجار المهدلّة الأغصان البادية الفتنة الخلاّبة . وكنت مسحورا بما أشاهده من مفاتن الغنيّة في هذا الفردوس البهيّ . واذاني أسمع حفيفا خفيفا ، ثم تضوّع عبق محي فرحت أتنسّمه بشوق عظيم . واذاني أشاهد حوريّة حوراء مقبلة نحوي والبسمة العذبة تعلو شفتيها . لقد بهرني جمالها ، واستولى حسنها على كياني ، فذهلت لرؤيتها . ونهضت أحيّيها ، والوجل عقد لساني ، فما استطعت التفوّه بكلمة . كنت ممغنطا أمعن النظر بذهول مأخوذ بجمالها الفردوسي وأنوثتها التي لا مثيل لها .
وتحدّثت إليّ …
وكان صوتها كترجيع صدح كناريّ الفردوس الأخّاد ،
وسجدت أمامها ، فأمسكت بيدي وأنهضتني قائلة لي :
السجود لله ، أيّها الحبيب القادم لفردوسي .
وتلجلج صوتي وخرج خافتا من صدري :
ومن تكونين أيّتها الالهة المتجسّدة ؟
أنا لست الهة ، انني فتاة أحيا في عالم الفردوس البهيّ ،
اذ أوصلت سيّالي لأوجد فيه .
وأنت من اصطفتك روحي .
وكنت أنتظر وصولك بشوق عظيم .
وها قد بلغت عالمي الذي فيه بتّ أقيم .
يا الله ! ماذا أسمع ؟ ! أحقّا أنت حبيبتي المرجّاة ؟ !
هل أنت فتاة أحلامي ومحطّ رحالي ؟!
أأنت من كنت أناجيها دون أن أراها ؟!
أأنت من كنت أشعر بأنني سألتقيها يوما ما ؟!
أأنت من هي بغيتي المفدّاة وطلبتي الخفيّة ؟!
أأنت هي من خفق قلبي بحبّها العظيم ؟!
يا الله ! انّ سعادتي الهائلة ستوردني موارد التهلكة !
فما كانت تتمنّاه روحي قد تحقّق الآن !
وفتح ذراعيه وضمّها الى صدره الولهان ،
ووضع شفتيه على شفتيها وقبّلها بجنون عارم ،
وبادلته حبّا بحبّ ، ولوعة الضرام والجوى ترافقهما .
كم مكثا متضامّين ، وكم بقيا متعانقين …
هذا علمه عند الله واهب الحياة وباعث الحبّ الدفين .
ومضت الأيّام ، وتصرّمت الأسابيع ، وفنيت الشهور …
ثم تتالت الأعوام متتابعة متلاصقة …
وكان الحبّ يزداد اشتعالا
والغرام يزيد ضرامه ضراما .
جوداميا ، يا أحبّ نساء الفراديس الى قلبي ،
انّ حبّك قد سرى في عروقي ممتزجا بدمائي
فليتني أستطيع منحك السعادة التي منحتني ايّاها .
أنت قيثارتي التي أعزف عليها آيات حبّي العميق .
فسعادتك تسعدني ، وشقاؤك يميتني ويفنيني .
فيا أمنية روحي ، أنا أنت وأنت أنا ، وبك نلت المنى .
وأثمر هذا الحبّ الأسطوريّ غادة غيداء أطلق عليها أبواها اسم راهاديا . وكانت شبيهة بوالدتها ، فيها من السحر الحلال والفتنة الفردوسيّة ما لوالدتها جوداميا .
وكان منزلهم من الورود المخمليّة توشّيها أزهار الفردوس النّضرة ، فمنازل الفردوس تبنى من الأزهار . فالربيع في الفردوس أبديّ .
والشتاء لا يطرق أبواب الفردوس اطلاقا ، والشيخوخة لا تعرف هذا الفردوس ، ولا يمكنها الولوج لهذا العالم الحصين الأمين .
وكلّ سكّان هذا الفردوس سعداء لا يعرفون للهمّ اسما ، ولا تقربهم الأحزان اطلاقا ، فهم سعداء دوما .
وطعامهم من أثمار الفردوس الشهيّة . ففيه من كلّ شجرة توأمان . وما تكاد الأيدي تقتطف الثمار الجنيّة حتى تمتلىء الأغصان ، ثانية ، بها دون أن ينتقص منها ثمرة ما . أمّا أنواع الخضار والبقول العجيبة فحدّث عنها ولا حرج ، فالفردوس عنيّ بها ، وحقوله مملوءة بشتّى الأنواع اللذيذة وهي لا تنضب أبدا .
فكلّ نوع من الأنواع اذا قطف يعود اليها ثانية فورا .
والاخاء يشمل عالم الفردوس بأكمله ، فالجميع عائلة واحدة يسودها الحبّ ويغمرها الولاء الدائم .
هنا لا يعرف الحسد اطلاقا ، والغيرة لا وجود لها في هذا العالم السعيد .
والتكالب على المال لا يعرف في هذا العالم البعيد عن أطماع الأرض الدنيّة . فسعيد من أوصل سيّاله الى هذا العالم الغارق بالبهجات اللانهائية .
جوداميا ، يا حبيبة روحي منذ الأزل ، انّ ابنتنا راهاديا قد أصبحت شابّة مغرية ، ففتنتها مستمدّة منك .
وهي لا تستطيع الاقتران بشابّ من عالم الفردوس ، اذ يجب أن تقترن بمن كان حبيبها بدوره السابق . وهو ما يزال في عالم الأرض ، وحتى الآن ليس لديه سيّال فردوسي يسمح له بولوج عالمنا .
فماذا بوسعنا عمله لنجعل فلذة كبدنا ونتيجة حبّنا سعيدة مثلما سعدت بحبّك العظيم .
سوديام ، يا حبّة قلبي المفدّى ، انّ روحي تتعذّب لأجلها ، فليتها تسعد مثلما سعدت معك . ولكن كيف السبيل الى ذلك ؟
انّ حبيبها وزوجها السابق لم يوصل أيّ سيّال من سيّالاته ، حتى الآن ، ليكون هذا السيّال من درجة الفردوس .
اذا لا يمكنه أن يبلغ فردوسنا في عالم أحلامه اطلاقا ، والاّ لاجتمع معها عندما يحمله الكرى على أجنحته الغدافيّة فيزور عالمنا ، ويمضي معها ساعات ما دام غارقا في نومه ….
ثم يعود الى عالم الأرض ، ثانية ، ناسيا أنه كان برفقة معبودته الوحيدة . كان سوديام مسندا رأسه الى صدر حبيبته جوداميا ، وهو يحدّثها . ثم انقطع عن الحديث فجأة ، فعرفت بأنه سيستيقظ ، واذا استيقظ فانه يجد نفسه بفراشه في عالم الأرض ؛ اذ يعود سيّاله الى جسده ، فورا ، بسرعة النور ، أي 300 ألف كيلومتر بالثانية ، فيستيقظ .
وهالها الأمر ، وقالت بنفسها : لا طاقة لي على الحياة اذا غادرني بمفردي في عالم الفردوس ، لهذا سأقطع بسيف النور المرهف سيّال النوم الأثيري المتّصل بجسده المسجّى بفراشه في عالم الأرض .
واستلّت جوداميا سيف النور الحادّ الشفرين القاطعين ، وأمرّته على السيّال المتّصل بجسده الراقد بفراشه في عالم الأرض ، فاذاه يبتر بترا !
وتأخّر سوديام في نومه ، ودخلت والدته لتوقظه فاذاها تصيح صياح الذعر ، وتولول ولولة الثكالى ، فتذيع نبأ موته . وتدخل شقيقاته الى غرفته ، فاذا هنّ يجدنه جثّة باردة فارقتها الحياة ، فنحن ، وقطّعن شعورهنّ أسى ولوعة على المسجى ، وقد انتقل الى عالم آخر مخلّفا عالم الأرض الغارقة بالشقاء .
وفتح سوديام عينيه ، واذاه يجد نفسه مسندا رأسه الى صدر غادة رائعة المحاسن ، فذهل ذهولا هائلا ، اذ تذكّر أنه كان يحلم بأنه كان يجوس فردوسا زاهرا برفقة فتاة هي عينها التي يشاهد نفسه الآن مغمورا بين زنديها الغضّين البضّين .
وتذكّر أنه حلم بأنه قد عاش معها ردحا من الزمن في جنّة قطوفها دانية ، وأطيارها مغرّدة ، وفتنتها لا توصف .
كما تذكّر أن نتيجة حبّه لجوداميا قد أثمر فتاة ساحرة المحيّا ، وأسماها هو ووالدتها باسم راهاديا .
وكم كان ذهوله هائلا عندما شاهد راهاديا نفسها ، وقد انتصبت أمامه تناديه ، قائلة له :
يا والدي الحبيب ، هل أقتطف لك ثمر الحباجيد ؟
والحباجيد ثمر بحجم التفاح ، حلو المذاق ، لذيذ الطعم ، تكفي حبّة واحدة منه لأن تدع آكلها لا يشعر بالجوع شهرا كاملا .
فهبّ واقفا على قدميه ، والدهشة الهائلة تحيط السوار بالمعصم . وقال :
يا الله ! ماذا أراه ؟! وكيف حدث هذا الأمر العجيب ؟!
أم تراني قد جننت وفقدت عقلي ، وما أراه ليس سوى أضغاث أحلام واهم ! أو أني كالمشاهد للماء في السراب ، بينما لا ماء ولا شيء به يتعلّلون !
وتمتم : لقد حلمت بما أشاهده الآ، حقيقة لا شكّ فيها .
فأعنّي ، يا الهي ، أعنّي على حل هذه الألغاز والمعميّات .
واقتربت جوداميا منه ، وأفهمته بأنه الآن في عالم الفردوس يحيا معها منذ زمن ، وأنّ حبّهما قد أثمر ابنتهما راهاديا ، وأنّ الحلم الذي يراه في عالم الأرض لمدّة دقائق ، يحياه في عالم الفردوس هذا أعواما عديدة وسنين مديدة .
ثم بسطت يدها على جبينه ، ورسمت باصبعها على جبهته نجمة مخمّسة الأضلاع ، وقالت له :
بحق الله ، والنبي الحبيب الهادي ، والشخصيّات الست ، والسيّال العشرين أن ترى جثمانك في عالم الأرض .
واذا به يشاهد منزله الأرضي الذي عاش فيه منذ كان طفلا فيافعا ، فشابّا . وشاهد نفسه مسجّى على السرير الذي رقد عليه عندما حلم حلمه السعيد عن جوداميا ، وشاهد والدته ، وشقيقاته ينحن عليه ، وجمهرة من أصدقائه ومعارفه يحطون بجثمانه .
ثم شاهد عربة الموتى وقد وقفت أمام المنزل ، وأنزلوا منها التابوت ، وأدخلوه الى غرفته ، ثم حملوه وأدخلوه في الصندوق ، وأغلقوه عليه .
وكان هو واقفا بينهم ، فاقترب من والدته وهزّها من يدها ، وقال لها : – ها اني حيّ لم أمت ، فانظريني .
فلم تعره التفاتا . فتركها ، وذهب الى احدى شقيقاته ، ففعل معها مثلما فعل مع والدته ، ولكنها لم تسمع صوته ، بدليل عدم ردّها عليه ، فغادرها لشقيقته الثانية ، وفشل أيضا ، فذهل وتأكّد له أنه غير منظور لجميع من هم بمنزله . ولكنه كان يراهم ، ويسمع أحاديثهم ، ويحاول أن يرفّه عنهم ، ولكنّ محاولاته ذهبت أدراج الرياح .
ورافق جثمانه الى المقبرة …
وصلّى على جثمانه الكاهن ….
وقد أعطي ، بعد انفصام سيّاله عن جسده المعرفة الروحيّة ، فتكشّفت له حقيقة هذا الكاهن الداعر ، اذ عرف أنه قبل استدعائه من قبل والدته ليصلّي على جثمان ولدها ، كان قد فسق بامرأة ذهبت لتعترف له بخطاياها . فعندما عرف بأنها زنت مع الرجل الذي تهواه ، أكّد لها أن خطيئتها تغفر اذا سافحها ، فصدّقت أقواله واستسلمت لدعارته .
وهجم سوديام على الكاهن الداعر ، وصفعه بجمع كفّه على وجهه الصفيق ، قائلا له :
أيها الكاهن الزاني ، اصمت ولا تكمل قراءتك لفصل الانجيل ، فما أنت الاّ شيطان قذر ! ولكنّ الكاهن استمرّ بتمثيله ، فعرف سوديام أنّ الصفعة لم يشعر بها ، فتألّم لهذا كثيرا ؛ اذ تكشّفت له المعرفة الروحيّة فعرف أنّ هذا الكاهن ارتكب مثل هذا الاثم مرارا وتكرارا مع نساء عديدات . فضلا عن النذور النقدية التي كانت تدخل الى صندوقه وقد ملأ بها جيوبه ، فصاح قائلا : ليت العناية تدعني أنهض من التابوت لأذيع معلوماتي عن هذا الفاسق ليتجنّبه الناس ويتجنّبوا طغمته الفاسدة ، ولكنّ رغبته لم تحقّق ، اذ مكث ممدّدا في تابوته دون حراك .
ووضعت الجثّة في القبر وهي ضمن تابوتها المغلق ، وهيل عليها التراب ، وسوديام يرى هذه المراسيم والعجب آخذ منه كل مأخذ . وانفضّ الجميع كلّ عائدا الى منزله .
وكم وكم شاهد سوديام من مآس واسرار وفضائح وقبائح ، وعجائب وغرائب لا يمكن أن تصدّق ، ولكنها حقائق واقعيّة لا يأتيها الباطل .
لقد شاهد نساء ومعهنّ أولادهنّ وهنّ من غير أزواجهنّ ، بل نتيجة علاقات غراميّة مع من ارتبطن معهم بروابط جنسيّة .
وكم من فتيات مثاليات يظنّهنّ رفاقهنّ أنهنّ معدن الطهارة ، وما هنّ الاّ فاسقات رجيمات تخشاهنّ الأفاعي الرقطاء .
لقد تكشّف له حقائق الناس فهالته شرورهم وأخافته آثامهم واجرامهم ، وعرف لماذا لم يضع الله حاسّة سابعة للانسان وذلك لكي يمنع عنه أهوالا مرعبة اذا عرفها لتمنّى الموت فورا ، وهذه حكمة الله جلّت قدرته .
وفور مغادرة سوديام المقبرة ، عاد أدراجه الى عالم الفردوس بسرعة النور ، فبلغه ، واذا بحبيبته جوداميا تنتظره بفارغ الصبر ، ومعها ابنتها راهاديا الفاتنة . فاسقبلتاه ، وهرعت جوداميا الى بحيرة النسيان ، وطلبت منه الاغتسال بمياهها المقدّسة ، ففعل ، واذا به ينسى ما شاهده في أثناء الاحتفال بمراسم دفنه . كما نسي انه مات وانتقل الى عالم الفردوس . نسي كلّ ذلك لكي لا يتعذّب نفسيّا من توارد أفكاره المخيفة ، عندما يتذكّر ما شاهده من ختل البشر واحتيالهم ، ومن فسق النساء وتدنيسهنّ لشرفهن وهتك طهارتهنّ وتلويثها بالدنس الملطّخ بأقذار العار .
وظنّ سوديام بأنه خلق في هذا العالم الفردوسي بعدما نسي أنه كان في عالم الأرض ، مثلما يظنّ كلّ بشريّ أنه ولد في عالم الأرض ، ولم يسبق ولادته أيّ وجود له ، غير عالم بأنه كان في عالم آخر غير العالم الذي ولد فيه ، ولكن بمجرّد ولادته ينسى كلّ شيء عن عالمه الذي غادره ، وذلك لحكمة أرادها الخالق للخلائق .
بيروت ، الساعة 8 و38 دقيقة
من ليل 4/2/1979
استسلام
هذه هي إرادةُ أبي السماويّ،
وإلاّ ما كنت لأحيا، في عالم الرياء والأكاذيب.
لقد تعبت نفسي من كلِّ شيء،
وعافت روحي هؤلاء البشر الأدنياء.
إنّ التعاليم السماويّة لا تجدي فيهم نفعاً،
والمواعظ التي تلقى عليهم بوحيٍ من السماء
لا تلبث حتى تتبدّدَ من مخيّلاتهم
المحمومةِ بحبِّ هذا العالم الفاني.
الفقراء، والبؤساء، والمصابون
هم وحدهم الذين يصغون لي عندما أتكلّم.
أمّا الأغنياءُ هؤلاء… فإنّهم يعبدون المال وحده دون اللّه.
فالويل لهم عندما تدقّ ساعة حسابهم الرهيبة.
سيعولون، وسينوحون، ولكنْ دونما جدوى،
إذ ستبدّدُ هوج الرياح توسّلاتهم، وتعصف بها عصفاً.
ها قد قطعتُ اثنتي عشرة مرحلة من مراحل حياتي،
وأنا لا أصطدم سوى بكلِّ نقيصةٍ وكلِّ رذيلة.
ليس من صالح واحد!
نعم، ليس من يعمل صلاحاً سوى اللّه جلَّ اسمهُ.
أمّا أنا فقد قطعت على نفسي عهداً:
أن أسير على طريق الحقّ،
طريق الحبِّ الإلهيّ،
طريق النور السماوي،
مهما اعترضتني الخطوب والنائبات…
فمهما اضطهدتُ، ومهما عذّبتُ،
ومهما شُقيتُ، ومهما بَكيتُ،
ومهما أصابني من رزايا وكروب،
فلن أتركَ من يميني مشعل الحقيقةِ
المعطى لي من أبي السماوي،
كي أنير به جنبات هذا العالم الكثير الظّلام.
لقد أمرني أبي أنْ أهبطَ إلى هذا العالم الجاحد،
ففعلتُ.
وها أنا أصطدمُ بعقباتٍ جبّارة،
دون أن يعتورني فتورٌ،
أو تزلّ بي قدم.
بلأمس كنتُ في الهيكل الكبير،
أجادل العلماءَ من أحبار اليَهود،
و أقرَع لهم حُجَجِهم بِحُجَجي،
فتنهار تلك الحجَُجُ الواهيةُ
المبنيّةُ على الأغراض الشخصيّة، والأمور الدنيويّة،
وأكشف لهم ذلك الرداء الغليظ الكثيف
الذي كانوا يلبسونها إيّاه،
فتبدو عاريةً على حقيقتها،
ولا تلبثُ حتى تتوارى خجلاً واستحياءً.
ولكنّ الأحبارَ، هؤلاء الأشرار،
ما كان الحياء ليطرقَ أبوابَ وجوههم الصفيقة.
لقد حرّقوا الأرم، وحاولوا الإعتداء عليّ،
بعدما أصيبوا بفشلٍ ذريع،
وهم، هم المتعمّقون بأسرار التلمود،
القابضون على ناصيته،
والعالمون بأدقِّ أسراره مثلما يقولون.
لكنّ خوفهم من الجمهور الذي كان يحصي عليهم الأنفاس،
وسنّي التي هي دون سنِّ الرشْد
منعاهم من الانتقام
الذي تتأجّج جمرته في أعمق أعماق أفئدتهم.
أنا أتأكّد بأنّ يوم عذابي سيأتي قريباً،
وسأهان على أيديهم، وسأضطهد.
وأخيراً، سأعلّق على خشبة الصّليب.
ولكنْ، هذا ما أمرني به أبي الحبيب،
وأنا أتيتُ طوعاً لمشيئته السماويّة.
فلتمضِ الأيّـــام،
ولتتسرّب الأعـــوام،
ولتدنُ ساعتي الأخيرة،
فأنا لها جدُّ مشتاق…
قافلة الحياة تجري
اليوم تسقط الورقة الأخيرة من عامي الثاني عشر،
وها أنا في مدينة القدس أتجوّلُ في أسواقها،
وأتخلّلَ دروبها الضيّقة،
وليس من يسير معي،
إذْ إنّني وحيدٌ فريد:
وحيدٌ في آرائي وفي معتقداتي،
وحيدٌ في ميولي واتّجاهاتي،
وحيدٌ في أهدافي ورغباتي.
ولكنّني سعيدٌ كلَّ السعادة
في وحدتي هذه، وفي اتّجاهاتي تلك.
لقد كلّت قدماي من كثرة السير،
وها إنّي أشعرُ بالجوع يقرصُ أمعائي،
وبالظماءِ يحرُقُ أحشائي.
ولكنّي لا أملكُ نقوداً،
كي أبتاع كسرةً من الخبزِ أتبلّغُ بها،
وكي أروي أوامي.
فلتكنْ مشيئةُ اللّه …
وعندما بلغ بي التعبُ والجوع والعطشُ درجةً قصوى،
قصدتُ الهيكلَ حيثُ كنتُ بالآمس،
وانطرحتُ أمامَ أبوابه،
وأنا ألهث من شدّة السّغبَ والتعب…
وإذا بعينٍ نقّادةٍ تلمحني.
وسرعان ما دنا منّي صاحبها الهَرِم،
وهو ينظرُ اليّ بعطفٍ وحنانٍ ملموسين،
ويقول لي:
لا شكّ أنّكَ غريبٌ يا بنيَّ!
هو ما قلت.
إنّي أراك جائعاً، فهل لي أن أرجوكَ مشاركتي الطعام؟
فلم أرفض،
لأنّني شعرتُ بحبٍّ جارف لهذا الرجل الذي يخاطبني.
وحُلّتْ عقدة الكيس المتواضع،
وأُخرِجتْ من جوفهِ قبضةٌ من الزيتزن الأخضرِ البرّاق،
مع قطعةٍ من الجبن، ثمّ بصلةٍ شهيّة.
وقبل أن أذوق أيّة كسرةٍ، توجّهتُ نحو السماء،
ورفعتُ صلاةَ شكرٍ حارّة للّه أبي وأبى البرايا.
من أنتَ يا بنيَّ؟ وماذا تُدعى؟
يسوع الناصري.
يا للّه! وهل أتيت بمفردك من تلك القرية النائية؟
نعم، أيُّها الشيخ الكريم.
ولِمَ أيُّها اليافع؟
كي أُنفّذَ إرادة من أرسلني.
ومن هو الذي أرسلك؟ ولِمَ؟
أبي السماويّ!
وقد أرسلني كي أنقضَ عهداً قديماً،
وأبني على أنقاضه عهداً جديداً.
وَيكَ يا بنيَّ! أمسُ بكَ؟ أم تراكَ تهذي؟
لا هذا ولا ذاك، ولكنّني أُكلّمك بالحقيقة.
إنّكَ تدهشني أيُّها الصغير بحديثكَ العجيب،
وبقوّة بيانك الغريب.
فهل لي أن أسألكَ عن أبويكَ،
إذا كانا ما يزالانِ حيّيْن يُرزقان؟
لك ما شئتَ.
إنّ أبي الأرضيَّ اسمه يوسف،
وهو نجّارٌ معروف في مدينة الناصرة.
واسمُ أمّي مريم.
وهما يعيشان مع إخوتي يعقوب ويوسي وسمعان ويهوذا،
وشقيقتيَّ فادية ودانية.
هل أتيتَ بمفردك الى مدينة القدس؟
أم رافقكَ إليها أحدُ إخوتك؟
كلاّ، بل أتيتها بمفردي،
لأنّ آرائي وميولي لا تتّفقُ وميولَ إخوتي.
وليس من يعطفُ منهم عليَّ سوى شقيقتيَّ.
يا للسماء!
إذن، والداك لا يعرفان الآن مكان وجودك!
هي الحقيقة.
فإنَّ والديَّ غادرا الناصرة منذ أُسبوع،
وقدِما الى مدينة القدس سعياً للبحثِ عنّي.
وحال وصولهما الى الهيكل،
شاهداني وأنا أجادلُ الكهنةَ والأحبار.
فتقدّمتْ إليَّ والدتي وقالت:
” والآن، هيّا بنا إلى الناصرة.”
فعُدتُ معهما.
وكان برفقتنا قافلةٌ كبيرةٌ وجهتها تلك التخوم.
وعندما خيّمَ المساء طلب الجميع النوم.
وكنّا قد بلغنا سهلاً فسيحاً تملأُهُ الأزهار البرّيّة،
وانتثرت في جوانبهِ بضع شجيراتٍ ضخمة،
ولكنّها لا تحمل ثمراً ما.
وفي الهزيع الثاني من الليل الشديدِ الظلمة،
أُوحيَ إليَّ في الحلمِ
أنْ أعود في الحال الى مدينة القدس،
لأنّه تنتظرني هناك حوادثُ
لها علاقة بالرسالة التي أرسلني اللّه من أجلها.
وأُعلمتُ بأنّني سألتقي برجلٍ بارٍّ اسمه يونا،
يكون ابنه صخرةً راسخةً
يبنى عليها دين اللّه جَلّتْ قدرته.
وللحال نهضتُ من مكاني،
ونظرتُ، فإذا الجميع يغطّون في نومٍ عميق.
وبسرعةٍ ملحّةٍ ألقيتُ نظرةً على والديَّ،
وودّعتهما بايماءةٍ من رأسي،
ثمَّ رحتُ أضربُ الطريق في ظُلمةِ الليلِ الحالك…
ما كُدت أنتهي من سردِ حديثي،
حتى شاهدتُ الشيخ الجليل يجثوا أمامي بخشوعٍ،
وينكبُّ على يديَّ يقبّلهما بورعٍ فائق،
ثمَّ يصيحُ قائلاً:
أنت أنتَ هو ابنُ اللّه!
وأنا، يا سيّدي الحبيب، أُدعى… يونا.
في ضيافة يونا وبطرس
الليل هادىءٌ ساكن!
والقمر الفريد يغمر البطاح بأنواره الفضّية اللطيفة!
والنجوم المتألّقة تملأ صفحة السماء الزرقاء،
وكأنّها يواقيتُ يتيمة
وهي تطيل النظر إلى البدر الهائمِ
في سهول السماء الشاسعة!
والطبيعةُ نشوانةٌ من روعةِ وجلالِ هذا المشهدِ الخلاّب!
والساعة قد بلغتِ الثانية بعد منتصف الليل.
والجميع قد استسلموا لسلطان الكرى الجبّار.
أمّا أنا فقد جلستُ أعتمد رأسي بيدي،
وأطلقتُ العنان لتصوّراتي…
ثمّ تحدّثتُ قائلاً:
” ترى متى يتغلّبُ هؤلاء البشرُ على ميولهم الشرّيرة
وأمانيهم الباطلة؟
ومتى يتّجهون نحو المثل العُليا،
ويسحقون بقوّة إيمانهم الضعف الذي يسي في أعماقهم؟
متى ينفّذون إرادة باري الأكوان ومُبْدعِ السماوات؟
متى يكون الجميع قلباً واحداً وروحاً واحداً؟
متى يبوّقُ ملاك الربِّ ببوقه الأزليِّ قائلاً:
ألا فلتفرح الملائكة،
وليبتهجِ الأطهار،
لأنَّ أبناء الأرض قد سحقوا كلَّ ضعفٍ، وكلَّ نقيصة،
وتغلّبوا على قوّات الشرِّ الخبيثة،
لهذا أُعطيتْ لهم السعادة العُظمى!
وللحال، يبوّقُ الملاكُ الثاني ببوقه الجميل…
وإذا بالأرضِ تُدكُّ وتتلاشى،
وإذا بجميع الذين نفّذوا إرادة اللّه
قد انتقلوا إلى عالمٍ مضيءٍ خالد بسعادته الفائقة،
وراحوا يتفيّأون ظلال أشجاره،
ويقتطفون من ثماره المجهولة، ويتذوّقونها،
فتنتشي أرواحهم،
ويسبّحون اللّه على نعمهِ الإلهيّة،
لأنّهم إنّما يتذوّقون ثمار المعرفة.
أيْ أبي السماويّ !
متى تأتي هذه الساعة السعيدة؟
ومتى يُحقّقُ هذا الحلم الذهبيّ؟
أنا متأكّد بأنَّ هذا اليوم هو بعيد جدّاً،
لأنَّ البشر ضعفاء الضعف كلّه،
وقد غرقَ كُلٌّ منهم في محيط أطماعهِ ورغباته،
وليس من يتمسّكُ بدفّةِ الفضيلة،
كي يصلَ إلى شاطىء السلام.
فأعنّي، أيْ أبي،كي أستطيع إنقاذ الغرقى وهم كثيرون.”
وبينما أنا في تأمّلاتي هذه،
إذ بي أشعر بيدٍ تلمس كتفي بلطف.
وعندما التفتُّ، نظرتُ الشيخَ يونا وابنه بطرس،
وقد وقفا أمامي بخشوع،
وجعلا يرجوانني أن أعود إلى فراشي،
إجلسا، إجلسا يا عزيزيَّ،
ولنتكلّمَ عمّا لأبي،
فإنّني، بعد قليل، سأرقد طويلاً،
وستمضي أجيالٌ قبل أن أعود فأستيقظ.
بُطرس:
أيّها القدّيس الصغير،
ويا من تشرّفتْ غُرفتنا المتواضعة
بقدومك إلينا، وقبولك ضيافتنا.
ها إنّني قد قطعتُ من مراحل حياتي أربعةً وثلاثينَ عاماً،
وأنا أجهلُ كُلَّ ما هو يختصّ بالسماء،
فهل لكَ أنْ تنيرَ عقلي المظلم،
وتفتح مغاليق قلبي الموصد؟
أعرني سمعكَ يا عزيزي بطرس،
وانظر، هناك، بعيداً في قبّة السماء،
وتمعّن في ذلك النجم العجيب التألّق.
إنّني أراه يا مُرشدي.
وها هو بريقه الخاطف يتألّق بسرعةٍ غريبة.
فما هو هذا النجم، يا ترى؟
إذا عملتَ بوصايا أبي ونفّذتَ إرادته،
وقهرتَ ميولكَ، وتنازلتَ عن البعض من رغباتك،
فإنّك ستبلغ هذا النجم السعيد،
وتتكشّف لك إذ ذاك أسراره،
وتتمتّع بأضوائه الخلاّبة.
للّه! وهل يوجد فيه أحياءٌ مثلنا،
أم هم أرواحُ من ينتقلُ منّا؟
كلاّ، بل هم أحياءٌ ممّن نفّذوا الوصايا،
وعملوا بها دون أن يعثروا.
وأنتَ ستكون هناك إذا عملتَ بوصاياي.
لا، بل سترتقي من كوكبٍ إلى آخر،
حتى تبلغَ درجةَ الكمال التّامّ.
وإذ ذاك تتجاوز نطاقَ النجوم،
وتبتعدُ عن تلك التُّخوم،
بعد أن ينتهي دور التجربة.
وعندئذٍ ترى نفسكَ في المحيط الروحانيّ.
وهناك تغمركَ أنوار اللّه خالق كُلِّ شيء،
وتتكشّف لك أسراره العميقة،
وترى بعين روحكَ كُلَّ ما هو مكنون،
فتسبّح اللّه
مع الأبرار الأطهار الذين ساروا مثلما ستسير،
وبلغوا حيثُ ستبلغُ أنت.
رحماك! أعنّي حتى أبلغ قمّة هذا المجد.
هذا طوع يديكَ إذا أردته.
سالمة امرأتي سأتنازل عنها غداً،
ولن أعود فألتقي بها.
نعم، سأتنازل عن هذه الرغبة الدنيويّة،
في سبيل قهر وتطهير روحي المذنبة.
كلاّ، لا تفعل هذا، يا عزيزي،
فإنّكَ قد تزوّجتها زواجاً مشروعاً،
مثلما جاء في الناموس والوصايا.
واعلم ، يا بطرس، أنّ أهل هذه الدنيا يُزوّجونَ ويتزوّجون
كي يأتيهم الأبناء الذين هم منهم.
وعندما تأتي ساعة تطهيرهم وانتهاء آثامهم،
إذ ذاك لا تعود لهم حاجةٌ للزواج,
فينتقلون إلى كوكبٍ آخر وعالم آخر
حيث لا يوجد شيء اسمه زواج، ولا بنون ولا بنات.
أمّا الآن فوصيّتي إليك
أن تعتني بغرس روح اللّه في قلب ابنك.
وثقْ، يا عزيزي بطرس،
بأنّه إذا سقط ابنك بالخطيئة،
فسينالكَ منها الشيء الكثير،
لأنّه منكَ، وبسببِكَ أتى إلى هذه الأرض.
فإذا اعتنيت بتربيته تربيةً حقيقيّة،
على خوف اللّه ومهابته،
فإنّما تكون قد اعتنيتَ بنفسكَ وروحكَ.
أنا مدينٌ لك يا ابن اللّه بجميع هذه المعلومات السماويّة.
فهل لك أن تكشفَ لي سرَّ وقوع الأنبياء في الخطاِْ الفادح،
أمثال داود وسليمان الحكيم
وسواهما ممّن اتّصلوا بالنساء اتّصالاً غير شرعيّ،
وهم الأنبياءُ الذين تكشّفتْ لهم الحقيقة،
ولمسوها بالوحي لمسَ اليد؟
يا عزيزي، إنَّ داوُد النبيَّ وسليمانَ الحكيم وأمثالهما
لم يخطئوا مطلقاً بما قاموا به،
بل كانَ الأمر على عكس ما ظنّه الجميع.
لقد كانوا أنبياءَ،
وكان الوحي يأتيهم بما يجب عليهم تنفيذه من أمور.
فالسراري اللواتي كُنَّ يملآنَ مقاصير الملك سليمان
قد انتفعنَ منفعةً روحيّةً عظمى
من وجودهنَّ مع النبيِّ الحكيم.
وهذا أمرٌ سوف تتكشّفُ لكَ أسراره،
ثمَّ داوُد النبيّ
الذي يتمتّع بدرجةٍ ساميةٍ من الدرجات الرفيعة،
ألمْ يذكر الكتاب المقدّسُ
أنَّ قلبهُ قد فُحِصَ ووجدَ أنّه ذو طهارةٍ فائقة؟
فكيف توفّقُ بين هذا القول السماويّ
وعمله الذي يؤاخذ عليه،
عندما استولى على امرأة أوريّــا الحثّيِّ،
لو لم يكن هذا واجباً؟
وتأكّد، يا عزيزي بُطرس،
بأنّ امرأة أوريّــا الحثّيّ هي نفسها امرأة النبيّ داوُد،
ولكنْ في دورٍ سابقٍ وولادةٍ سابقة.
وبينما كنت أشرح ليونا وبطرس
أسرار التقمّصِ، والعدالةَ فيه…
تجلّتْ أمامنا أنوارٌ خاطفة،
وسُمِعَتْ ترانيم روحيّةٌ مُبهجةٌ انعشتْ نفوسنا.
وللحال، خشعنا جميعاً,
ورفعنا صلاةَ الشكرِ والحمدِ للّه القادر على كُلِّ شيء.
وعندما انتهتِ الترانيم العذبةُ قبّلنا بعضنا بعضاً،
وتعاهد الأبُ والابنُ والحفيدُ وامرأةُ بطرس
أن يسيروا على طريق الحقِّ واليقين،
ما دام فيهم عرقٌ واحدٌ ينبض.
ليس لنبيٍّ كرامةٌ في وطنه
الساعة الذرّية تعلن أنّنا دخلنا في العام 1995، منذ أعلن السيّد المسيح ثورته الكاسحة على أنظمة هذه البشريّة الفاسدة.
فها قد إنطوى 1995 عاماً على تلك الصيحة الجبّارة، التي أطلقها سيّد الثورة النبيلة، كي يحطّم بواسطتها كبول الظلم والإرهاق، ويقطع أغلال الرقّ والعبوديّة، وكي يحقّق الحلم الذهبيّ الذي نشدته البشريّة الحائرة في أمرها، منذ كوّن الباري هذا العالم التاعس البائس.
ولكنّ هذه الصرخة الهزبريّة، التي رجّعت صداها الكرة الأرضيّة، وردّدتها البريّة، لم تجد أرضاً خصبةً في ذلك الزمن، مثلما هي الآن. فباءت هذه البشريّة بالذلّ والهوان، والخيبة والحرمان.
فردٌ أعزل، إلاّ من الإيمان واليقين باليوم الأخير، دافع عن الحقّ دفاع الجبابرة، ونافح عن العدالة نفاح الرآبلة، وكافح الشرّ كفاح الليث في غيله وعرينه. فهاجمه في مواطنه الشديدة الخطر، دون أن يأبه لجبروته، ودون أن يأخذ لنفسه الجذر. وأراد هذا الجبّار أ، يمزّقه شذر مذر، كي ينقذ من هبط لإجلهم من البشر:
ثلاثةً وثلاثون عاماً جاهد جهاداً مستميتاً، داعياً الجميع لإنتقاض على دستور القوّة والبطش، دون أن يسير في ركابه أحد، خوفاً من الدولة الرومانيّة القويّة الشكيمة، وذات الشوكة والإقتدار.
اللّهم، ما خلا نفراً من البسطاء اللذين فتنتهم تعاليمه العلويّة، وأضاءت قلوبهم بأنوار المعرفة الإلهيّة.
لم ييأس، ولم يقنط، ولم يتراجع، ولم يلقي سلاحه، بل راح يهاجم قيصر روما في شخص هيرودس، طاغية فلسطين، حيث نشأ ابن السماء، وحيث ترعرع.
وفي النهاية، عظمت التضحية وضخم العداء. فقد بذل الثائر حياته فداءً لحريّة البشريّة المعذّبة: هذه البشريّة المتألّمة التي أعمت الشهوات والنزوات بصرها وبصيرتها، فقدمته ضحيّةً على مذبح جهلها الصارخ، إذ كافئته على جهوده في سبيل تحريرها، وحبّه إيّاها ، بتعليقه إيّاه على خشبة الصليب. فيا للهول الرهيب!
وماذا كانت النتيجة؟
كانت رهيبةً وذات أثر بعيد.
فإنّها منذ ذلك التاريخ المشؤوم، وهي راسفة في قيود الذلّ والمهانة. وعوضاً عن حصولها على إكليل الغار، قنعت بتتويج مفرقها بشارة العار. فيا للعار!
إنّ السيّد المسيح، له المجد، لم يضرّه الأمر. فابن السماء قد عاد إلى السماء؛ وابن الفردوس عاد إلى فردوسه، بعد فترة قصيرة قضاها بين أبناء الأرض، كي يرفعهم معه إليه. فانكروه وطردوه، وأهانوه وازدروه وشرّدوه، وأخيراً … صلبوه وعذّبوه، ثمّ بكوه وندبوه.
منطق أعوج، وخلق أعرج، واتّجاه سفيه… إنّ الضّرر البليغ قد حاق بهم وبذرّيتهم، والأسف الفادح قد غمر أرواحهم وتغلغل في أفئدتهم…
فناحوا … ولكنْ بعدما انطلق الطائر إلى فراديس الجنان ، وتوارى عن العيان. فما كان قد كان.
أمّا الآن فانّهم يرفعون إليه صلاتهم، ويلتجئون إليه في ساعات أحزانهم، ويبثّونه لواعج آلامهم وأشجانهم.
هم الآن يحترمون مخلّفاته ويقدّسون ذكرياته، ويردّدون روائع آياته، ويتغنّون بمعجزاته.
خسئتم، يا أرواح الشرّ، فإنّكم تتضطهدون أنبيائكم ومرسليكم ، عندما يكونون بين ظهرانيكم، وتتهمونهم بأشنع إتهاماتكم، وتقذعونهم بشفار ألسنتكم، وتسلقونهم بصديد مفترياتكم الدنيئة، وتضطهدونهم بخسّة تحسدكم عليها بنات الخيانة.
وعندما ينطلقون من أرضكم ، ويخلّفون لكم جيفتكم الكريهة، إذ ذاك، تعرفون قيمتهم فتندمون، ولكن حين لا تجديكم ندامتكم، بل نتانتكم وخيانتكم. فيا ويحكم من يوم الدين !
أو لم تضطهدوا أيضا” النبي صلعم فأرغمتموه على الهجرة القاسية؟ وكيف لم تفتنكم آيته المنزلة التي لو لمست الصخور الصلدة لآلنتها ودعتها تخشع وتؤمن بنبوّته. فمن هو غير النبيّ الذي يستطيع أن يأتيكم بهذه الآية الكريمة، التي هي لغة الملائكة، يتخاطبون بها فيفتنون النجوم ببلاغتها ، ودقّتها، وشفافية رقّتها، ثمّ روعة سبكها، وعذوبة سحرها:
” اللّه نور السماوات والأرض.
مثل نوره كمشكاة فيه مصباح،
المصباح في زجاجة.
الزجاجة كأنّها كوكبٌ درّيّ،
يوقد من شجرةٍ مباركة،
زيتونة لا شرقيّة ولا غربيّة،
يكاد زيتها يضيء ولو لم تمْسسْه نار.
نورٌ على نور.
يهدي اللّه لنوره من يشاء.
و يضرب اللّه الأمثال للناس .
واللّه بكلِ شيءٍ عليم “(1)
(1) القرآن الكريم، سورة النور، الآية 35
إلى فادي الأنام
أيها السيد المسيح!
يا سيد المجد الخالد و الحب اللامتناهي.
يا رسول الله و كلمته السامية.
يا معدن الصفاء و ينبوع النقاء.
يا من بذلت دمك الطاهر فداء لخلاصنا.
يا من تألمت لأجلنا كثيراً، و أحببتنا الحب كله.
يا من يتغنى الكون باسمك،
و تشدو الملائكة في السماء لظلك.
يا سيد الأرواح النقية، و أبا النفوس التقية.
يا من علمتنا الفضيلة، و غرست في نفوسنا بذور الوفاء.
يا من ضحيت بكل شيء كي تستحق السعادة الأبدية.
يا من كانت سيرتك نبرساً لنا يقينا العثرات.
يا من طارده الكهنة الفساق و الأحبار المجرمون.
يا من نادى في صحراء هذا العالم، فردد الكون صداه.
يا من تجاوبت أصداء تعاليمه في جميع العوالم معروفها و مجهولها.
يا من ذاعت كلماته الطاهرة في مشارق الأرض و مغاربها.
يا من انتشلنا من هوة الجريمة و الإثم و دياجير المنايا الرهيبة.
يا من قادتنا تعاليمه الصادقة إلى الينابيع الإلهية السرمدية.
يا من تتغنى الأكوان باسمه، و تردد الكواكب أمثاله.
يا من طوى( العهد القديم)، و نشر( العهد الجديد).
يا من تألم على الصليب لأجلنا، و هو وضاح الجبين، باسم الثغر!
يا من افتدانا ينبوع دمه الزكي القاني.
يا من تحن إليه جوارحنا بعد مغادرتنا عالمنا الحقير الفاني.
يا من نضرع إليه أن يبعث إلينا بقبس من انواره الإلهية،
كي يسدد خطواتنا نحو طريق النور و الحق و اليقين،
فنسعد بعد انتهاء حياتنا القصيرة الامد،
و نرتقي حيث العوالم العلوية الفتانة،
هناك حيث نحيا تحت ظل المسيح( الفادي)،
نشدو مع الملائكة الأطهار،
و نرنم ترانيم الغبطة و الحبور على القيثار.
و من تلك الأعالي الفياضة بالسعادة الشاملة،
ننسى تلك الدموع و الأحزان التي خلفناها وراءنا
في عالم الطلاح المغمور بالشقاء و الأتراح.
بيروت، مساء 25 كانون الأول 1942
إلى معدن الطهر و النقاء
أيها السيد المسيح، أيها الخروف الذبيح
يا روح الطهر، و معدن النقاء العميم
يا رجية الحزين، و محط رحال الأثيم
يا من بذلت دمك الطاهر لأجل خطايانا
أيها الإله العظيم، و يا من لا تنسانا
أنت هو حمانا، و ماحي آثامنا، و دينك هو الدين الصحيح
سنة 1942
رسول السلام
أيها السيد المسيح الممجَّد، و رسول الرحمة و السلام
أيها المتغنِّي بالفضيلة، المترنِّم بالطهر العجيب
أيها الرمز الإلهيّ، و ابن الله الحبيب
يا طلبة نفوسنا الخفية، و رجيَّة أرواحنا الحائرة
أدنُ منا وفينا، يا ابن الله، لتقوّي عزائمنا الخائرة
والمسْ أرواحنا بأناملك الطَّاهرة لتزول عنها الأوزارُ والآثام
سنة 1942
أنشودة الروح
تغنوا معي بالأناشيد العذبة،
تحت أضواء الكواكب المتألقة!
وأنتم،معشر الإلاهات الفاتنات،
رددن ما أنشده،الآن، أمامكنّ!
ويا أيها الأقمار المتوهجة!
أصغن إلى كل(كلمة) ترددها شفتاي المقدستان!
وانتنّ، يا حواري النعيم الناعسات اللحاظ،
أهزجن معي أهازيج الفرح والمرح،
لأن من تهواه نفسي،وتحنو عليه روحي،
قد أتى من الأبعاد السحيقة!
وها أنتن ترينه بجسمه الأرضيّ،
وروحه المتعطشة إلى الحقيقة!
ولترددي، يا هوج الرياح،
ما آمرك به أنا ذات القوة والسلطان!
أنا من تهابني الكواكب،
ومن يترأس عليها من إلاهات
وأنت أيتها البروق المومضة،آمرك أن ترحبي به ترحيباً حاراً.
وحوّم حوله،أيها النسيم الطروب،
ولكن بدعة و لطف.
أنا! من تهابني (الآلهة)،
وتتمنى العناصر بأكملها البقاء بقربي!
أنا! من أتفوّق على جميع (الأنبياء)،
منذ وجد هذا الكون،وحتى نهايته!
أنا! التي أمرت إلاهة (الحكمة)
أن تلقّن (سليمان) من ينبوع حكمتها!
أنا! من أمر (العناصر)
أن تجوب الآفاق،ومن ثمّ تعود!
أنا! التي أقبض على الشمس بيميني،
وأشعتها تكلل رأسي!
أنا! من آمر الأمطار بالهطول،والرياح بالهبوب والتطواف!
أنا! آمر الرعود أن تقصف،والصواعق أن تنقضّ!
أنا! المسيطرة على كل ما هو معروف ومجهول من أمور!
أنا! آمركم،الآن، وآمر كل ما هو معروف و مجهول
أن تكللوا جبيني بأزهار السماء،
وأن تسقوني من ينابيع الكواكب!
إفرحوا معي، وتهللوا!
لأنه قد أتى إليّ،وسيبقى معي إلى الأبد!
لقد تشبّعت (روحي) بالسعادة،
وانتشت بالغبطة!
فلأرقد بين ذراعيه طويلاً!
بيروت في 3 شباط 1941
العودة إلى داهش الرسول السماويّ
سأعود
-1-
هناك في أقاصي السماء الزرقاء الصافية،
و راء تلك الغيوم الناصعة النقية،
أوجد الله مكاناً سحرياً رائع الفتنة،
تحن إليه أرواح التعساء و المحزونين.
فإلى ذلك المكان البعيد السعيد سأعود.
-2-
هناك وراء الغمام الشفاف،
تتألق الانوار من نجمة وضاءة بهية،
و من وراء هذه الدرة اليتيمة الدائمة التوهج،
خلق الله عالماً خلاباً تنشده الارواح الحائرة لتطمئن.
فإلى هذا المكان الدائم السطوع و البهاء سأعود.
-3-
هناك وراء المجرة الأزلية،
تتهالك المسافات و تفنى الأبعاد.
فمن كتب له أن يجتازها،
يجد فردوساً عجيباً كونه لمختاريه الأبرار الاطهار.
فإلى هذا الفردوس الدائم المتع و البهجات سأعود.
-4-
هناك وراء السدم العجيبة،
تتراقص الرؤى و تحيا التخيلات.
و في هذه الاماكن البكر تمرح صبايا الاماني العذبة،
ثم يطبعن، بشفاههن الفتانة، قبلات ندية على ثغور المستحقين
فإلى هذا الوطن الاخاذ الذي منحته العناية للمتعبين سأعود.
-5-
هناك حيث تصادم البروق السماوية بعضها بعضاً،
و تخترق الشهب بروج العوالم الممنوعة،
و من وراء ربوات التبر و الفيروز، و تلال المرجان و الزبرجد،
و جبال الحجارة الكريمة و الجزع،
و أودية العقيق و اليشب، و سهول الزمرد و الياقوت،
يخترق نهر الكوثر جنبات مدينة الطمأنينة.
فإلى هذه المدينة السحرية الهاجعة بسكون سأعود.
-6-
هناك حيث لا يستطيع الفكر أن يبلغ إليه،
و إلى المكان الذي أعد الله فيه لأعزائه الاحباء
ما لا يخطر على فكر و ما لم يسطره قلم،
تحن جوارحي و تشتاق نفسي،
و إليه، يا أحبائي، قريباً سأعود.
مزرعة الصليبي( سوق الغرب)
صباح الأحد 25 حزيران 1944
العودة إلى داهش الرسول السماويّ
نشوة روحية
عظيمة هي رحمتك، يا الله!
و جليلة عدالتك، يا خالق الليل و النهار! و مبدعة إرادتك، يا مكون شاسع البحار!
و مذهلة قدرتك، يا مجري واسع الأنهار!
و رائعة جلالتك التي تسيّر الازمان و تتحكم بالاقدار!
لله! و من غيرك، يا خالقي، استطاع أن يستبدل أفكاري بأفكار!
فالخوف الذي كان يغمرني أزلته عني،
و القلق المتواصل الذي كان يتدفق في أعماقي انتزعته مني،
و الاضطراب كان يخيم في سماء حياتي لاشيته من أعماقي،
و الحزن الذي كان يساورني طردته من آفاقي،
و عدم الاستقرار استحال إلى راحة لذيذة طالما إليها النفس حنت،
و روحي الحائرة الدائمة الثورة هدأت و اطمأنت.
فشكراً لك، يا الله، على رأفتك التي لا أستحقها،
و حمداً على تحريرك روحي من بعد رقها.
آه! ما أعمق حنانك عليّ، يا الله!
و ما اكثر رحمتك على عبدك المسكين!!
بيروت، 23 كانون الثاني 1945
العودة إلى داهش الرسول السماويّ
أنا ثائر
أنا ثائر! على الوجود الموجود!
أنا ثائر! على الهيئة الإجتماعية ونظمها الجائرة!
أنا ثائر!على الآراء البشرية ومعتقداتها السخيفة!
أنا ثائر!على المظالم النكراء التي تقوم بها الإنسانية المجرمة!
أنا ثائر!على الدنيا،وما تحويه في باطنها وظاهرها،ومعلومها ومجهولها!
أنا ثائر!على الحياة،وما تحويه في باطنها وظاهرها،ومعلومها ومجهولها!
أنا ثائر !على الكون،وعلى بنيه الأشرار،وقاطنيه الفجار!
أنا ثائر !على أيامي،تمضي حافلة بالبؤس والشقاء والحزن والعناء!
أنا ثائر !على بني البشر الطغاة، المفسدين العتاة، الظالمين القساة!
أنا ثائر !على هذه الحيوانات الناطقة التي تفضلها العجماوات!
أنا ثائر !على الميول الوضيعة والأعمال السافلة!
أنا ثائر! على الطبيعة:شمسها وقمرها،أفلاكها وأملاكها،
جحيمها و نعيمها،هوائها ونسيمها،
حيوانها وهوّامها،زهرها و شجرها!
أنا ثائر! على نفسي الثائرة،وروحي الحائرة،
وقلبي المحطم المسكين!
أنا ثائر! على كياني ووجودي،ساخر بإيماني وجحودي!
أنا ثائر!…وثورتي عميقة مدوية،جبارة صارمة!
أنا ثائر!إلى أبعد حدود الثورة،
وثورتي لها بداية،ولكنها دون نهاية!
أنا ثائر! وسأظل ثائراً حتى تثور لثورتي الكائنات!
بل ستجتاح (ثورتي)معالم هذه النظم الجائرة السخيفة،
وتدكها دكاً،وتتركها قاعاً صفصفاً،
لتبني على (أنقاضها) نظماً أخرى!
أجل،أنا ثائر! ثائر! ثائر!…
و (ثورتي) عنيفة كل العنف ،جبارة كل الجبروت،
طاغية كل الطغيان!
وليس لثورتي هذه من حدّ،ولا نهاية!
القدس،أول أيلول سنة 1935
العودة إلى داهش الرسول السماويّ
سأُبوتقُ البشر…
سأبوتق البشر في بوتقة اقتداري، و أكيّفكم بالكيفية التي تروقني.. و سأغرس في أعماق نفوسهم ما كانوا بعيدين عنه البعد كله. و من يمتنع.. فسأبتر وجوده من عالم الوجود، و أجعل اسمه لعنة في بطون الأجيال الزاحفة.
العودة إلى داهش الرسول السماويّ
أشعر بأنّي أحوي…
أشعر بأني أحوي في اعماقي قوى روحية خفية هائلة تود الانطلاق، لتقوم بعمل خطير عظيم، و لكني إكبتها إلى أجل معلوم، و لن يمضي غير قليل حتى تتفجر ينابيعها، و تجتاح في طريقها كل ما يعترضها من حواجز و عقبات، ثم تبرز للعيان جلية واضحة لا لبس فيها و لا غموض.
العودة إلى داهش الرسول السماويّ
أيّها الحُسّادُ الموتورون….
أيها الحساد الموتورون، لن يمضي وقت طويل حتى تشاهدوا بعين الدهشة ما هي الاعمال العظيمة التي سأقوم بها، و عند ذلك ستحتقرون أنفسكم و تتقلص شخصيتكم أمام ذاتكم، حتى تفنى و تصبح في ذمة العدم.
العودة إلى داهش الرسول السماويّ
عندما تغربُ شمسي…
عندما تغرب شمس حياتي ، عند ذاك سيتحدثون عن خوارقي و معجزاتي.
العودة إلى داهش الرسول السماويّ
أنا القوى الجبَّار
أنا القوى الجبَّار، والعنيف البتّار!
فمهما حاولت الأحداث أن تتغلّب عليّ أو تخضعني لجبروتها
فإنها لن تعود إلاّ بصفقة الخاسر المغبون.
ولن تتمكن من إماتة ما يجيش في نفسي من نزعات تبغي الإنطلاق من هذه القيود
كلا!…أنا لن أتقاعس عن نيل أهدافي و بلوغ اتجاهاتي التي أطمح إليها
و سأحقق أمانيّ عاجلاً أم آجلاً
وسأسحق من يقف في طريقي من عقبات كأدآء وسأردّمها ترديماً
وسأهزأ بالإنسان وبالطبيعة. وبالقدر!
وسأبلغ آمالي وأحقق أحلامي!…
وأنف الحياة في الرّغام!….
-المؤلف-
العودة إلى داهش الرسول السماويّ
إستقبال عام 1937
ها قد تلاشى آخر يوم من العام الذي مضى،
وأصبح في ضمير الأبد سراً من الأسرار…
وما زالت نفسي محطمة حيرى!..
والتشاؤم يملأ شعاب صدري!..
والآلام ما زالت تنهشني نهشاً، وتفترسني افتراساً!…
وآمالي ما زالت آمالاً دون أن تحقق!…
فهل قدر لروحي أن تبقى،طوال أيامها، حائرة،دون أن تستقرّ؟!..
أم تعود الأقدار فتشملني بعين عنايتها،
وتحقق لي ما أنشده مذ فتحت عينيّ للحياة؟…
ما أكبر حكمتك،يا خالق الأرض وباسط السماء!..
ما يدريني أنك تريد أن تمتحن قوة صبري،
وهل أتقاعس إذا وجدت مناكفات ومشاكسات وكتابات كاذبة؟!..
أقسم بك يا خالقي أنه لو وجد ملايين
من الأغبياء المارقين أو الخونة المماذقين،
وملأوا طروس الأرض،
لا بل لو نقشوا حجارة هذا الكون بأسره قائلين بها:
“إن رسالتي هذه غير صادقة”،
لمشيت رافع الرأس،موفور الكرامة.
وسأبقى على تبشيري وإذاعة رسالتي
حتى تعمّ الأرض وتنتشر في السماء أيضاً.
ولن تثنيني البرايا بأسرها عن أدائها،يا الله،
ما دمت أنت تمدني بقوتك الإلهية.
وهذه يميني،يا خالقي،
أرفعها لك من أعماق قلبي
الذي لا يخفق إلا بذكر اسمك القدوس
برهبة وخشوع كليين.
بيروت 1/1/1937
العودة إلى داهش الرسول السماويّ
ليس من يقظ سواي
1
الوقت بعد منتصف الليل،
والناس نيام،
والسكون شامل عام،
و ليس من يقظ سواي!
2
الظلام يغمر الآفاق الشاسعة،
والأحلام تراود أرواح المستغرقين في نومهم،
والطبيعة ساكنة،صامتة،هاجعة،
و ليس من يقظ سواي!
3
النجوم النيرة خبا تألّقها ثم تلاشى،
والبدر المنير احتجب ليأخذ قسطه من الراحة،
والسدم العجيبة توارت بعد أن ضجعت وثارت،
وليس من يقظ سواي!
4
حتى العشاق!…ثقلت أجفانهم فاستسلموا للكرى،
ومعشر الفساق!…أرهقت أعصابهم فهمدت حركاتهم،
واستسلم الجميع لسيطرة من لا يغلبه غالب،
وليس من يقظ سواي!
5
السحاب الثلجي اضطجع بعضه على بعض،
في فراغ الفضاء الفسيح اللامتناهي،
ورواح يغطّ في نوم عذب هنيء،
و ليس من يقظ سواي!
6
قمريّ الليل يحلم أحلاماً لذيذة،
فيهتزّ جناحاه بلطف ودعة،
ويعود فيغرق في لجج النوم المعسول،
وليس من يقظ سواي!
7
الأثير الشفاف تلفع برداء الراحة،
وخاض أعماقها كي يبلغ أرض أحلامه وأمانيه،
وهناك اجتمع بآماله وجعلت السعادة تناديه وتناغيه،
و ليس من يقظ سواي!
8
ها هي ذي العناصر الجبّارة قد استيقظت،
وعادت المخلوقات إلى الحياة بعد أن نفضت عنها ا لكرى،
وعاد صخب الحياة فاحتل المعمورة و ساد ربوعها،
أما أنا فقد كنت يقظاً قبل أن تخلق هذه العناصر،
واستيقظت قبل أن تستيقظ!
بيروت،17 آذار،1943 (الساعة الرابعة صباحاً).
العودة إلى داهش الرسول السماويّ
وداع عام 1943
يا عام! يا عام!
أيها العام الذي تبعثرت أشلاؤك وتقطعت أوصالك!
أيها العام الذي مضيت وانطويت وتصرمت حبالك،
بعد أن ألقيت عليّ أثقال الجبال،وهي أثقالك وجبالك!
أيها العام الغريب العجيب!
القاسي الحنون، الواهب الآخ1،البطل الجبان!
يا من تواريت من عالمنا،وانضممت إلى الآلاف من أترابك
المتراصين بعضهم فوق بعض…مؤلفين هرماً دهرياً
مبنية أسسه من ملايين الأيام التي تؤلف آلاف الأعوام!
ذهبت،يا عام، لتشهد على ما اقترفه البشر،في أيامك،
من آثام جسام،
ترتعد من هولها الأشباح الهائلة في مواطن الرهبة وعوالم الظلام!
خلّفتنا أيها العام وأنت تلعن الأنام،
بكل ما فيك من قوة حجة وروعة منطق.
ثم نظرت إلى ورائك نظرة وجل وإشفاق حقيقيين،
بعد أن زوّدته بنصائحك الأبوية،
وأنذرته،أيها العام،قائلاً له:
-كان الله في عونك، يا من ستتبوأ الأريكة
التي كانت رحمة الله عظيمة عليّ بإنهاء أيامي،
وأنا جالس على عرشها الدائم الإهتزاز!
وأخبرته بما سيشاهده من جرائم غريبة،وأهوال رهيبة
سيقوم بها أبناء الأرض التي سيبسط سلطانه عليها وعليهم…
كان الله في عون العام الجديد، أيها العام الراحل حتى يوم القيامة.
واعلم أيها الخبير بشؤونها نحن البشر،أنني أحسدك على تخلّصك
من كبول أرضنا الحقيرة،متمنياً على الله أن يضع حداً لحياتي،
علّني أنطلق إلى عالمي السعيد الذي هبطت منه إلى دار الشقاء!…
هذه الأرض المجرمة التي أسعى عبثاً لأن أرعى ذئابها،
وأقودهم إلى المراعي الخصبة،لأن ديدنهم الشر الدائم!…
إنهم أبوا إلا أن يضعوا أصابعهم الملوثة في أذانهم،
كي لا يسمعوا إرشادي الذي لا أتوخى من ورائه نفعاً
سوى السمو بأرواحهم،
وتطهيرها من أدرانها القذرة!…
فمن كتبت له السعادة وسجل اسمه في فراديس جنة الخلد
هو من يسير على التعاليم التي توحى إليّ فأنشرها على الجميع،
ويتبناها المستحقون،فتهدأ أرواحهم وتهنأ نفوسهم المتعبة الكليلة.
وهل لراحة البال من بديل ولو كان عوضاً عنها الأرض
بما فيها من كنوز خبيئة؟!
***
وداعاً، وداعاً،أيها العام الذي تصرّم،
فأصبح غبياً في غيهب الأبد!…
وأنت يا عام 1944 بشرني!
بشرني!…أتحقق الأحلام؟!
أم تراني سأقضي وهي ما تزال ضرباً من الأوهام؟!
الساعة 11 قبل منتصف الليل
بيروت 31/12/1943
العودة إلى داهش الرسول السماويّ
الإندماج بالحق
أنتم آلهة،أبناء الله تدعون “الإنجيل”
سأعتلي قمم المجد الرفيع الذرى،
وسأطاول بروج السماء المشمخرة،
وسأخترق حصون الشر اللعينة،وأصل إلى الشواطئ الأمينة،
وسأبلغ الجوزاء،وأتخطّر بين النجوم والمذنبات،
وسأرتع في عوالم الأفلاك الحصينة الجنات،
وسأجوس في فراديسها العجيبة،وأقتطف من ثمارها الغريبة،
وستنساب أمام تخطراتي أنهار وغياض الأبرار والاطهار،
وستنبثق نابيعها الكوثرية المذاق كي أرتوي بالمعرفة الروحية،
وسأشدو مع حواري العوالم المضيئة الدائمة الفتنةوالبهجات،
وسأرقص مع ربات (الأولمب)ذوات العيون النواعس،
وسأقيم بينهنّ إذ لن يعتريني ألم أو يلمّ بي هاجس،
وسأنتقل،يا صاحبي،من كوكب إلى كوكب فكوكب،
وسأمر بمواكب الأدهار طاوياً موكباً إثر موكب،
وستمر عجلة أوقيانوسات اللانهاية الأزلية،
وستوغل في مسافات الأزمان الزوارة السرمدية،
وأنا أواكبها في بروجها العلوية وأخدارها الإلهية،
من جيل إلى جيل، ودور إلى دور…
وعندما تحطّ بي الرحال في (مدينة السلام) والطمأنينة الهنيّة،
إذ ذاك تتم لي المعرفة السماوية،
بعد أن أكون قد خلفت ورائي أسمالي البشرية،
وعندئذ أندمج في القوة الموجدة الإلهية،
فتتم سعادتي،فيا لسعادتي الأزلية!
صباح الأحد في 17 شباط 1946
العودة إلى داهش الرسول السماويّ
استقبال عام 1970
أي إلهي وخالقي،
لقد عصفت بي رياح العام البائد عصفاً رهيباً،
وصواعقه المتلاحقة حطمت أركاني،
ورعوده الهادرة لاحقتني في خلال أيامه المشؤومة،
محيلة أفراحي إلى أتراح،
وبروقه المومضة أتاحت لي مشاهدة المآسي
التي كبلت نفسي وقيدت روحي،
ونسوره المنقضة مزقت حشاشتي وهي تنوشني بوحشية رهيبة،
وصقوره المفترسة التهمت كل ما كنت امتلكه وأحافظ عليه،
وجيوش أحزانه أحاطت بي إحاطة السوار بالمعصم،
وإذا بالكآبة الخرساء القاتلة تتملك كياني وتحتل وجودي.
وعند ذاك،طوقتني الأشجان،وأصبحت سميرتي الفاحمة الدجنات، إذ فيه فقدت أحب الناس إلى قلبي،
وأخلصهم لي، وأنبلهم،وأكثرهم حاتمية وإنسانية.
فيا خالقي،يا مكوّن العوالم،وموجد المعروف منها والمجهول،
سدد خطواتي،وثبت إيماني،
ودعني أسير في مفاوز هذه الحياة المخفية،
قاطعاً قفارها المحرقة، وفيافيها الشاسعة،
المليئة بالمشقات والاتعاب،
مذللاً صعابها،مرتقياً شوامخها ناشراً في أرجائها
العقيدة الجديدة، لمن استحقها،
حتى إذا دنت ساعة انطلاقي منها،
أكون قد أدّيت رسالتي على وجهها الأكمل،
علّني بعد ذلك اجتمع بشقيق روحي،
أخي الحبيب،الدكتور جورج خبصا.
في 1/1/1970
الساعة السابعة صباحاً
العودة إلى داهش الرسول السماويّ
مات داهش
الطبيعة مكفهرة،
والسماء متجهمة،
وجيوش الغيوم تغزو الفضاء الشاسع،
ووجوم عظيم يخيّم على ربوع الكرة الأرضية،
والصمت احتلّ أقطار دنيانا التعيسة،
والادلهمام ضرب سرادقه عليها،
والكناريّ صمت عن التغريد،
والفراشة لم تعد تحوّم على الأزهار،
وكفّت عن امتصاص رحيقها،
والشلال تلاشى صوت إيقاع دويه الهادر،
والينابيع جفّت، والبحيرات غاضت،
والأنهار انشقت فابتلعت الأرض مياهها،
ورشأ الغاب يهمي دمعه بصمت أخرس،
واليمائم مع أسراب الحمائم تنوح على باسق الأدواح،
والأشباح احتلت كرتنا الأرضية،
والحزن طغى،
والنواح بغى،
واللوعة قطنت الصدور،
والشقاء غمر المعمور
لأن داهش قد اخترمته يد المنون،
وبموته انطوى عهد الخوارق والمعجزات.
الساعة 12 إلا ربعاً قبل الظهر
16/4/1973
العودة إلى داهش الرسول السماويّ
ظنك خائب
لا تظني بأنني أصبحت قتيل صدك ونواك.
لا…وحق من كونك وبراك.
فإذا ظننت بأنني أصبحت مدلها بعينيك،
فظنك خائب وخيالك عقيم،
لأنني مدلّه ولكن…بكواكب السماء
ونجوم الفضاء ذات البهاء.
وإذا ذهب بك الظن الواهم
أنني مدنف بقوامك الأملود
فخيالك خائب،وظنك عائب.
فأنا مدنف حقاً… ولكن ليس بالكواعب،
بل بالغاب الحافل بشتى أنواع أزاهير الربيع الفتانة،
وهائم بالأنهار والبحيرات والينابيع،
ويالشلالات ذات الهدير الموسيقيّ العذب.
وإذا توهمت بأنني أتمنى قبلة من ثغرك الفاتن،
فظنك باطل،وتوهمك فاشل،
فأنا مفتون بالحقيقة وليس بالباطل.
فالحقيقة لا تحمل بباطنها الرياء،
كرياء أبناء البشر التعساء.
إذاً ترينني أنشد الحقيقة،
وإيّاها أعبد.
أما الغيد الصيد، والحسان الرعابيب
والكواعب المغانيج،والصبايا الخفرات
فإنني أتمنى أن يوضع بيني وبينهنّ
سدّ مأرب.
بيروت 10/3/1972
العودة إلى داهش الرسول السماويّ
إلى ابنتي في عالم الغيب
يا ابنتي،
أيتها البنية التي لن تكتحل عيناها بمشاهدة كرتنا الأرضية
أيتها الموجودة في عالم الغيب،
يا من تحيين في عالم لا يمتّ بصلة لعالمنا الماديّ،
أيتها المجهولة عندي والمجهول لديك!
يا من ترفلين بثوب روحاني لم تلوثه أرضنا المعاصي.
أيتها القاطنة في مدينة الأبرار،
و ليس في عالمنا موطن الفساق والكفار
أيتها المعروفة المجهولة،الظاهرة الخفية!
يا ابنتي امكثي فيه طاهرة نقية،لا عاهرة دنية.
امكثي فيه،وإيّاك أن تغادريه،
ففي مكوثك فيه سعادتك وهناؤك،
وفي مغادرتك لعالمك تعاستك وشقاؤك.
وأيقني بأن الشهوة لن تستبدّ بي
كي أدعك تزورين عالم الرذيلة و الفجور.
ولن أدع قدمك تطأ دنيانا،دنيا الدنس والثبور.
ولن أدعك تتخطرين بقوامك الأهيف،
فتسلبين العقول، وتستولين على القلوب.
لا، ولن أدعك تسيرين الخيلاء لتلفتي الأنظار إليك.
ولن أدعك ترمقين أحد الشبان،
فتصمينه بسهام عينيك ودعج مقلتيك.
ولن أدعك تستهوين الرجال بمحاسنك.
ولن أدعك توقعين المراهقين بشبكة مفاتنك.
لا،لا يا ابنتي.ولن أدعك تقضّين عليّ مضجعي
فتحرميني النوم خوفاً من تدنيس شرفك،
وإذ ذاك أضطر لأن أقتلك بيدي،
مفضلاً الدخول إلى السجن لأقضي فيه حياتي،
أو يحكم عليّ يالإعدام،
فأموت وأنا ملتحف بجيوش الأحزان،
وتواريني الحفرة،والأسى ملء ضلوعي لرهبة الأشجان.
كلا،كلا، لن أدعك تزورين أرضنا على الإطلاق.
وإذ ذاك سأنام ملء جفنيّ طوال الليل الدجوجيّ،
لأنني موقن بأنني لن أقذف بك لعالمنا الرجس،
لتنصب المكاره على رأسي صباً حميماً.
امكثي في عالمك،يا ابنتي، ولا تغادريه،
ففي مغادرتك إيّاه سقوطك الهائل،
وفي تركه تدنيسك وأنت الزنبقة الطاهرة.
وعندما تدنو ساعتي الأخيرة،
وأغادر عالم الموبقات الملوثة،
إذ ذاك سألتقي بك وستلتقين بي،
وساعتذاك سأضمك إلى صدري المشتاق لعناقك.
وفي تلك اللحظة سيتأكد لك
أن عدم رغبتي بمولودك في عالم الأرض
هو لكي تحتفظي بطهارتك الروحية،
يا زهرة السماء العطرة النقية.
ديسلدورف-ألمانيا-في 6/6/1972
الساعة التاسعة ليلاً
العودة إلى داهش الرسول السماويّ
إلى ولدي في عالمه المجهول
أي بنيّ الحبيب،
يا ولدي الذي لم يولد بعد و لن يولد!
أيها القاطن في عالم عجيب غريب!
أيها الموجود، ولكننا لا نستطيع أن نراه!
أيها النجل الذي لن يتجسد في عالم الأرض.
ولماذا أدع الشهوة تستبد بي،
فأدعك تولد في دنيا المعاصي،
هذه الدنيا التي طوقها البشر بمخازيهم حتى النواصي.
وكيف أسامح نفسي إذا جعلتك تزور أرضنا،
وتخوض فيها خضماً من الأحزان،
وأوقيانوسات من الأشجان؟!
وكيف لا أحزن زينصهر كبدي،
عندما أشاهدك تذرف الدموع المدرارة،
وتلعن الساعة التي قدر لك فيها
أن تزور عالم الشقاء الطافح بآلامه الرهيبة؟!
وكيف أرضى عندما أراك
وقد استهوتك غادة آثمة ماكرة
وجعلتك عبداً أسيراً لديها،
تأتمر بأوامرها،وتنفذ لها رغباتها؟!
وكيف لا يضنيني الأسى العميق،
عندما أراها قد جعلتك ألعوبة في يديها،
وملهاة تلهو بها عندما تغمرك بمقلتيها؟!
ترتكب الموبقات وأنت مغمض عينيك عنها،
وتحمل من سواك،وتقذف نجلاً تظنه أنه نجلك!
أولست ألعن ساعتذاك الساعة اللعينة
التي فتنتني بها امرأة لعوب،
فجعلتني أنزلك من عالمك العلويّ إلى عالمنا السفليّ.
وإذا قدّر وأصابك مكروه فطواك الموت،
وغيبتك الحفرة الرهيبة الظلمات،
أولاً تصبح حياتي،إذ ذاك جحيماً رهيباً أبديّ التأجج؟!
لالا يا بنيّ. أمكث في عالمك العلويّ،
متنغماً بفردوسك الداني القطوف،
ودعني أندب حظي لوجودي في عالم الشقاء.
فقريباً سألتقي بك،
وستقدر ساعتذاك،صنيعتي،
وستشكرني لأنني لم أدعك تهبط
إلى عالم الشرور وموطن الإثم والفجور،
بل بقيت راتعاً في عالم يغمره الحبور ويعمره السرور.
وإذ ذاك سنمكث معاً حتى انقضاء الأجيال وفناء الدهور.
ديسلدورف-ألمانيا- في 6/6/1972
والساعة التاسعة والنصف ليلاً
العودة إلى داهش الرسول السماويّ
نصح وإرشاد
يا أبناء الحياة، إن آمالكم أوهام،وأشباحكم ظلال
فاستيقظوا،يا أبناء الحياة، وثوبوا إلى رشدكم بعد الضلال
لقد علا غطيطكم،يا قوم، ونومكم قد طال
هنيئاً لكم جميعاً إن كنتم تؤمنون بالكتاب
وكونوا مستعدين دائماً ليوم الحساب
واحذروا الوقت الذي فيه تقرع عليكم الأبواب
العودة إلى داهش الرسول السماويّ
عنكبوت النسيان
وينسج عنكبوت النسيان خيوطه المحكمة،
وإذا بالحزن العميق الذي حطّ علينا بكلكله،
بعد فقدنا لأحب حبيب لدينا،وقد تناسيناه،
أصبح ذكرى تمرّ بخواطرنا في مناسبات خاصة.
إن الإنسان مشتق من النسيان.
فالأعوام الزاحفة تطوي أهمّ أحداثنا المأساوية؛
وسواء أكانت تلك الاحداث الهامة
مفرحة أو مؤسية،فإن الزمان يبتلعها بطياته؛
فالزمان كالمخدر يسيطر على شعورنا،
فإذا بنا وقد نسينا الماضي بأفراحه وأتراحه،
ولا نعيش إلا بحاضرنا الذي نسير في دروبه المتشعبة.
فكم من صديق حقيقيّ غيبته القبور بظلماتها المدلهمة؛
وساعة انطلاقه إلى عالم الغيب، كان وقع ذلك الغياب رهيباً.
وبانطواء الأيام خفّت وطأة الأحزان وتلاشت أثقال الأشجان.
وبفناء الليالي فناء لوجودي.
إذ لماذا التشبث بتوافه هذه الدنيا التعيسة؟
ولم التكالب على بهارج دنيانا وزبارجها الزائلة؟
وعندما أفكر بأمجاد سليمان الحكيم،
وبثروته الطائلة الخيالية، وبهيكله الشامخ الذّرى،
وقد دكّت أركانه،واضمحلّ بنيانه، وتفككت عرى أوصاله،
إذ ذاك يتملكني العجب العجاب،
وأذهل من عدم اعتبارنا لهذه الحقيقة الصادعة،
حقيقة أباطيل العالم وفنائه الذي لا بد منه.
أوليس الملك سليمان الحكيم نفسه من قال بأمثاله:
“باطل الأباطيل وقبض الريح”.
فإذا كانت الأرض، بكل ما تحويه،
مآلها إلى الزوال والفناء السرمدي،
فلماذا، لماذا لا نتجه نحو القوة الموجدة،
نحو المكوّن الإلهي السامي،
نحو خالقنا من العدم إلى الوجود،
نحو الله الذي هو الألف والياء،
إذ هو البداية وهو النهاية؟
ولماذا لا نطلّق الأطماع التي تقودنا إلى الهاوية السحيقة الأغوار؟
ولماذا لا نتمسك بالفضيلة نابذين الرذيلة؟
ولماذا لا نسير في طريق الهداية والحق والصراط المستقيم؟
حتى إذا دعانا داعي الموت الذي لا بد منه ولا محيص عنه،
نكون ساعتذاك متأهبين لمرافقته والإنطلاق معه
إلى كوكب دريّ يتوهج بأنواره الإلهية.
وهناك نكافأ على استقامتنا فنعطى فردوساً داني القطوف،
أيامه أعياد وأسابيعه بهجات أعوامه مسرات،
لا يمكن لقلم بشري أن يصف مقدار سعادته اللانهائية.
وهناك نجتمع مع أحبائنا وأعزائنا ونسبح الله،
ونمجد قدرته الإلهية،ونحيا إلى ما لا نهاية بسعادة
تقصر الأقلام عن وصفها لعظمتها وروعتها!
فتعال،تعال أيها الموت الحبيب واحملني بعيداً
عن عالم الأرض الشقي بأتعابه الرهيبة،
ودعني أجوس معك جنة الخلد،فتهنأ روحي،
وتبتهج نفسي في ذلك الملإ العلويّ.
في السيارة الذاهبة إلى نيويورك
الساعة العاشرة إلا ثلثاً من صباح 16/2/1977
العودة إلى داهش الرسول السماويّ
ثورة إله
هذه أنشودة (إله الأرض) وحارس أطرافها الأربعة:
“ستندلع نيران غضبي الإلهي العميق الغور، السحيق القرار،
وستتفجر براكين نقمتي الجبارة،القاطعة البتارة،
وسأرمي البشر قاطبة بنبال كنانتي المسننة المسددة التصويب،
وسأهيب بالخضمّ أن يطغى على الأرض فيهلك قاطنيها،
وبالكواكب أن تتساقط متلاحقة من أعاليها،
وسأخبي نور ذكاء،فلا تستطيع الشروق،
وسأحجب نور البدر،فلا يستطيع الخفوق،
وسأفرغ من هذا الدور الأجدر على أنقاضه دوراً آخر،
إذ حسب البشر هذا الظلم والعدوان،والعسف والطغيان.
وحينذاك يسود السكون الرهيب والصمت الأصم أطراف المعمور،
لأن عينيّ قد ملّتا هذه المناظر الممجوجة المألوفة
طوال هذه الأحقاب،
وأذني قد مجّتا سماع تلك الأنغام المشوشة الغير الموزونة،
وألوهيتي عافت الجرائم والآثام،
وملّت الساعات والشهور والأعوام!”
***
هذا ما أنشده (إله الأرض) على مرأى ومسمع كل ذي نسمة و حياة!
فتناقلته هوج الرياح إلى كل جهة من جهات مملكته القصيّة الوسيعة!
القدس،في 12 كانون الثاني سنة 1935
العودة إلى داهش المُؤَدِّبُ الإلهيّ
يوم الإنتقام
يا يوم (الإنتقام) الرهيب!
متى تأزف ساعتك الرهيبة العادلة؟
متى،يا صديقي، وخلّي الوفيّ،
ستقصّ لي من الخونة اللئام،والسفلة الطغام؟
متى، يا فارسي الوحيد، وكوكبي الهائم في مسارح الفضاء،
تنقضّ بصواعقك المنجلية الجبارة على رؤوس أعدائي؟
متى، يا سيفي العادل،
تحتزّ هام من غدروا بي، وخفروا ذمتي،
وأنا من كونتهم وخلقتهم خلقاً جديداً؟!
متى،يا سيف الإنتقام،
تهتزّ أمام أعين الجبناء المرائين الذين لم يصمدوا أمامي،
فأخذوا يطعنونني من الوراء؟!
متى يا إله الهول،
تدك ما ظنوه معاقل أمينة،
وتقوّض ما توهّموه ملاجئ حصينة؟!
متى،يا حبيبي،
تدني منّي تلك(الساعة) التي يبدأ منها (عهد مجدي) وهنائي؟
متى،يا من أتغنّى باسمك العذب،
ستلقي بدروسك القاسية على (ضفادع) الحياة،
و(جرذان) السراديب؟
متى، يا معولي القاسي،
ستبدأ في عملية النسف والتدمير؟
وهل (عهد) هذا ما يزال بعيداً؟
متى،يا شمسي المشرقة،
تبلّغني ما صرت أصبو إليه وأحنو عليه؟
متى، يا قيثارتي الممتعة،
أنظر ما سيحلّ بأعدائي من أهوال جسام؟
متى،يا أنشودتي الخالدة،
سأتغنى بنشيد الفوز المبين؟
متى،يا عندليبي الهازج،
تسمعني أغرودة (المنتصر الطروب)؟
متى،يا نبيّي،
تقرأ لي فصلاً من مزامير النبي داود؟
متى ،يا سيدي،
ستعفّي آخر أثر من آثار أولئك الأجلاف الجامدين؟
متى، يا سيد رغباتي،
تقودني بيدك العظيمة إلى حيث أشلاء أعدائي؟
متى، يا سيدي الجبار،
أنظر كواسر البراري،والوحوش الضواري
تعيث في أجسادهم، وتعبث بجيفهم؟
متى،يا إله الهول،
تريني نسور الجو وعقبان السماء
وهي تمزق جثث مبغضيّ؟
متى،يا أيّها الطاغية العظيم،
تدعني أسكر بتلك الكأس التي أصبحت لا تحيا إلا لها،
ولا أموت إلا في سبيلها ؟
آه! وأخبرهم يا يوم(الإنتقام)،
بأنهم لن يستطيعوا الإفلات من يديّ (الجبارتين)،
إذ سأسحقهم سحقاً،وأمقهم محقاً!
واصدقهم،يا يوم الإنتقام،بأنني ساعتذاك،
سأنكّل بهم تنكيلاً،وأمثّل بهم تمثيلاً!
وأعلمهم بأنني لن أنسى ما صنعوه معي من شرور وآثام
تهتزّ لها روحي المتألمة،كلما ذكرت أمامي،أو مثلت لمخيلتي
وأنبئهم أنني أنا هو من يطلقون عليه اسم:
الهول،الرهبة، الخوف، العب،
الجزع،الجبروت، الإنتقام…
ثم الإقتصاص منهم.
وبلّغهم،يا يوم الإنتقام،أنهم لو تعلقوا بالسحاب،
لما استطاعوا مني نجاة،
وأنني لن أدعهم في قيد الحياة.
وشلّت يميني،أيها الأوغاد الأنذال،
إن لم تنفّذ أرهب انتقام عرفته البشرية بكم!
والويل،ثم الويل لكم!
واعلموا أن من غدرتم به سيفتك بكم.
ومن له (اليد البيضاء) على (أرواحكم) القذرة،
سيعود فينتزعها انتزاعاً ويجتثها اجتثاثاً.
إي، أها الأوغاد اللئام!
يا ليتكم لم تشهدوا نور هذه الحياة،
بل ليت (الأقدار) لم تصل أسبابكم بأسبابي،وعذابكم بعذابي!
وآه! كم سيكزن انتقامي شديداً رهيباً!
وغداً ،غداً، سيتمّ ما ذكرت.
فاستغفروا الله،قبل انقضاء حياتكم التافهة الحقيرة.
سوق الغرب (لبنان) 5 آب 1936
العودة إلى داهش المُؤَدِّبُ الإلهيّ
تخيلات ستحققها الأيام
من يكون هذا ( الشاب) الراقص على قمم الجبال باصطخاب وجنون؟!
من يكون هذا (الفتى) الشاحب الوجنتين،وذو العينين البراقتين؟!
من يكون هذا (الغريب) الذي خطّت يد الشقاء آلامها على (جبينه)
بأحرف نارية لا تمحوها الأجيال؟!
من يكون هذا (البائس) القلب، المحطّم النفس،
المقوّض الآمال،القلق التصورات؟!
من هو هذا (الضعيف) بآلامه، المهدم بآماله،
الهائم بتصوراته،التائه بمقدراته؟!
من يكون هذا الرجل (العجيب) ذو(الشخصيات) العجيبة؟!
من يكون هذا الفائز (المنتصر)
الذي أنالته الأسام كل ما يصبو إليه؟!
من يكون هذا المنتقم (الجبار)
الذي خرّ أعداؤه أمامه بضعف وجبن جنونيين؟!
من يكون هذا (المقوّض)
لكل ما بناه له أعداؤه من زراية وانتقام؟!
فأرادهم صرعى غير مأسوف عليهم؟!
من يكون هذا (الرهيب) الذي أدّب
(حشرات) هذا العالم و (هوامّه)؟!
من يكون هذا (الطاغية) الذي ظنّ حساده أنهم سينالون منه منالاً،
فإذا هم مقوّضو الآمال،مهدمو التصورات؟!
من يكون هذا (الهائل) الذي ترك أعداءه يرتجفون بين يديه
كما ترتجف القصبة أمام الرياح الهوجاء؟!
من يكون هذا (الطائف) في ظلام الليل،
والهامس مع أشباح الظلام بسّره العميق؟!
إنه هائل،مخيف،جبار، رهيب، قويّ،مقتدر…
ذو (قوة) تجتاح كل شيء!
إنه عاصفة هوجاء،وداهية دهياء، ورهبة هائلة،وهول رهيب!
إنه خوف لا يزول،وقوة باطشة لا تحول!
إنه النتقم الجبار،والمتحكم القهّار!
إنه؟!…
سوق الغرب،في 7 آب 1936
العودة إلى داهش المُؤَدِّبُ الإلهيّ
المنبوذ
من ضفة الأبدية التي تفصل عالمنا عن عالمكم،
نرسل إليك بهذه الكلمات لترشدك،
إن كان لا يزال هناك فائدة من تكرار الإرشاد،
بعد أن حدثت أعجوبة الدهر،
فهبطت عليك نعمة النور المقدس،
وغمرتك بلهيبك المطهّر!..
ويلك أيها الخاطئ الإعمى!…والشرير الساقط!..
أبعد تلك التضحية التي لا تعوّض إلا بعد آلاف السنين،بآلام لا تفهم أنواع عذابهم العميق…
تضحيته نفسه لأجل آثامك وشرورك
التي ما زلت تأتيها إلى الآن يا أشقى خلق الله!…
ويلك!…
أتنصاع لإرشاد روح الشر الساقطة الكامنة في داخلك؟
أتدعها تغلبك على أمرك،
بعد أن كشفت لك الحقيقة الناصعة؟
وماذا كان ينتظر أن تقوم به، بعد إصلاحك أيها الجاحد،
غير رجوعك إلى حظيرة الأبالسة
التي تنتظر انتهاء أجلك بفارغ الصبر!
ليكن جزاؤك مضاعفاً مئات المرات
عمن هم في الدرجة التي ستحلّ بها على الرحب والسعة!
إذ تكون المحاسبة على قدر المعرفة!..
ومعرفتك تفوق معرفة الآخرين!…
ليت أمك لم تحمل بك!..
وليت عينيك لم تفتحا للنور!…
فهذا كان أفضل لك وأسعد!
ولكنها إرادتك،وهي التي احبت لك هذا!..
ومعرفتك دفعتك لخوض هذا العباب!
فيا لهول العذاب!…
إنه ينتظرك!…
إنك تعلم بأن أعمالك التي تأتيها تطيل مدة رقيّك الروحي، وتزيده عذاباً على عذاب،وآلاماً على آلام، ومحناً جساماً لا تستطيع إيفاءها حقها أقدر الأقلام!…
ولكنه ثابت الجنان،
يراقب حوادث الزمان،
قبل عودته إلى الجنان.
فالويل ثم الويل لك!
يا مدنس اسم سليمان!…
إن سقر تتلهف شوقاً إليك،
فاضرع إلى الله أن يقبل إرجاعك
إلى الحظيرة المقدسة قبل فوات الأوان!
وقبل أن تعضّ البنان!…
فتعيش،إن قبلت،ماحييت باطمئنان!…
***
“يا أورشليم! يا أورشليم!….
يا قاتلة الأنبياء! وراجمة المرسلين!…
كم من مرة أردت أن أجمعك إليّ
كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها!
فلم تقبلي!…
والآن!…
أحصدي ما زرعته بمحض اختيارك!…”
***
تذكر أيها المنبوذ هذه الحكمة الفلسفية الإلهية
التي نطق بها السيد المسيح،قبل ألفي سنة،
للذين يدينون بتعاليمه،
ومن ثم انقلبوا عليها!…
وها هم الآن يكفرون به،
وستمرّ آلاف السنين حتى يتطهّروا،
إن قدر لهم هذا التطهر!…
فلتسحق الندامة كبدك!
وليتغلب الحزن المرير على نفسك!…
ولتنح روحك ندماً على ما جنيته أيها المسكين!
لأن اللعنة ترفرف فوق رأسك،
تريد الإستقرار لتحل عليك إلى الأبد!…
ولكن قوة غير منظورة تردعها،
لعلك ترجع!…
وإلا،
فتترك لها الحرية،
لتهوي كما شاءت إرادتك،
فتغمرك بويلاتها الجسام!
وعند ذاك،
لا رجاء لك ولا آمال!…
إذ يكون كل شيء قد انتهى عهده!
فأسرع!
قبل الفوات!
إذ لا أمل لك بالرجوع،
بعد نبذك الأبدي!
القدس،1933
العودة إلى داهش المُؤَدِّبُ الإلهيّ
حلم غريب
تعبت البارحة
من عناء الأعمال المرهقة التي قمت بها،
فتوسدت فراشي.
وإذا بسلطان الكرى يتغلّب عليّ،
ويستولي على كياني فسلمته عناني.
وسبحت في عالم الهيولى والأثير!
فرأيت نفسي أنني في القرن الخامس عشر!
وفجأة رأيت شخصاً
وقد احمرّت منه العينان،واصفرّت الوجنتان،
وتوترت منه الأعصاب،وخفق منه الفؤاد!
فصال وجال…
ثم نظر أمامه إلى آلاف الخلائق
التي كانت متراصة فوق بعضها!
تنظر إليه بلهفة بالغة،
وتكاد تلتهمه بأعينها المحدقة فيه!
فاستغربت الأمر،
وسألت أحدهم عن هذا الشخص الغريب!
فقال:
-ويح لك! ألا تعرف ديموقليس الخطيب الشهير
الذي ملأ صيته الآفاق؟!
و يظهر أنه انتبه إلى أني رجل غريب،
للهجتي المتباينة عنهم، وللباسي الغريب…
فاعتذر وقال لي:
“إنك الآن في مدينة سبارطة،
واعلم بأنك سترى العجب الآن،
للدرر التي سيلقيها خطيبنا،
إذ إنه خطيب العالم أجمع-ديمقليس!-
وسيحمل حملة شعواء على المظالم التي تجريها الحكومات
على بعض أفراد الجماهير المساكين!
وإن الحكومة تخاف خطبه
كما تخاف الموت الزؤام…”
فالتفت حيث وقف هذا الرجل الغريب!
فرأيت أنه قد اضطرب…وكأنه شعلة متأججة!
وبعد أن هدأت أعصابه قليلاً ازدرد لعابه…
ثم خطب في الحاضرين
الذين كانوا يملأون السهل الفسيح…
وبصوت جهوريّ قال:
“إن لبعض الأشخاص نفوساً لئيمة،
وأخلاقاً وضيعة منحطة،
يشمئز منها أحقر مخلوق!
ويفرّ منها- حتى الطبقات الدنيا-
فرار السليم من الأجرب!
ومما يؤسف له أشد الأسف
أن لهؤلاء الأشخاص الذين لا أخلاق لهم
-وكأنهم نشأوا في الشارع!
ورضعوا علومهم في الأزقة!-
مناصب رفيعة يتبججون بأنهم وصلوا إليها،
لرفعة شأنهم،وغزارة علمهم،
وعريق حسبهم ونسبهم!…
على أن الحقيقة الناصعة
تظهر إفك كلامهم،وكذب ادعائهم…
وبطلان افترائهم!…
لأعمالهم الشريرة القبيحة…التي يرتكبونها!
والحقيقة هي أن الصدفة
هي التي ساقتهم إلى أن يتسنموا ذرى مناصبهم،
والاحكام البشرية الغير العادلة
هي التي ساعدتهم على الوصول إليها!
إن أعمال الوضيعة يأنف من الإتيان بها
حتى وحوش البر وكواسر العراء!
نعم أقول هذا بلهجة الجازم الواثق،
ولا أتراجع عنه،
خصوصاً وقد جرت الحادثة”!!…
وهنا التفت إليّ وقال:
“إنني أطلب منك أيها الغريب
أن تدون خطبتي
لتبقى خالدة في بطون الكتب،
تشهد على تلك النذالة البالغة حدها الأقصى”!
ثم عاد إلى الكلام،فقال:
“نعم!…إن الحادثة التي سأقصها عليكم،
تبرهن أنه لا يزال بين البشر أشخاص
قد انحطت أخلاقهم
إلى الحد الذي به يتسترون وراء مناصب
لا أدري كيف تجيز لهم حكوماتهم أن يتقلدوها،
وهم على ما هم عليه من ضيعة الكرامة،
وضعة الأخلاق!…
لأنهم يرتكبون من الفظائع أبشعها!…
مما تقشعرّ من هوله الأبدان،
وتنفر من رؤيته العيون،
وتتأذى من سماعه الآذان!
إن ما حلّ بأحد أصدقائي
-على يد أحد هؤلاء اللابشريين-
لهو الظلم الصارخ الصريح..
الذي لا يحتاج إلى برهان،
إذ إن براهينه لاصقه به ظاهرة كالشمس النيّرة…
جلية،واضحة لا يعتروها لبس ولا غموض.
أما حادث هذا الظلم الشديد الذي سأقصه عليكم،
فقد أثّر على مستقبل صديقي،
وأضرّ به ضرراً بالغاً،
حتى كاد ينهار صرح عائلته لولا لطف الله!
وكلأته الصمدانية بعينها التي ترقب من وراء الأفلاك
كل ما يجري على مسرح هذا الكون الدنيء
من كل صغيرة وكبيرة!
وإنني أعجب كيف أن الحكومات
لا تتبصر بهذا الأمر الجلل الخطير الشأن!
إذريجب عليها
-قبل أن ترسل قناصلها وممثليها السياسيين-
أن تكون متأكدة من أخلاقهم العالية وصدقهم الوطيد…
وخصوصاً أنهم ممثلو الحكومة،والأمة،
وأن ما يأتيه بعض الحشرات السامة منهم
من أمور فاضحة
لمما يدل دلالة صريحة على أخلاق أمتهم…
وحكومتهم…
فإن كان (الممثل) حسناً
تكون امته وحكومته كذلك.
وإن كان على نقيض ذلك،يحكم الجمهور عليها أيضاً بنقيض ذلك.
لأن المفروض في الممثلين السياسيين،
أن يكونوا الطبقة الرفيعة
في علومهم،وأخلاقهم وآدابها واجتماعياتها.
لذا يكون الحكم بالغاً أقصى شدته
إن كانت أخلاقه وضيعة…
ثم…
فلتعلم الحكومة الرشيدة أن ممثلها السياسيين
عندما ينفذون غاياتهم الشخصية،
ويرسلون التقارير الكاذبة عن أي شخص كان،
وتأخذ هي بأقوال قنصلها الغير الصادق في ما يقول،
وتمنع الشخص الذي سوّلت
غاية ممثلها الشريف النسائية له ذلك،
ولم تحقق في مسألة ذلك (الشخص)
بعد أن استحصل على أوراق (حكومية)تثبت لها عكس ما قاله قنصلها…
وتفنّد أقواله،وادعاءاته بنداً بنداً…
نعم،لتعلم الحكومة
إن في هذا التعنت هضماً لحقوق الأفراد وسحقهم.
إنه من السخف،والهراء والسخرية اللاذعة
أن تتواطأ الحكومة القوية وتتألب
على رجل فرد أعزل كي تضطهده!
ألا ينظر بعد ذلك هذا (الشخص)
الذي قامت حكومة تحاربه،لا لشيء!
اللهم إلا أنه ضعيف لا حول له ولا طول؟!…
كلا!…إنه ليس بالضعيف!
إنها هي الضعيفة!
يا للعار الأبدي!
أتنفيذاً لغاية أثيمة
يرجوها القنصل من امرأة تدفعه إلى ذلك
وتقيم معه بصفقة دائمة؟!..
ألا تزرع بذور النقمة
في نفسية ذلك المهضوم الحقوق؟
ألا يسخط هذا الرجل البائس،بعد ذلك،
على المجتمع الإنساني؟
ألا يثور
ويمقت كل طبقة متسلمة مقاليد الامور،
تنقاد انقياد الأعمى الذي لا يبصر ما أمامه…
إلى أقوال قنصلها، بتحيّز ظاهر،
وإن كانت كاذبة؟؟
وثقوا أنه لو لم يأخذ صديقي تقارير(حكومية)
تنفي ما جاء في تقارير القنصل
الذي أقسم يمين الولاء أمام مليكه
باستعمال منصبه بكل صدق(وهو كاذب!)،
لما اهتممت لهذا،
ولما خطبت فيكم أيها المجتمعون حرفاً واحداً
أنتقد فيه أعمال الحكومة بشدة!
وسأبقى على ذلك-بغير تردد ولا هوادة-كلما سنحت لي الفرصة!
نعم! إن الحكومة بأعمالها هذه
التي تجريها عنوة واقتداراً
تزرع بذور النقمة في النفوس وتدعها تتأصل فيها!
ولا قوة بعد ذلك تستطيع أن تقتلعها وتلاشيها!
بعدما تينع،وتترعرع!!…
ثم…ثم…يا للسخف!…إنها بعد ذلك،
تحاربها بكل قواها!
وتنفق على محاربتها مئات العشرات،
بل آلاف المئات من الجنيهات!
ولكن دون جدوى!
كفاك! أيتها الحكومة العابثة!…
أو…أجري العدل،وضعيه في نصابه!
وأرسلي قناصلك-وهم نوابك ورسلك-ممن:
تربوا التربية العالية،وتثقفوا بالثقافة الرفيعة!
تخيّريهم ممن يعشقون الشرف والامانة،
ويكرهون الكذب والخيانة!…
إنني سأشن الغارة على الغبن الذي حل بصديقي!…
وذلك بخطبي الصريحة،
كي يدونها من يريد،
لتبقى سجلاً تقرأه الأجيال القادمة،
وتطلع على (العدل)
الذي كانت تجريه هذه الحكومة الظالمة!
وأقسم،
بأنه لن يستريح لي ضميري
ما لم يرجع لكل ذي حق حقه!
وعند ذلك،
عند ذلك فقط،
يطمئن خاطري!
وتهدأ هذه الشعلة التي ما زالت متأججة بين جوانحي…
وستبقى هكذا،
إلى أن يعود سيف العدل إلى نصابه.
أيها الحاضرون!
ثلاثة أعوام طويلة انصرمت!
وصديقي يحصي منها الأيام،
بل الساعات بل الدقائق بل الثواني!
وأنا أؤكد ذلك،وأجزم به،
علّ فجر يوم خلاصه يبزغ…
ثم إنه قد توسطت لصديقي(شخصيات عظيمة)
تكفي(كلمة)من أحداها
أن تجعل تلك المدينة الممنوع عن دخولها…
أن تهرع وتفتح له مصراعي بابها الموصد
على الرحب والسعة!!
ولكن تعنّت القنصل،وتشبث حكومته بأقواله الكاذبة،
منعا صديقي من الدخول،
رغماً عن توسّط(الشخصيات العظيمة)
دون أن يلبى طلبها الذي هو من البساطة بمكان.
وهل تعرفون لماذا؟
اسمعوا اسمعوا،
ثم تأسفوا معي على أخلاق من يحمل لقب (قنصل)
نعم،تأسفوا معي لقنصل غير(صادق)!
هي الحقيقة:إنه (كاذب)!…
هذا الشخص المشبع بالكذب والدناءة،
أحب امرأة ساقطة،وضيعة الأصل!
حتى غرق وغرق في هواها!
ولسوء الحظ! كانت تلك المرأة الجهنمية
تعرف صديقي المغموط الحقوق،
قبل تعرفها بمن يحمل لقب(قنصل)!!…
ومن هنا تبتدئ وقائع هذه الرواية
التي تعد أغرب من الخيال!…
إذ إن صديقي كان في مدينة القنصل!
وقد أوعزت إليه (المرأة) الطليقة
أن يستعمل نفوذه القنصلي
تجاه حكومته
كي يخرجوا هذا (الشخص)
الذي تحب أن تشاهد (الموت) وجهاً لوجه، ولا تراه!
وقد انقاد القنصل الضعيف النفس إلى آرائها!…
مع أن الأجدر به كان ألا ينقاد…
وأن يستعمل سلطة وظيفته بأمانة…
فأرسل التقارير الضافية الكاذبة
إلى المراجع المسؤولة وفي وزارة الداخلية!
ولما كانت الحكومة تعتمد على أقوال (معتمدها)
وهذا مما لا نؤاخذها عليه-
فقد صدقت كل ما جاء في هذه التقارير،
ونفذت ما ورد فيها بالحرف الواحد!
ولكن ما نؤاخذها عليه،حقاً،
أنه كان الأجدر بها
-وهي المحافظة على العدالة والحق-
أن تدقق،وتحقق في دراسة(الأوراق)
التي استحصل عليها(صديقي) من رجال الامن العام!
وبعد اطلاعها عليها
يتبين لها إفك(القنصل) وأكاذيبه،
فترجع الحق إلى نصابه!
وهذا ما لم تقم به،رغم تبينها الحقيقة!
حتى مدير الأمن العام
لم يكلف نفسه مشقة الإهتمام بهذا الأمر!
في حين انه هو المسؤول عن ذلك!
فضلاً عن انه اطلع على هذه المسألة،
ورجا منه بعض شخصيات من رجال السياسة
أن يعيد(الحق)إلى نصابه،
فلم يقبل…
لأنه…صديق القنصل!
ولكن…
يا لسخرية الأقدار من شخصيات ضعيفة النفوس!
ويا للقدر الجبار الذي لا يرحم!
فإنني أؤكد لكم أيها المستمعون الأعزاء!
أن مدير الامن العام أخرج من منصبه!
ولا أدري ما هي الصناعة التي يقوم بها الآن!
فقد انتقم القدر منه،
ومن أصحاب السلطة الذين يمتون إليه بصلة القرابة!
فلا أرجعهم الله!
ولا أعاد لنا أيامهم السوداء الدامسة!
وستبقى تلك الأعمال البربرية التي قاموا بها
وصمة في جبين الأبد
لا تستطيع محوها العصور والأجيال الآتية!
ويتناقلها الخلف عن السلف!…
والآن!
يا من بيدكم مقاليد الأمور!
إن الشعب اختاركم
لتحكموا بينه بالعدل أحكاماً عادلة،
لا أن تكونوا جلاديه!
أو…تجروا عليه أحكام نيرون الطاغية الذي فقتموه في الظلم والعدوان!
أيها البرابرة القساة!
ألقوا نظرة على العصور الغابرة
تروا في تاريخ كل امة طغت وبغت،
إلى أي مصير كانت أيامها الاخيرة،
وكيف كانت نهايتها الأليمة!…
…أنظروا إلى الهوّة التي ابتلعت كل حكومة جبارة…
كانت تحكم كما كان يوحي إليها ضميرها(الهوائي)!…
أنظروا إلى التاريخ القريب،
لا،بل إلى (الثروة الفرنسية)
التي التهمت الاخضر واليابس،
واجتاحت امامهم كل معترض لإراتها!…
أخبروني!
أين هو (الباستيل)؟!
رمز الجبروت و القوة الغاشمة؟!
لقد عفا أثره،
وأصبح أقصوصة الأيام الآتية!
إذ كل ما تعدى أقصى حده
يأتيه يوم ينقلب فيه إلى ضده!
إسمعي(نبوءتي)أيتها الحكومة:
“سوف يأتي(يوم)تنقلبين فيه شر مُلَب،
وتكونين عبرة لكل معتبر!
إنك غير عادلة في أحكامك،
إنك قاسية القلب،فظة الطبع،جافية الضمير!…
تحكّمين عاطفتك على عقلك،
لا عقلك على عاطفتك!…
لقد حكمت ظلماً على صديقي…
ومن يحكم بالظلم على فرد من أبناء الشعب،
لا يتورّع عن ظلم باقي الإفراد أيضاً!…
سيأتي يوم تكون فيه مقاليد الأمور…في أيدينا،
وعندها سنكيل لك يالكيل الذي سبق وكِلت لنا به!…
وسنحاسب كل فرد منك أتى الظلم…بما يستحق!
إذا كنت جبارة حقاً-كما تدعين-
فاخلصي من نير الأجنبيّ
الذي ما زلت ترسفين في قيوده،
منذ مئات السنين!
إنه يطوق عنقك بالعار،
نازعاً عن رأسك إكليل الغار!…
فيا للذلّ!بل،يا للشنّار!…
بمحاربتك فرد أعزل من كل سلاح!
تظنينها رجولة!
وتتبخترين بعد ذلك…بسطوتك،ومقدرتك!…
أحجبي وجهك عاراً وخجلاً،
يا من تدعين العظمة المزيفة!
إذ إنك…أمام أبسط أميّ أجنبيّ،
تقفين مكتوفة الأيدي مقفلة الفم جاحظة العينين…
لا تستطيعين رفع سبابة يدك.أمام وجهه القويّ!…
كفاك تعنتاً!…
وكفاك إرهاقاً وظلماً لأبناء جلدتك!…
إذ إن الحكومات الأجنبية تنظر من وراء الستار،
إلى كل ما تقومين به من صغيرة و كبيرة!…
وتزن بميزان حكمتها وتروّيها
ما تقومين به من أعمال سخيفة طائشة!
فتعود
-بعد هذا الجهل الفاضح والغرور المزيّف
من رجالك المسؤولين-
وتقول بنفسها:
“ما دام رجالها المتعلمون المثقّفون يقومون بهذه الصغائر،
إذن…لم لا نبقي نيرنا في عنقها
إلى ما شاء الله؟!…
أيتها الحكومة
(إسمعي نبوءتي)الصّادقة:
” إنّ الظلم والإرهاق الذين تزرعينهما اليوم،
ستحصدينهما غداً : ثورةً وانقلاباً …
وفي امبراطوريّة روسيّا المسكينة، لكِ خير شاهد.
إذ إنّ ( الأشراف) الروسيين،
عندما طغوا وتجبّروا،
حتى انّهم كانوا يأنفون من ردّ تحيّة الزرّاع والصنّاع الذين هم من أفراد الشعب،وكأنّهم من غير طينتهم!-
وبعدما بلغت الكأس الثمالة،
ولم يعد في قوس الصبر منزع،
دبّت روح العصيان في الملايين…
واجتاحت في طريقها كلُّ معترضٍ لها،
وقوّضت أركان تلك الأمبروطوريّة العظيمة الشأن!
وستبقى أبد الدهر، دون أن تقوم لها قائمة!!…
نعم،
إنّ هذا الأمر الجلل،
ما كان ليحدث،
لولا الظلم والإرهاق الذان كان أكثر المسؤولين
يذيقونهما في كلّ يوم أولئك الأفراد المساكين!…
وكانت أموالهم، وقصورهم، وخيولهم، ومركباتهم،
وما هم فيه من نعيم ولذاذات…
من أتعاب الضعفاء، وشقاء المساكين،
وأعمال أيديهم، وكدحهم، وكدّهم المتواصل!…
نعم!
لولا الظلم والإرهاق لما حاق بروسيّا ما حاق!…
ولبقيت في قمّة عزّها وعظمتها، وسؤددها وجبروتها!…
وأنت اليوم،
تمثّلين الدور الذي سبق ومثّله حكّام روسيّا وطغاتها!
وإنْ بقيتِ على إرهاقك هذا ،
فسيحلُّ بك ما حلَّ بها …
والعياذ باللّه من ذلك ( اليوم ) العصيب!…
أيّتها الحكومة!
لا تنسِ أيضاً :
أنّ نير الأجنبيّ لم يرفع عن عنقكِ
في طوال تاريخك المعروف حتى يومك هذا!
وإنّه لعدلٌ وحقّ
هذه الأغلال التي ما زالت تقيّدك!
وإنّ رسوفك فيه لهو العدل بعينه!
إذ لو كنت طليقة،
ماذا كنت تقومين به ، ساعتذاك،
من أمور فظيعة وضيعة!؟…
إنّه رغماً عن شلِّ حركتك في الأصفاد التي تقيّدك…
وتمنعك من الإنعتاق،
رغماً عن كلِّ هذا ،
تجرين من الفظائع …
ما يشيب له ولدان الأجيال القادمة،
فضلاً عن الحاليّة!
فكيف بك لو تحكمين نفسك بنفسك؟!
وهذا منك بعيد المنال،
وحلم ذهبيّ …
لن تحقّقه لك الأيّام !…
أيّتها الحكومة،
أصغي، وعي ما أقوله:
ستدور بك الأيّام دورتها!
وسترين – بعد ذلك – إلى أيّ مُنْقَلَبٍ تنقلبين!…
وستجتاحك أعاصير ظلمك الفاحش!
فتذريك … في أربع جهات المعمور!…
فتتلاشين!…
وعلى أشلائك المتناثرة:
سيرقص كلُّ مظلوم!!
وسيلعنون حتى ذكرك إلى الأبد!…
ستعولين يوم ذاك… كالنساء الثكالى!
ولكن… لن يرحمك أحد!…
وهل رحمتِ أنتِ المظلومين!؟ كي ترحمي!؟…
أيّتها الحكومة الغاشمة… الصخريّة القلب!
يا من … لا تحوين عاطفة الرحمة!…
اعلمي:
أنَّ في السماء عيناً تراقب كلّ ما تأتين من مظالم ( محاكم التفتيش )البائدة
في القرون الوسطى!!!
ولكن…
سيأتي يوم
يُنْزل فيه – الجبّار – عليك نيرانه وأهواله…
فتصعقين!…
إذ إنّه وهو ( الجبّار ) العادل المنتقم للضعفاء ولمهضومي الحقوق –
ينظر من عليائه ما يحيق بهم من مظالم،
ويكلأهم بعينه ويحفظهم من الطغاة البغاة،
وسيعلم الظالمون أيّ مُنْقًلبٌ ينقلبون!…”
وهنا…
خرج الزبد من شدقي الخطيب…
وتوتّرت أعصابه إلى الدرجة القصوى!
وتغيّرت سحنته إلى شكل مخيف!
وبدت عليه… دلائل الجنون المطبق!
حتى بات منظره يلقي الرعب
في أقصى الأفئدة الجبّارة!
ثمّ ألقى على الحاضرين نظرة، وقال:
” أيّتها الجماهير المتراصّة المصغية إلى خطبتي،
إنّ صديقي حاول – كما أسلفت القول – محاولات الجبابرة
كي يدخل ثانيةً… إلى تلك ( المدينة ) !
فلم يفلح مطلقاً!
رغم تلك التقارير التي استحصل عليها ، والتي تكذّب تقارير ( القنصل) المنقاد لرأي ( المرأة)
والتي لا تزال تقيم معه…
والآن ،
إنّني باسم الشعب!
أقول لك أيّتها الحكومة !
يا من تتبجّحين بقوّتك، وسطوتكِ، وعدلك، واحكامك!
وأنتِ أعجز من أن تستطيعي
إخراج أحقر مجرم أجنبيّ …
أصدقيني القول أيّتها الجبّارة…
أيّتها الحاكمة بأمرها…
هل تستطيع قوّاتك بأكملها
أن تأتي بهذا ( الأمر) البسيط؟!
كلاّ!
لا أظنُّ هذا بالإمكان!
إذاً،
طاردي المجرمين،
إضطهدي القتلة والسارقين،
أظهري مقدرتكِ على الفوضويين،
طهّري بلادكِ من شرذمة الفجّار والفاسقين،
ثمّ!… أبعدي قناصلك الأدنياء النفوس…
المتّخذين كراسي مناصبهم… لقضاء مآربهم!…
أمّا مطاردتك الآمنين الوادعين الصادقين!…
وأخذك بأقوال ( ممثّليك) السياسيين بعين الإهتمام والإعتبار،
رغم تأكّدك،
بعد الإستحصال على شهادات ( رسميّ’ ) تفنّد أقوالهم…
وتظهر غاياتهم النسائيّة… الوضيعة!
وإبقاؤك إيّاهم في مناصبهم يرتعون!…
ويرتكبون – عن طريقها – أحطّ الجرائم،
وأنكر المآثم والمحارم!
فبعملك هذا! تظهرين عجزك،
وتوتّرين النفوس عليك!…
ولكلّ إمرئ في هذا الكون يوم يأتيه!
فها هي الملوك قد ثُلّت عروشها!
ودُكّت حصونها وفُلّت جيوشها!
وخارت عزائمها، وانهارت عظائمها!
وتقوّضت دعائمها، وتوارت معالمها!…
إلى هنا إستيقظْتُ من حلمي الرهيب الغريب !
لا ، بل من هذا الكابوس المخيف العجيب…
الذي استولى عليّ طوال الليل!…
فنهضّت…وحمدّت اللّه على أنّه ليس إلاّ ( حلماً)!!
ولكن!…
هلْ حقيقة… أنّ للأحلام مغزىً،
كما يقولون؟؟!…
القدس1933
العودة إلى داهش المُؤَدِّبُ الإلهيّ
جبروت
سأدك معتقدات هذا العالم السخيف الفاني
وسأهشم أديانه وأجعلها طعمة لعواصف الأقدار الهوجاء
وسأبني عالماً آخر لا يمتّ بصلة للمدنية المنقرضة العمياء
وسأنشئ ديناً واحداً يتبناه جميع أهل الأرض
ومن يخالف أوامري،ستهبي به شهوي،وعليه صواعقي ستنقض
وسأنفذ هذا بمفردي،وأعلنه عندما تأزف ساعة الإعلان
العودة إلى داهش المُؤَدِّبُ الإلهيّ
صعاليك
عجبت لأولئك الأذلاء الرعاديد الخاضعين
الخانعين أمام حثالات البشر ونفايات الدنيا
و زعانف المستنقعات،أولئك الوصوليين
الذين قادتهم الأقدار للجلوس على أرائك الأحكام
وهم مهازل الأيام. أما أنا ،فإنني أشمخ بأنفي على
أنوفهم المعفّرة،وقريباً سأدعهم يتذللون
أمام قدميّ وهم يطلبون منّي المغفرة لأنني لم أبعث
لأطيع بل لأطاع.
نعم لقد أرسلت كي أحكم سيفي في
رقاب أعدائي الأنذال،وسأنتقم منهم شر انتقام،
بلا هوادة ولا كلال،مما ستتحدث عنه الدنيا على
توالي الأيام و كرور الآجال.
المؤلف
العودة إلى داهش المُؤَدِّبُ الإلهيّ
إبتهال
إجعل فتاك ،يا إلهي، نسراً قوياً محلقاً في الفضاء قبل انتهاء الملحمة
ولا تدعه حملاً وادعاً ينهش الذئب الشرير جنانه وجثمانه
فالقويّ يسود هذا الكون ويبسط عليه سلطانه
ويتمتع بخيراته العديدة دون أن يردعه رادع
أما ذلك الضعيف المسكين الوادع
فيعتدى عليه،وهو لا يذكر للناس سوى المرحمة
العودة إلى داهش المُؤَدِّبُ الإلهيّ
غضبة مروعة
أيها (الفضاء) اللامتناهي! هبني نعمة التحليق في فضائك الشاسع!
ويا أيتها (السماء) الصافية!…لله ما أروعك برحابتك الإلهية!
وأنت أيتها (الكواكب) السابحة في محيطك المترامي…ما أعجب أسرارك!
وأنت أيها (البدر) التائه الحيران!…تخطّر في عالمك البهي، وانظر إلى صغائرنا!
وأنت (يا أثير)،يا معدن الرقة واللطف!…طوّف بين السدم الغريبة!
وجوبي أيتها (الأرواح)!…في صعود وهبوط،وتأملي في هذه الأسرار!
ولينظر(جميعكم) إلى عالمنا الوضيع لتروا شدّ ما هو زخّار بالنقائص!
ولتوغل (الملائكة) في الإبتعاد عن عالمنا السخيف لأنه بالإثم والجريمة غائص!
ولتبوّق(الأرواح) الطاهرة بأبواقها الأزلية منذرة بواسطتها أبناء الأرض!
وليفكّ عقال(إبليس) الطاغية…كي ينشر الهول والذعر في أرجاء المعمور!
ولتخرج(الأبالسة) من جهنمها لتذيق زنادقة البشر طعم الآلام المريرة!
ولتطلق الحرية (للثعابين) الفتاكة كي تؤدب كل ذي نسمة وحياة!
وليعمّ(الخوف) والهول والرعب كل أبناء آدم وبنات حواء!
ولتندلع (نيران) الهاوية…بأشد عنفها وجبروتها!
ولتدك شوامخ الجبال المشمخرة فتنهار!
ولتفض البحار والأوقيانوسات…وجميع الأنهار!
ولتغرب الشمس! وليطو الليل!…وليندثر النهار!
ولتذو المروج والغياض!…ولتفن الرياض والأرباض!
وليعمّ الخراب الشامل هذا الكون الملعون الفاسد،وليمحق!
لأن البشر خاضوا في أوقيانوس إثمهم الشنيع وإفكهم الفظيع!
فالآن!…لم يعد في قوس الصبر منزع!
بيروت مساء 21/ ك2 / 1943
العودة إلى داهش المُؤَدِّبُ الإلهيّ
المؤدّب
أمّا (المؤدب) فكان سوطه مجدولاً بأربعة عشر أفعواناً كل منها هائل الخلقة،بشع التكوين! وكان يسوق أمامه قطعاناً لا نهاية لها،من مختلف أجناس البشر و شتّى مللهم ونحلهم. و كان كل قطيع يسير مع فئته الخاصة:
فرجال الدين يسيرون أفواجاً أفواجاً؛
وهناك أرتال منهم كانوا يشبعون شهواتهم الأرضية الدنيئة،وبالرغم من منصبهم الديني العظيم؛
ومن بعد كنت ترى جماهير من (التجار) يسيرون معاً؛وغيرهم من الملوك بعضهم لا يزالون يعتمرون بالتيجان!
وآخرون قد نزعوا تلك التيجان وحطّموها تحت أقدامهم!
وعلى يمين المؤدب اجتكع عشرات الألوف من القادة والسياسيين الذين كانوا يوجّهون دفّة الأمور السياسية والإجتماعية. وكانوا بأكملهم ينظرون إلى وجهه،والذهول مرتسم بأتمّ معانيه في أعماق مآقيهم الشاخصة حيث يقف غيرهم وغيرهم من متخذي شتّى الصناعات.
ونطق سوط المؤدب بلعلعته الرهيبة! وفحّت أفاعيه وراحت تنفث نيرانها ودخانها فيمتزجان بالسمّ الزعاف وتمتزج في دمائهم المسودّة للألم والرهبة والقلق والذهول وشتى المتناقضات التي أخذ يعمل في نفوسهم الوجلة وأرواحهم القلقة الحائرة.
وراح المؤدب يسسأل رجال الدين:
-والآن انبئوني اليقين.
لماذا هزأتم بتعاليم سيدكم وتعاليم الكتب المنزلة التي كانت تهديكم إلى الصراط المستقيم؟
ولم اتبعتم شهوات قلوبكم؟
ورتعتم في جنانكم الأرضية،
وأنتم تعرفون إنّما أنتم تسيرون على الطريق المعوّج؟
ولم لم تزوروا البؤساء،وتعطفوا على الفقراء؟
ولم لم تزوروا السجناء،بل فضلتم عليهم الأغنياء الاغبياء؟
ولم لم تصوموا و تصلوا؟
بل خضتم في بحار جرائمكم الوضيعة ولم تكلّوا وتملّوا!
ولم اتخذتم شبكة الدين لاصطياد الوادعين الآمنين، وأنتم عارفون أنكم مخطئون في طريقكم هذا غير القويم!
وراح السوط يلعلع للمرة الثانية على أقفيتهم!…فهوت أفاعيه السوداء على لحومهم فنثرتها.
وعملت أسنانها السامة في أعضائها فقطعتها وهرأتها.
وإذا بالبكاء والعويل يرتفعان من الصدور فيشقان الفضاء!
وراح الصدى يتجاوز الآفاق،ويخترق أعمق الأنفاق!
وعاد المؤدب يقول:
أنتم سبب كل بلاء وانشقاق!
فخفضوا رؤوسهم وهم لا يجرؤون على رفعها إليه!
وركعوا بذل وخضوع عند نعليه،
علّهم بعملهم هذا يسترضونه بعد شدة تعنّته وكثرة تجافيه.ولكنه أشاح بوجهه الوضاء عنهم،
وخلفهم يندبون جرائمهم الفظيعة،وهم يقرون بها ويعترفون.
وانتقل المؤدب من فئة إلى فئة،وكل منها يعترف بما ارتكبه من آثام وما اجترحه من نقائص لا يمكن وصفها أو حصرها.وفي كل دورة،لكل فئة من الفئات،كان سوط المؤدب القويّ يقوم بتمثيل دوره على أتم شكل، وأكمل صورة.
وعندما زحف الليل برهبته، واحتل الكائنات،
وغمر البطاح بوشاح مدلهم قاتم،
وناحت بنات عرس،واختبأت الطيور في وكناتها،
وقف المؤدب ورفع رأسه إلى السماء بحزن وقال:-
أما الآن فأفن هذا العالم يا الله!
ولا تبقه لأن الشر قد غمر آفاقه كافة،ولم يعد يصلح لشيء!
ويا أيها العادل!…اغمر الأكوان بجحيمك المتأججة!
ودع نيرانها الطاغية تطغى على كل ذي حياة!
لأن الجميع أخطأوا والجميع لا يستحقون عفوك ورضاك.
واستطرد المؤدب قائلاً:
-نعم.دعهم يا الله يخلدون في أهوال من العذاب الساحق الماحق حتى تأمر إرادتك العادلة بخلق عالم آخر فتعيدهم إليه علّهم يرتدعون،
وإلى محجة الحق يعودون!
بيروت،بعد الظهر 15 شباط،1943
العودة إلى داهش المُؤَدِّبُ الإلهيّ
أرضكم هذه
(بلسان الملاك الرقيب)
أما أرضكم فحقيرة:
فرغباتكم دنيئة،
وتمنياتكم فيها زرية،
وكل من يدبّ عليها مجرم أفّاك وحقير سفّاك.
الغش يسري في منعطفاتها،
والطمع يتمشى في نفوس أبنائها،
والتدليس البغيض يعشش في أعماق قسسها،
وحب (المرأة) أصبح جزءاً لا يتجزأ منها،
والمال-ألا لعنة الله على هذا المعدن الخسيس-هو الذي يسيّر جميع شؤونها.
فلا (الملك) صاحب التاج والصولجان،
ولا (العالم) الجليل صاحب الرفعة والشان،
ولا(القائد) صاحب السطوة والسلطان،
ولا (العظيم) القدر أو الحقير من الإنسان،
ليس جميع هؤلاء سوى أفاع سامة،
وذئاب خاطفة،ووحوش باطشة!
لقد ذهبت الكرامة،
وتلاشت الفضيلة،
وامحى الصلاح من أرضكم،
فساد الشر والفساد،
وطغت النقيصة على أرجاء معمورتكم الزرية،
ولم يجد الصلاح بكم شيئاً!
لقد هبط الأنبياء إلى أرضكم
فقابلتموهم بالإعراض والزراية والإستهزاء،
فغادروكم غير مأسوف عليكم،
وخلّفوا لكم حقارتكم وشروركم،
وهي أكثر من أن يحصيها عد!
ودارت الأجيال دورتها،
فإذا بالأعوام تباد تحت سنابك أقدامها القوية،
وإذا بأفلاك قديمة تدول
فتظهر مكانها نجوم وعوالم جديدة غيرها،
وها هو (الملاك) يقف في أقصى السماوات،
وهو يبوّق،في بوقه، بقوة و جبروت،
قائلاً لكم،وهو ينظر إليكم بحزن بالغ:
يا أبناء الأرض!
توبوا واندموا على معاصيكم
لأن النهاية قد دنت!
جونيه 16 تموز 1943
العودة إلى داهش المُؤَدِّبُ الإلهيّ
انا نارٌ تهوي على اللؤماء
لست اخشى مواكــب الاعـــداء كيف يخشى الذّباب نسر الفضاء
صاعقات الزمان تعنو لأمــري و تنــــادي بهمّتـــي و مَضائــي
و بــروق الغمــــام لمع بريقــي ورعــود السماء صوت ندائـــي
انا نـور يهدي سبيــل صحابــي انا نار تهوي علـــى اللؤمـــــاء
انا حقّ, و الحــق دومـا امامــي و بنـو البُطل ِ هائجون ورائــي
حسدوني لؤما ً و كيدا ًفثــاروا و تواروا كالبـوم فــي الظلمـــاء
بهرتهم مواهبــي يــــوم شعّـّـت في سماء الاكوان كالكهربــــــاء
عجبوا من صلابتي و اقتـداري و كفاحي و عزمتــي و بــــــلاء
و نفضت الاكفان عني, ولاحـت ظاهراتي كالبرق فـي الليـــلاء
يا صغار النفوس لا تستشيطــوا بل فموتوا بغيظكم و هجائـــي…
كلمــا ( زدتــم) ذّلـــة وهوانـــاً زدت مجداً في صولتي و علائي
داهش
العودة إلى داهش المُؤَدِّبُ الإلهيّ
وداع عام 1944
اليوم يتم دولاب هذا العام دورته،
فتنطوي صحيفته من هذا الوجود الحائر،
بعد أن تذوّقت في خلاله من آيات الشقاء العظيم
ما أعترف بأنني عاجز عن وصفه وإظهار روعته.
لقد تكاتفت عليّ قوى الشر بأكملها تريد هلاكي،
وتضافرت سلطات الإثم والجبروت
تريد إهراق دمي والبطش بي،
وتآمرت شراذم المتظاهرين بالتقوى على اغتيالي،
وبذلت في سبيل هذا النفس والنفيس،
فقيّض الله لجميع هؤلاء الفشل الذريع،
وفزت بالحياة بإذن الله وإرادته،
وجريمتي الوحيدة هي أنني أدعو الجميع لنشدان الحقيقة،
والسير على الطريق العادلة، والتمسك بالفضيلة.
ولكنهم البشر!
والبشر هم هم في اتجاهاتهم ورغباتهم في كل زمان ومكان…
وخصوصاً الشراذم التي تدعي بحب المسيح كذباً وبهتاناً.
يا عام يا عام!
نعم، يا عام الفواجع والآلام،
والمحن الجسام والأسقام!
منذ أشرفت على عالمنا التاعس استقبلتك بوجوم،
فصدقت ظني بك، ورميتني بسهام البلايا وشظايا الهموم.
عاديتني،يا عام ورميتني بالعوادي،ثم سلّطت عليّ الأعادي.
فراح الوصوليّ النذل
يطعنني بخناجره الجارحة السامة طعنات قاتلة.
ولكن من الظهر،شأن الأوغاد الأدنياء.
وكانت شريكته بالجريمة تشجعه بالقضاء عليّ والإنتهاء من أمري.
وهكذا قضى من حياتك،أيها العام،نحو الثلثين،وأنا أتأرجح،بألم عميق،بين هذين الإثنين.
وما أشرف الشهر الأول من ثلثك الأخير…
حتى اندفعت قوات الشر من عقالها،
وانطلقت مردتها وشياطينها قوات غير منظورة تدأب على تعظيمي.
وحانت (الساعة المخيفة):ساعة (المحنة والإمتحان).
ويا لله مما لاقيته من ذلّ وإرهاق وآلام وامتهان!
فتجلدت على الكارثة التي دهمتني لتيقّني بأنها إرادته العلوية.
أنا أعدائي الأوباش فقد دأبوا يرمونني ببلية تتلوها بلية:
لقد سجنوني،وأهانوني،وجلدوني،وشتموني؛
ثم قذفوا بي بعيداً إلى الحدود.
فإذا بي وحيد فريد أليف الهمّ وسميري الوهم.
وشدهت من هول الصدمة،
وبتّ أسير البؤس والشقاء والغمّ والبلاء.
كنت أحاول النوم لأتناسى بعذ آلامي،
ولكنه كان يأبى النزول على إرادتي.
رفعت شكواي إلى الله،
وسكبت أمامه دماء قلبي عوضاً من دموعي عينيّ.
لقد أصبحت غريباً منبوذاً في بلاد غريبة نائية.
طلبت إليه أن يردني إليه…
ولكن إرادته شاءت لي غير ذلك.
ومن أرض منفاي البعيدة عن خلاّني وإخواني،
كان صدى ضحكات الأفعى المجرمة لعنها الله
يرنّ في أذنيّ رنين النواقيس،
بينما كنت مشرداً في صحراء هذا العالم البغيض التاعس.
نعم،كانت تقهقه كالسعالي وهي طروب لمصيري البائس.
وشدّ ما أطربها أنني كنت في منفاي ذلك المعنّى اليائس.
كنت أتخيّلها وهي تجرع كؤوس الراحة نخب أحزاني وأشجاني.
مما أثار كوامن نفسي الخفية وأشجاني.
ولم تكتف هي ومجرمها بما ذقته على أيديهما من الأمرين،
حتى راحا يضطهدان شقيقتي المحزونة الملتاعة الدامعة العين.
ولم يستنكفا من زجّها في أعماق السجون.
فسجّلا على نفسيهما العار والذلّ والشنار والهوان.
ليكن هذا. فاليوم هو لهم واأسفاه!
أما الغد فهو لنا بإذن الله.
وبعد أن تخطّيت صعوبات هائلة ومحناً رهيبة،
عرفت أن الله تعالى يريدني أن أمكث في هذه الدنيا،
كي تحدث بواسطتي أمور يريدها أن تتم على يدي
أنا عبده الضعيف.
فجثوت إذ ذاك خاشعاً،ورفعت إليه صلاة عميقة حارة؛
ثم انتظرت مصيري المكتوب لي منذ الأزل.
ومثلما ذكرت…لقد كانت هذه المحنة للإمتحان،
إذ بلغني هلع بعض المؤمنين وابتعاد بعض الإخوان.
وهنا تذكرت مثل السيد المسيح الخالد:
(خرج الزارع ليزرع)؛
فحزنت نفسي لضعف النفس البشرية وتفضيلها المادة،
هذه(المادة) الحقيرة الفانية…على الروح الأزلية الخالدة.
وهنا أسجل بفرح عظيم
أن أخي وشقيق روحي الدكتور خبصا
كان في طليعة الثابتين الراسخين…
إنه كالطود المشمخر يهزأ بالأعاصير التي تحاول تهديمه والنيل منه.
ويعبث بأرواح الشر التي عصفت بسواه،
فطوحت بهم إلى الحضيض وجعلتهم أثراً بعد عين،
فذهبوا غير مأسوف عليهم وإلى غير ما رجعة.
لهذا أنا أعتزّ به فهو سميري وأنيسي وجليسي،
في حياتي ومماتي!
كما أنني أذكر الأخت العزيزة (ماري حداد)،
هذه الأخت الشفافة الروح،
الرقيقة العاطفة،السامية الأخلاق، الرفيعة المبادئ.
فإنها عظيمة في عقيدتها،عظيمة في اتجاهها،عظيمة في تمنياتها.
ولا شك أنها ستظفر في النهاية بإكليل المجد الخالد؛
فهي تستحقه عن جدارة ولا ريب.
وثمّت بعض الإخوة والأخوات ممن لم أذكرهم بأسمائهم؛
وهذا لا يمنع أنهم قاموا بواجباتهم خير قيام؛
فمكافأتهم لا شك آتية إذ يحصد الإنسان ما زرعه؛
ومن يصبر إلى النهاية فذلك يخلص.
والآن!إنني أودعك أيها العام الذي رميتني منذ ولادتك بسهامك،
وأصميتني بنصالك ونبالك…
لأستقبل خلفك (الجديد)،وأنا شاهر بيدي سلاح الحقيقة،
لأسلطه عليه وعلى من سيدأبون على الدسّ والكيد والوقيعة.
أما الظفر فسيكتب لمن تختاره العناية الإلهية
ليكون سيف نقمتها،
إذ تبتر به أعناق الظالمين.
فليس من ظالم إلا ويبتليه الله بأظلم.
وداعاً أيها العام الراحل،وفي ذمّة الأحقاب.
بيروت الساعة 12 من ليل 31 كانون الأول 1944
العودة إلى لبنان وحصاد الاضطهاد
الويل للمجرمين من يوم الانتقام المروع
إذ سأبطشُ بهم بطشًا عنيفًا وأفترسهم افتراسًا مخيفًا
تهديد مزلزلٌ ومبيد
بلسان مارس إله الحرب
عندما تدقُّ ساعةُ الحساب الرهيبة،
سأدقُّ أعناقَ المدجرمين الوصوليين دقًّا هائلاً
وسأُمزقُ قلوبهم المفعمة بالجرائم تمزيقًا مُروعًا،
وسأمزجُ الصَّاب والغسلين المريرين الكريهين مذاقًا،
وأسكبهما في أفواههم التي لا تنطق إلا بالكذب الشائن والإفك المُبين.
وإنني أُقسِمُ، غير حانث، بأنني سأُنكل تنكيلاً مخيفًا
بكلِّ من تدخل في هذه الجريمة الوحشية المُنكرة المُستنكرة،
جريمة تجريد مؤسس الداهشية من جنسيته اللبنانية بالظلم والعدوان.
وسأُهرِقُ الدماءَ الغزيرة من عيونهم
الجاحظة هلعًا ورُعبًا من يوم الهول، عوضًا عن الجموع.
وستُخيم سُحُبُ الهموم،
وتتكاثف جيوشُ الغموم،
مُعسكرةً فوق ربوعهم الخرِبة، إذْ سيدمرها انتقامي الهائل تدميرًا عاصفًا.
إنَّ ساعة الانتقام لا شك زاحفة.
وستنقضُّ كالصاعقة المردمة فلا تُبقي ولا تذر.
نعم، إن ساعة الحساب تدنو،
ومن زرع جريمةً فسيحصد فناءً تامًّا،
وهذا عدلٌ وحقّ.
فيا ساعة (الانتقام) هيا أسرعي،
كي أُذيق المُجرمين ما يستحقونه من أفدح الآلام الصارخة،
مما سيُسجله القدر بأحرفه النارية،
فيخلد هذا الانتقامُ المخيف ما خلد الزمان،
وتُدوّن بطونُ التواريخ أنباءَ هذا (الانتقام) المرعب،
كعبرة خالدة على مر الدهور وكرِّ العصور.
وسيقرأها الوصوليون الأذلاءُ والظالمون للأبرياء،
فتهلع قلوبُهم، وترتجفُ ركبهم، وتصطك أسنانُهم،
من هول الانتقام العادل.
إيه يا يوم الانتقام الحبيب على فؤادي،
لأنتَ البلسمُ الشافي لأتعاب روحي القلقة
من طول الانتظار لذلك اليوم العصيب على أعدائه الرعاديد.
اسرع أسرع لأزلزلهم،
اسرع لأقوضهم، وأجعل عامرهم بلقعًا خرابًا، وقفرًا يبابًا،
وأصوَّحُ ديارهم، وأدكها دكًّا، وأُذُرها رَمادًا.
وستتم هذه النبوءة الرهيبة المخيفة الأحداث المقوضة
في عام 1975 والأعوام التي تلي هذا العام المزلزل.
إذْ ستندلعُ الحربُ اللبنانية،
فلا تبقي ولا تذر.
أول كانون الثاني 1948
العودة إلى لبنان وحصاد الاضطهاد
وأخيرا أسقط الطاغية وطرد المرتكب الباغية
هذه القنبلة المدمّرة ألقيت على ضريح زنبقة الرسالة ماجدا حدّاد حيث تثوي أيضا والدة مؤسّس الداهشيّة
يا روحي أمّي وماجدا العزيزتين عليّ !
هي بشرى أزفّها الى روحيكما ،
فاسمعاها من عالمكما الروحاني الطاهر :
لقد طرد الشعب ذلك المرتكب الجاني شرّ طردة ، وأهانه شرّ اهانة .
فهرول الضخم الجسم والصغير العقل
يتعثّر بأذيال الخيبة ويرتطم بالذلّ والمهانة .
طرده بعدما باع للشيطان روحه ، وسلّمه ضميره ، ووهبه وجدانه .
طرده عندما امتدّت يده الملوّثة الى صندوق الأمّة .
يغترف أموالها لينفقها على ملذّاته الآثمة .
طرده عندما تاجر بالنفوذ ، وحكّم الأغبياء من آله في رقاب اللبنانيين ،
يسومونهم الذلّ ، ويسخّرونهم لقضاء مآربهم الوضيعة .
طرده عندما أفسد ضمير قدس من أقداس العدالة .
مما لم يرتكب بعضه حتى نيرون طاغية زمانه ،
طرده عندما عرف أنه حمّل زوجته
الملايين المسلوبة من الفقير والمسكين ،
فطارت بها وأودعتها في مصارف أوروبا .
طرده عندما أصبحت البلاد تعيش على شريعة الغاب ،
فالوحوش الأكثر ضراوة هو الفائز في الميدان .
طرده عندما شاهده يزجّ بالأبرياء من خصومه في السجون ،
ويطلق سراح اعوانه المعتدين .
طرده عندما رآه يدوس على بنود الدستور الذي أقسم أن يحافظ عليه ،
فكان كاذبا لئيما ، ومجرما أثيما .
طرده عندما سخّر القوانين لمصلحته ومصلحة ذويه
ممن تكدّست في خزائنهم الأموال على ظهر الشعب الكادح .
طرده عندما ضجّت شياطين جهنّم الحمراء نفسها بابنه
وتهريبه للحشيش ومتاجرته به .
طرده عندما جعل لبنان ( مزرعة ) له ولآله ،
وبقرة حلوبا تدرّ عليهم الخير الوفير ، وليمت الشعب رغم أنفه .
طرده عندما سوّد سمعة البلاد اذ شهّرها تشهيرا مرعبا ،
وهبط بسمعتها الى الدرك الأسفل ، لعنه الله .
طرده عندما لم يتورّع وهو حامي الدستور – يا للمهزلة –
من ارتكاب جريمة التزوير الدنيئة ليبقى متربّعا على عرشه ،
ناشرا لسموم افكه ، موزّعا بين الأنام مكره ، وباسطا عليهم شرّه .
طرده عندما أصبحت البلاد لا تنام الاّ على أنباء الاغتيالات ،
يقوم بها الانصار في وضح النهار ،
ولا تستيقظ الاّ على هجوم عصابات المقرّبين
على الذين لم يرضخوا لأوامر هذا المعتدي على الحقّ ،
والدائس على أشلاء الفضيلة .
لقد أصبح لبنان في عهد المجرم يئنّ أنين المختصرين
تحت ضغط هذا الكابوس العنيف المخيف .
وظنّ الجميع أنّ ليلهم الثقيل الفاحم الدجنات سيستمرّ لأعوام طويلة .
فهلعت قلوبهم ، واضطربت نفوسهم ، وخارت عزائمهم ،
وحارت أرواحهم المتألّمة من هذا الطاغية المرتكب …
واذا بصوت من عالم الغيب يدوّي في آذان الزمان وهو يقول :
لقد دنت ساعة المجرم ، ودقّت نواقيس نهايته ،
وحلّت دقيقة خلعه وطرده .
فطرب الشعب ، وثارت حماسته ، وتأجّجت حميّته ، فثار ثورته العنيفة ، وقام قومة رجل واحد مطالبا برأس المجرم المعتدي على حقوق الشعب قاطبة .
وذهل ( الوصوليّ ) ، واصطكّت فرائضه رعبا وهولا . وانقضّت عليه أخبار الثورة الحماسة انقضاض الصواعق ترشقها السماء رشقا مزلزلا .
وجحظت عيناه من هول الموقف ، وطلب النجاة بعدما شاهد أنّ سفينته التي كان يقودها قد تحطّمت بسبب سوء قيادته لها . ولم يعد بالامكان انقاذها ، فرضخ ذليلا وأنفه راغم . وتفجّرت من عينيه دموع الغيظ والقنوط الهائلين لمصيره الأسود الذي سداه الذلّ ، ولحمته العار ، هذان الأقنومان اللذان لحقا به نتيجة لتصرّفاته المجرمة طوال أيام حكمه البغيض .
وهكذا انتهى هذا العهد الملوّث يا أمّاه ، ويا ماجداه !
انتهى على أشنع صور الاذلال المخجل لمثل هذا الوصولي المرتكب . قاتله الله وقتله !
حالما تنفّست البلاد الصعداء ، بعدما طرد سارق الجنسيّات في ظلمات الليالي الحندسيّة ، تذكّرت يا ماجدا العزيزة يوم تراءيت لي في الحلم منذ عام ، وبشّرتني بسقوط هذا المجرم قريبا ، فتأكّد لي أنها كانت رؤيا حقيقيّة ، وأنك زرتني يومذاك بروحك حقّا ، وبشّرتني بما تمّ الآن . فيا لعالم الروح الذي لا تخفاه خافية !
انّ المجرم الأكبر سرق حنسيّتي في شهر أيلول ، وفي شهر أيلول سرق سلطانه ، وتحطّم صولجانه ، وكشف زوره وبهتانه ، وتلجلج فيه من الخوف لسانه . فيا لعدالة السماء ما أعظمها !
وبسقوط الباغية الطاغية انفضّ عنه أنصاره وأتباعه ، وابتعد عن دائرته أشياعه ، وفرّ منه أعوانه ، وهوى سلطانه …فاذا هو وحيد فريد الاّ من أشباح الجرائم الهائلة التي ارتكبها ، هي تحوم حواليه ، وتبعث الذعر في روحه الآثمة .
وساعتذاك عرف أنّ جميع من كان يظنّهم مخلصين له انما كانوا عبيد مصالحهم الماديّة ، وقد ربطتهم به أواصر الغايات الدنيويّة دون سواها .
فتألّمت روحه ، وناحت نفسه اذ عرف أيّ احترام شخصيّ كانوا يضمرونه له ، بدليل خذلانهم ايّاه بعدما طرده الشعب ذلك الطّرد الموجع الشنيع .
فيا أمّاه ، ويا ماجداه !
لقد تأكّد بالبرهان أنّ الطاغية كان يستمدّ قوّته من منصبه . عندما تحطّم عرشه ، وثلّ صولجانه ، انفضّ عنه أعوانه ، فاذا به يندب جهله !
أمّا الداهشيّون فانما يستمدّون قوّتهم العظمى من ايمانهم الجبّار الذي يدكّ الجبال دكّا ؛
هذا الايمان الوطيد الأركان الذي هزأ ويهزأ وسيهزأ بكلّ طاغية سفّاك ، وباغية أفّاك .
فالايمان الصحيح هو الذي يثلّ العروش ، ويحطّم المناصب ، ويقوّض أرائك الحكّام ، ويلقّن الطغاة دروسا رهيبة على مدار الأيّام والأعوام .
واعلمي يا أمّاه أنّ السفينة الداهشيّة الجبّارة ستبقى ماخرة عباب الأوقيانوسات المهتاجة الثائرة ، تجتاز هوج أمواجها المزمجرة الغضوبة دون أن يعتريها أيّ ضعف أو وهن ، وستهاجم العواصف المحيطة بها من جميع نواحيها ، وستذلّل العقبات الكأداء ، وستسحق كلّ من يعترض سيرها الجبّار ، حتى تنال باذن الله كامل الانتصار .
أمّا الطاغية المطرودة سارق الجنسيّات فانني أؤكّد لك أنه سيحاسب من الداهشيّة . وسيكون حسابه عسيرا ، وسيكون انتقاما مريرا . فمرتكب الاثم لن ينجو من العقاب ، وطابخ السمّ آكله .
والان أودّعكما أيّها الروحان الخالدان الراتعان في احضان الخلود ، هناك في جنّات النعيم ذات المجد والبهاء الفائقين .
داهش
18 أيلول 1952
العودة إلى لبنان وحصاد الاضطهاد
لبنان أيها التعيس
الحمم تنصب والقنابل تتفجر
والديناميت يلعلع والرصاص يدوّي ويصفّر
والمقنبلات تدك الحصون فتمزقها ثم تضعف بها وتدمّر
والمدفعية تحمحم برهبوتها،فإذا بالشوامخ تخرّ وتتبخّر
والصواريخ تشق الفضاء بجبروت هائل وهي تدمدم وتزمجر
والخوف عمّ البرايا فكل ابن حواء مرتعد ومنذعر
صراخ ونحيب وعويل مزقت سكون الليل بعد أن طالت أشهر
نكبات طوّقت لبنان بأسره! يا ويله! الأعداء به قد سخروا
حرم ابناؤه النوم،فالمنايا ترغم الكل أن يسهروا
الأخ يقتل أخاه،والأب يبطش بابنه، فالكل سلاحهم شهروا
جثث ملأت البطاح،فبدون جريرة هؤلاء التعساء نحروا
حسين قتل لأنه مسلم،ويشوع مثل بجسمه إذ باسم مسيبحه يجهر
والمسيح ومحمد يتبرّان من هذه المخازي المرعبة فهم وراءها تستروا
أشلاء ممزقة تلعق الكلاب دماءها يا ويحهم!قد طغوا وتجبروا
وثكلى جنت لهول مصابها،فضحكها وعويلها لن يحيياهم،فقد قبروا
وشاب ملء برديه الشباب سملت عيناه وأطرافه قد بتروا
وصلمت أذناه وشوهت وجنتاه وبطنه قد بقروا
لا لذنب جناه أو إثم أتاه قطعوه-يا ويله!- إرباً إرباً وإيّاه قد شهروا
مقابر ملئت أجداثها بجثث الضحايا فيا للويلات المرعبة كم هي كثّر!
أهوال تتلوها أهوال،فيا للأهوال المزلزلة وهي تميد وتهدر!
وإذا استمرت المخاوف تترى فجميع سكان لبنان لا بد من أن يبحروا
وسيضمحل لبنان بذهاب بنيه بعدما تمزق أوصاله…وشرايينه تفجر
وعندما يدوّن التاريخ أنباء مذابحه المرعبة وضحاياه الذين قتلوا وتبعثروا
سيقول كان يوجد شعب إسمه الشعب اللبناني ولكنهم مخروا
إذ حارب بعضهم البعض وتذابحوا ثم فنوا وتبخروا!
فدعونا نذرف دموعنا لوعة عظمى على لبنان وعليه نتحسّر!!
بيروت الساعة الواحدة بعد الظهر
تاريخ 25/10/1975
العودة إلى لبنان وحصاد الاضطهاد
معركة جهنمية مبيدة
بمناسبة حرب بيروت الضارية
وحمحمت المدافع
وانطلقت قذائفها الشيطانية بجبروت هائل.
فتهدمت الحصون،وتردمت القلاع،
ودكت المعاقل وكأن جدرانها بنيت من نسيج العنكبوت.
وزأرت الصواريخ الجبارة،
وكان دويّها المزلزل يضعضع العقول ويذهب بالألباب!
فاندفعت الجموع
وكأنها الخراف الوديعة لائذة بالفرار
في هذا اليوم الحافل بالأهوال المخيفة،
والرعب آخذ منها كل مأخذ!
وهلعت القلوب واضطربت اضطراباً عظيماً،
وتضعضعت العقول من هول يوم القيامة المتدفق بالأهوال الصاعقة!
وانطلقت الرشاشات
وإذا بدويّها العاصف يهزأ بالرعود القاصفة،
وكان رصاصها الغزير يحصد الأرواح حصداً تاماً!
الأشلاء تتساقط يمنة ويسرة،
والرؤوس تقذفها الحمم المنصبة بجبروت،
فتختلط بالأيدي المنفصلة عن الأجساد
والأرجل المبتورة من الأجسام!
وانشطرت الهامات وبقرت البطون،
فانبثقت منها الدماء الغزيرة
مكونة أنهاراً جارية من دماء الضحايا البؤساء!
فهذه أم فجّر الصاروخ رأسها،
فسال دماغها على وجهها
وقد احتضنت طفلها الرضيع الميت
الذي انفصل رأسه عن جسده الملائكي!
وذلك الشاب المفتول العضلات،
وقد تمزق بطنه فخرجت أمعاؤه،
وهو لا يزال محتضناً بندقيته وكأنها عروسه الفاتنة!
وهناك فتاة تضحك الحياة من خلال شفتيها
احتضنت شقيقها المحارب،
وقد مزقتها قنبلة جهنمية،
فإذا بهما مجندلان يرقدان رقدة الأبد.
إنه يوم الهول الحافل بالمخاوف المضعضعة للنهى!
وفجأة زلزلت الأرض زلزالها
عندما أطلقت المدفعية القوية قذائفها
على ما تبقّى من الأبنية فدكتها دكاً هائلاً،
فإذا بها تخرّ أرضاً متساوية بها.
لقد تحولت المدينة لركام رهيب
تهلع العيون من مشاهده المرعبة.
وسكنت الحركة بعد انتهاء المعركة؛
وكانت أجساد القتلى تملأ ساحة الحرب،
فتبعث الرهبة في النفوس المرتعدة هولاً.
ووقف البوم على الأطلال الدراسة
ينعب نعيب الأسى الشديد
على مدينة عظمى تهدّمت نهائياً وتردمت أبدياً.
ونقعت الغربان الفاحمة
حزناً على هذه النكبة الهائلة تحيق (ببيروت) عروسة المدائن،
وناح ابن عرس على عروس الأرز التي اندرست معالمها،
فأصبحت قفراً يباباً وبلقعاً خراباً!!
نيويورك-ضاحية دوغلاستون
الساعة 11 قبل ظهر 17 آب 1976
العودة إلى لبنان وحصاد الاضطهاد
إستقبال عام 1980
أيها العام الجديد،
إنني أستقبلك مرحّباً بقدومك،
بالرغم من اكفهرار السماء المطيرة
التي حجبت عنك أنوار نجومك.
إن أيام سلفك الراحل
كانت أياماً دجوجية الجلباب.
فكم فقد فيها من الاحباب!
وكم تجندل غدراً من أحب الصحاب!
إن الحرب الضروس الشرسة بلبنان
التهمت الشيوخ وافترست الشبان
وهتكت العديد من الغيد الحسان!..
فهلاّ رأفت بنا وأغدوت علينا الحنان،
بعدما رشتنا سهام إبليس وصنوه الشيطان.
إن الدواهي التي دهمتنا،
والأهوال التي انقضت علينا،
والمخاوف التي عصفت بنا،
والرواعب التي ردمتنا،
والصواعق التي دمرتنا،
والصواريخ التي أبادتنا…
ما كنا لنبتلى بمزلزلاتها
لو سرنا على طريق الفضيلة المثلى.
لقد شططنا عن الطريق القويم،
واحرفنا عن الخط المستقيم،
وانجرفنا بتيار الشر الطافح الإثم،
وخضنا غمرات شهوات إبليس الرجيم،
ونفّذنا رغبات بعلزبول السفلي الذميم،
ومكثنا راتعين في شهواتنا الدنية
أعواماً تتلوها أعوام فأعوام…
دون أن نعتبر بالفضيلة أو نرتدع.
وإذا بيد الله القوية تدكّ ربوعنا دكاً،
وتحيل عامرنا لخراب هائل،
وتجعله قفراً بلقعاً ينعب البوم بخرائبه،
وتجول الغربان بين ركامه وطلوله،
وتصول الذئاب بعرضه وطوله.
إنه الجزاء الإلهي عصف بنا فقوّضنا تقويضاً،
وما كان الله ظالمنا،
بل كنّا لأنفسنا ظالمين.
فرحماك،أيها العام،رحماك!
فها إني ألتجئ لائذاً بحماك.
ترى هل سيمتد أجلي
حتى نهاية أيامك،
أم تراني سأتوارى في أحد أيام عامك؟
لقد وطئت أرضنا اليوم أهلاً،
وها إني أستقبلك سهلاً،
منتظراً ما ستفاجئني به مخبآتك.
ومن ألقى اتكاله على الله
فإنه ناصره وظافره.
بيروت الساعة الثانية والنصف
من فجر أول كانون الثاني 1980
العودة إلى لبنان وحصاد الاضطهاد
الضباب
ضباب!
ضباب كثيف يحيط بنفسي…ويكبلها بقيوده!
ضباب متلبد في سماء حياتي
يحتاطني مثلما يحتاط السوار معصم الحسناء!
ضباب جميل! يتجمّع ليعود ثانية فيتبدد!
خيالات،وطيوف غريبة تتراءى لي من خلال الضباب…
وآلاف من العيون النارية ترمقني!
ويتبدد هذا الضباب المكفهرّ ليعود ويتجمّع
بألوان بيضاء مشوبة بالصفرة كالقطن المندوف!
ومن خلاله تظهر لي وجوه ناعمة،ولكنها حزينة!
وعيون ذابلة كأنها تستجدي العطف ممن تنظر إليه!
وأياد…لا يمكن معرفة عددها لكثرتها!
بعضها منبسط القبضة،
والآخر مقفل!
وأصابع متشنجة،والأعصاب ثائرة،
وهي متوترة كالحبال الغليظة!
وأياد أخرى هادئة،وادعة،مستكينة،
لا يبدو عليها أي أثر للحياة…
لولا بعض الرعشات بين الفترة و الفترة!
ويعود هذا الضباب فيتبدد!
ليعود إلى التجمّع بصور و ألوان أخرى غاية في الغرابة!
وأنا باق في مكاني!.. أنعم النظر في هذه المشاهد الغريبة!
وفجأة تراءت لي سحابة كثيفة تجمعت واتحدت
مع قطع من (الضباب) السابح في الفضاء!..
حتى إذا ما ائتلف الجميع تكوّن من هذا (الضباب) جبار رهيب،
وهو متنمطق بالغيوم!
ويضع مكان عينيه كوكبين يخطف بريقها البصائر والأبصار!
وبسط هذا الجبار يده،وصاح بي قائلاً:
“يا ابن الأرض!
بلّغ رسالتي هذه لأبناء قومك،
هؤلاء الأقزام الذين يظنون أنهم بلغوا من المعرفة والحكمة
الغاية التي ينشدونها!
قل لهم يا ابن الطبيعة ،ما أعطكه الآن…”
ودوّى صوته كهدير المياه
وهي تتدافع في الأودية الصامتة!..
ثم قال:
“يا أبناء الأرض المساكين!
منذ عشرات الآلاف من السنين،
وأنا أشاهد أعمالكم،وأسمع أقوالكم،
وأراقب أفعالكم،
وأقرأ أفعالكم،
وأقرأ ما يجول في أفكاركم،
وإذا هي هي لا تتغيّر!
فأنتم تفنون في حب (المرأة)!
وتتهالكون على (المادة)!
وتعبدون (السلطة)!
وتقدسون (السطوة)!
وتعتدون على (الضعفاء)!
وتكفرون (بالسماء)!
وتموّهون (لحقائق)!
وتخادعون بعضكم بعضاً!..
قويّكم يعتدي على ضعيفكم!
وخبيثكم يعتدي على آمنكم!
قسسكم يتظاهرون بالتقوى وهم الأبالسة المتجسدون!
دستم على الوصايا!
وهزأتم بالشرائع الإلهية!
وكفرتم بالسماء!
وقدستم الأباطيل!
هزأتم بالتعاليم السامية!
واتبعتم شهوات قلوبكم الدنيئة!
قرأتم ما أوصاكم به سيد الأطهار!
ولكنكم…لغلاظة في قلوبكم،ولعدم إيمان في أعماقكم،
لم تفعلوا بما جاء في هذه التعاليم السامية،
حتى ولا ببعضها!
لا،بل كانت أفكاركم لا تدور إلا حول الجرائم والشهوات،
والأماني الساقطة والنزوات!
وقد راقبتكم طويلاً!
وصبرت عليكم صبراً جميلاً…أجيالاً وآجالاً…
علكم تعودون وتصلحون خطأكم،
وعلّ (الندم) يجد له مكاناً في قلوبكم!
ولكن،عبثاً كان انتظاري هذا!..
فالأجيال المملة قد مضتوانقضت!
وأنتم ما زلتم على حالكم!
لا بل ازدادت آثامكم أضعافاً مضاعفة…
عما كان يقوم به آباؤكم،وأجدادكم!
لهذا،
صمّمت،اليوم أن أبلغكم (أمري) الذي لا يردّ،
والقاضي بتدمير(عالمكم) الحقير هذا…
الذي لوثتموه بجرائمكم،وأطماعكم،وشهواتكم!..
وأصدقكم،يا أبناء (الأرض) القول:
إن (روحي) قد سئمت كل ما هو كائن في عالمكم الوضيع!
لقد مللت شمسكم وقمركم!أفلاككم ونجومكم!
هضابكم و أوديتكم! أرضكم وسماءكم!أشجاركم وأطياركم!
سهولكم وجبالكم! بطاحكم ووهادكم!..
وكل ما تراه العين،ويصل إليه الإدراك في عالمكم الملوّث،
المصاب بأعمالكم الوضيعة و أفكاركم الشائنة!
سأمحو (عالمكم) من (الوجود)،
وأجعله نسياً منسياً،
لأن الإختبار أكّد لي
أنه محال أن تسمو (أرواحكم)المثقلة بالأوزار!
فهي ستزداد سوءاً على سوء!
إن (إرادتي) قد قضت:
أن تلاشي(أرضكم) لتعود فتغمرها (بالضباب)!
(الضباب) الذي سيسود هذا (العالم)!
وسأجول أنا في (عبابه)طوال الأجيال القادمة،
من دون أن أدع لأيّ عنصر من العناصر المعروفة الآن عندكم،
أن يشاركني البقاء!
أما (الأطفال)…
هؤلاء الذين لم يلوثوا،بعد،
بأوزار هذه (الأرض) وشهواتها الدنيئة،
فسألمس (جباههم) بأناملي (السحرية)،
فيرقدوا رقاداً عميقاً!
حتى إذا ما (استيقظوا)…
وجدوا (أنفسهم) في(مكان) آخر
أسمى من (عالمهم) القاسي!
أما ( أجسادهم) الغضة،البريئة،
فسأحوّلها إلى (ضباب)!
بيروت في 10 أيار سنة 1942
خراب الأرض
من وحي “عاعا”
ومض البرق فراعا أنفساً طارت شعاعا
جفّ ريقي حين أحسست بأعماقي التياعا
***
بجنون هزت الدنيا فرادى وجماعا
أمطرتنا صاعقات زادت البرق التماعا
وإذا بالشهب تنقضّ وفيها هول”عاعا”
هو من يضرم ناراً تلهب البيد الوساعا
يزرع الأرض دماراً واضطراباً وارتياعا
***
وتوالت صاعقات ردمت تلك البقاعا
وضواري الوحش فرّت فترى حيناً سباعا
وترى حيناً أسوداً وذئاباً وضباعا
وحصوناً تتهاوى وقلاعاً تتداعى
وشعوباً زاحفات لمناياها سراعا
في حروب داميات تجعل العمران قاعا
***
وإذا (عاعا)ينادي قبل أن رام ارتجاعا:
-يا بني الغبراء توبوا ودعوا ذاك الصراعا
هوذا الظلماء تشتد امتداداً واتساعا
وفشا في الأرض ظلم زاد في الخلق انصداعا
دكّ هذي الأرض دكاً وطوى هذي البقاعا
وغدا الكون خراباً ويباباًوانخلاعا
***
شيّعوا الأرض أيا أبناءها وامشوا سراعا
فعلى الدنيا سلاماً وعفاءً ووداعا
-عاعا-
21 شباط 1975
نيويورك و ناطحات سحابها
نيويورك،
أيتها المدينة الصاخبة!
أيتها المدينة التي لا تعرف ما هو النوم!
أيتها المدينة العجيبة الغريبة!
أيتها المفاخرة جميع عواصم الكرة الأرضية
بناطحات سحابها المشمخرة!
أيتها الفاجرة-المتاجرة بفتيات كثيرات
ممن تضمينهم إلى صدرك الكبير!
أيتها المضمخة بالطيوب،
المعطرة شوارعك برائحة البترول المحترق من ملايين السيارات
التي ترود دروبك الممتدة وشعابك المتشابكة!
أيتها الصبية اللعوب،والعجوز المتصابية!
والهرمة التي تنظر لحدها بصبر غريب!
أيتها السابحة بكنوزك!
القابضة بيمناك على بورصات الدنيا بأسرها!
يا من تضمين اثني عشر مليوناً من الخلائق بين جنباتك الواسعة!
أيتها المدينة التي لا يغمض لها جفن في الليل،
ولا تتعب في آناء النهار!
أيتها المدينة الغنية بمتاحفها الرائعة،
السحرية بأبنيتها العجيبة الشامخة!
أيتها الرانية نحو بروج السماء العلوية!
يا أضخم العواصم، وربة المدن، وسيدة ولايتها التسع والأربعين!
لقد جبت ربوعك يا نيويورك الضخمة الفخمة،
جبتها في خلال الأيام السبعة التي قضيتها في ربوعك الممتدة،
وشاهدت ما لم أكن لأحلم أن أشاهده في عالم التخيلات والأوهام:
إن الرذيلة قد تفشت في بعض أحيائك،
وعشش الفسق في مواخيرك القذرة!
والسائرات في دروبك ترينهنّ وقد طلقن الحياء وودعن الفضيلة،
بعدما دسن الشرف،
إذ تريهنّ وقد كشفن عن صدورهنّ ونحو رهن،
وارتدين أثواباً تكاد أن تظهر عوارتهن!
أي مدينة نيويورك الضخمة باتساعها وارتفاع ناطحات سحابها!
ألا فاعلمي بأنني حزين لما شاهدته في ربوعك؛
تعيس لأنني شاهدت المادة قد داست القيم الروحية فهشمتها!
وما كان للروح أن تغلب أو تداس!
وسيأتي يوم،يا نيويورك المتغطرسة،
وإذا عاليك سيصبح سافلك!
هذا إذذا لم ترعوي عن غيّك وفجورك،
وتعودي إلى حظيرة الروح؛
فالعودة إليها تقيك الغوائل،
يا أيتها المدينة الضالة في هذا القرن التعيس،
القرن العشرين ربيب إبليس!
نيويورك،في 18 أيلول 1969
والساعة الثانية عشرة إلا ربعاً ليلاً
اليوم الأخير أو الدنيوية
يا يوم الرعب المدمر!
يا يوم الرهبوت الطاغي!
أيها اليوم القاصفو رعوده والمومضة بروقه!
أيها اليوم المتفجرة براكينه بالولايات والمقوضة للمعمور!
أيها اليوم الثائرة زلزاله،المزمجرة ويلاته!
أيها اليوم الحافل بالويل الجبروتي المرعب!
أيها اليوم العاصف بزمجرته الكونية المذهلة!
أيها اليوم الذي ستنقضّ فيه صواعقك على كافة الأرجاء!
أيها اليوم الحالك السواد المهيمن على الآباد!
أيها اليوم الدجوجيّ الظلمات الفاحم النظرات!
ستنطلق أفاعيك الرهيبة،يا يوم الدنيوية،
لتنقضّ على الأثمة والأفاكين!
وستميد الأرض تحت أقدام الحكام الظالمين!
وستردد البرايا بهلع مرعب اسم رب العالمين!
وستخر الجبال المشمخرة عند ذكر البار الأمين!
وستطغى البحار وتغرق جميع المكرة والفجار!
وسيختبئ الفسقة وهم يهرّون هرير الرعب في الأوجار!
ولكن يد العدالة ستطالهم وتلقيهم بين أشداق النار!
والرعب سيطغى على الكرة الأرضية وستهلع شراذم الفجار!
أما من نفّذ أقوال سيد المجد سيد الاطهار،
وجعل الفضيلة دستوراً له وخير مزار،
فإنه سيرقى يومذاك فردوس النعيم ويتنعم مع الأبرار.
فندق الكونتيننتال بدبي
3/7/1970 والساعة الحادية عشرة والنصف ليلاً
ليلة الأهوال المزلزلة
ودوّى صوت سماوي رهيب مهيب
طوق الكرة الأرضية من أقصاها لأدناها.
وإذا بهذا الجبار يقول:
-لقد طغى الشر على العباد وساد البلاد:
فالرذيلة تفشت في الكرة الأرضية،
واللذة المحرمة غمرت الخلائق بأكملها،
والفساد عشش في الصدور،
والفسق قطن في القلوب،
والدعارة حكمت البرايا من كافة الجنسيات،
والإلحاد رقص طرباً في العواصم،
وليس من عاصم لنفسه من هذه القذارة
التي توجت نفسها مليكة مطاعة في أرض المعاصي والشرور.
لهذا آمرك أيتها العناصر المدمرة
أن تدكي الأرض ومن عليها وبما فيها
لتصبح عصفاً مأكولاً لا يبقي ولا يذر.
وانطلقت شياطين العناصر ومردتها من عقالها.
وإذا بالزلازل الهائلة تميد بالأرض ميداً.
كما انطلقت أبالسة العواصف المهتاجة
تطوف في أرجاء الكرة الأرضية
توزع فيها الويل الوبيل والخطب الثقيل.
ثم انقضت الصواعق المبيدة،
وراحت تضرب الزوايا وتقوّض الخبايا.
وإذا بالهول الأهول يعصف بدنيا الأرض الفاسقة،
فيفكك ذراتها تفكيكاً.
وكانت الظلمة الدجوجية تطوّق عالم هؤلاء الأشرار الفجار؛
فإذا بالرعب يسود أرجاء الدنيا بأسرها،
فما تسمع إلا عويل النائحين وبكاء النائحات النادبات.
فالذعر استقر في صدور الجميع،
والخوف الهائل جثم وقطن أرواح أبناء الأرض
الملوثين بكل نقيصة.
ولم تمهلهم عناصر الطبيعة،
إذ هبّت عاصفة رهيبة اقتلعت جبابرة الأشجار
وتلاعبت بها تلاعب الصبية بالأكر،
وتبعنها أمطار هائلة الإنصباب
لا عهد للأرض بها.
وكانت البروق تومض بصورة هائلة متلاحقة،
والصواعق تضرب الدنيا
فتميد لهول هذه الصواعق المزمجرة بجبروت مردم،
إذ دكت الجبال دكاً عاصفاً
ولم يبق منها باق.
واهتاج الخضم العظيم واندفعت أمواجه على اليابسة،
فإذا بها وقد تحولت إلى بحر هائل وأوقيانوسات مرعب.
وكان الهلع قد استبد بكل الكائنات الحية
فجعلوا يتضرعون،وهم مختبئون في شقوق الصخور،
لله خالق الأكوان،أن يرفع عنهم ويلاته الإلهية.
وهرع البعض الآخر إلى المعابد ليرفعوا فيها صلواتهم
للمكون الأزلي كي يرحمهم.
ولكن تلك المعابد أصبحت أثراً بعد عين
إذ قوضتها الزلازل المتواصلة.
وأخيراً انقشع المشهد عن دنيا أصبحت بلقعاً خراباً.
حتى البوم لا وجود له لينعب على خرائبها التي أبيدت أيضاً.
لقد مات الجميع،ولم ينج أحد فيه نسمة حياة.
وكانت الشياطين ترتع في رحابها بعدما دمرها العليّ القدير.
أما سكانها الأشرار الفجار الذين انطلقت أرواحهم،
فقد ذهبت هذه الأرواح الملوثة بالجرائم،
والمدنسة بالفسق والفجور،
ذهبت إلى جحيمها المرعب،
هناك حيث العذاب أبديّ والأهوال المزلزلة سرمدية
بيروت الساعة 6 مساء
في 7/11/1972
فشا الإلحاد فيها
أحلامنا أوهام وأوهامنا أحلام
سواء أتخلفنا أم سرنا إلى الأمام
أنا لا أثق بأي البرايا:باباهم وبطركهم والإمام
كل منهم يطعن رفيقه بخنجره فيسقيه كأس الحمام
مثلما يطلق الصياد ناره على سرب كثيف من الحمام
تأوهت روحي لدنايا خسيسة يرتكبها كل من الأنام
شعوب الأرض قاطبة تؤمن بالخزعبلات والأوهام
مثل الشعوب البدائية التي كانت بخشوع تتعبد للأصنام
ما دمت أحيا في أرض الشقاء،إذاً لن أتمتع بسلام
قلبي يخفق اهتياجاً لوجودي في عالم دجوجيّ الظلام
واهاً لمن يتحكمون برقاب العباد، فيا ويلهم من حكام طغام
ينفخون كروشهم كالثيران المسمنة ظانين أنهم عظام، وأي عظام؟!
وحقيقتهم جلود قذرة تكتسي بها العظام
ومن كان في دنيانا نزيهاً صادقاً أميناً يعدّ من الكرام
نهشوا سيرتهم ولفقوا عليه أكاذيب دنية ثم أنحو عليه بالملام
لعنت أرض كهذه عشش فيها الفساد وابتعد عنها السلام
ما عاد أبناؤها ليؤمنوا بأديانهم سواء أكانوا يهوداً أم نصارى أم من الإسلام
فشا الإلحاد فيها يا ويلهم من خالق الدنى خالق السهول والآكام!
وقريباً ستزلزل الأرض وتعصف بهم فتنهار منهم الأحلام
وتفتح جهنم النار شدقها لتبتلعهم
ثم تشويهم بنيرانها المتأججة ذات الضرام.
بيروت في 22/1/1975
تخيُّلات نوويَّة
المدينة العظيمة
صامته كصمت القبور،
لا حركة تشعر بوجودها،
حتى ولا نأمة.
السكينة تظللها،
والسكون الأبدي يهيمن عليها،
والصمت المطبق يسود ربوعها المضمحلة،
فأنت لا ترى سائراً ما في دروبها؛
حتى الطيور اختفت آثارها بقدرة قادر،
فلم يبق حتى عصفور واحد مغرد.
والضجيج اليومي،العامرة به مدينة الملاهي،خمدت أنفاسه،
والصخب الهائل المشهورة به طوال ليلها ونهارها،أبيدت أخباره،
لا سيارة ترى في شوارعها الممتدة،
ولا طائرة تخترق الأجواء محلقة في الفضاء،
ولا قطار يسير في خطه الحديدي،
إذ لم يعد لهذه الخطوط من وجود،
لقد اختفت آثار الحياة في هذه المدينة العظيمة،
إذ أبيدت متاجرها، واضمحلت أبنيتها وفنيت غاباتها،
والمئتا مليون من قاطني أمريكا اختفت آثارهم وعفت أخبارهم،
لأن القنابل النووية دمرت ديارهم، وأبادت آثارهم؛
فأصبح الصمت الأبدي هو السائد في هذه الربوع التعيسة.
إن هذه المسافات اللانهائية
التي كانت عامرة وتموج بملايين الخلائق،
قد دمرها الوحش النووي،وإذا بعاليها قد أصبح سافلها!
ولن تقوم لها قائمة بعد اليوم على الإطلاق؛
فقد أصبحت بلقعاً خراباً،وقفراً يباباً!
هل عرفت ما اسم هذه المدينة التعيسة التي نكبها الله نكبة هائلة تفوق نكبة مدينتي سادوم وعامورة؟
إذا كنت تجهل اسمها العظيم قبل أن تدمّر وتضمحلّ، فقد كان اسمها الشهير
نيويورك…
فواأسفاه عليها…
ضاحية دوغلاستون-نيويورك
الساعة العاشرة من صباح
21آب 1976
الأرض الزانية
حلمت أنني جالس على عرش إلهيّ مهيب،
وقد تمنطقت بالشمس،
واعتمرت القمر،
وتزينت بالكواكب،
وقد أمسكت البروق بيمناي،
والصواعق استقرت بيسراي،
وسارت العواصف بجانبي،
والأمطار تتبعت أثري خطوة فخطوة؛
وكانت الرجوم تحاذيني،
والسدم تأتمر بأمري.
وسرت بسرعة النور
نحو أرض البشر،
هؤلاء الأشرار الفجار؛
فالمسافة للوصول لأرضهم العامرة بالمفاسد والموبقات
هائلة الأبعاد مديدة المسافات.
وسأنقض على أرضهم لأردمها فوق رؤوسهم،
لأنهم عاثوا شروراً، وارتكبوا مفاسد هائلة،
فقضت إرادتي أن أبيد كل نسمة حية
في هذه الأرض الفاسقة الزانية،
وسأبيد كل مخلوقاتها عن بكرة أبيهم.
وأخيراً وصلت إليها،
فأمرت الزلازل أن تتفجر براكينها
في جميع أنحاء الكرة الأرضية.
وإذا بدويّ هائل مزلزل
لم تسمع مثله الآذان البشرية قط!
إذ تفجرت آلاف البراكين المتلظية بجحيمها المزلزل،
زطغت البحار، وتدفقت أمواه المحيط العظيم!
وأمرت الأمطار أن تتساقط بغزارة هائلة.
والبروق كان وميضها الهائل ينير الأرض بكالمها،
فتظهر الخلائق المذعورة برعب طاغ،
وكانوا ينوحون بمرارة عظيمة،
والخوف المزلزل قد غيّر سحنهم فإذاها شوهاء مريبة،
تبعث الذعر المدمر في الناظر لتلك الوجوه الشائهة،
والعيون التي جحظت لفظاعة ما شاهدته من أهوال رهيبة!
وأطلقت سراح الصواعق فراحت تدكّ الأرض دكاً متواصلاً،
وفككت عقال العواصف فانطلقت بجبروت،
وهي تعيث خراباً هائلاً في جميع أرجاء المسكونة.
فتدمرت جبنات الدنيا وتقوضت الجبال،
وانهارت وكأنها مصنوعة من خيوط العناكب،
وكانت صيحات الهول المدمر تصاعد من الحناجر،
فتمزق الفضاء بعويلها الشيطاني المجلجل.
لقد قضي على أهل المسكونة الفساق،
فيا لمصيرهم الهائل!
لقد اندرست معالم الأرض واندثرت أبدياً،
فأصبحت في خبر كان!
كتبت في الطائرة الذاهبة من أغادير للدار البيضاء
في الساعة 12 و45 دقيقة بعد ظهر 19آب 1976
حذار ثم حذار
الساعة الآن التاسعة والثلث،
وأنا جالس بجانبي في فندق بيفرلي هلز، بضاحية بيفرلي هلز،في أميركا،أفكر بهذه المدينة التي وصلت إليها ليل أمس،
وأفكر بما مثّل فيها من أفراح و أتراح،
أفراح السخفاء من أبناء البشر الغارقين بالأضاليل والتوافه.
فعندما يغرقون أنفسهم بالملذات القذرة،
يظنون أن أفراحهم قد بلغت غايتها،
وحقيقة الأمر أنهم يكونون غارقين حتى أعناقهم بمباذل
سوف تكون عاقبتها وخيمة عليهم.
إن هذه المدينة حافلة بضروب الملاهي المتعددة؛
ومن لم يكن مثقلاً بالدولارات،فلا نصيب له فيها.
فالدولار أصبح رباً ومعبوداً، فهو السيد المطاع دون سواه،
وقد غرق الجميع،من قمة رؤوسهم حتى أخامصهم،
بالتهتك والموبقات الدنيئة،
فهم قد مزقوا برقع الحياة عن وجوههم،
وخاضوا في لجج المباهج الزائلة والبهارج الفانية،
متناسين زلزال عام 1906،يوم 18 نيسان منه،
ذلك الزلزال الذي دمّر مدينة سان فرنسيسكو.
وما يدريهم أن الكرّة ستعاد عليهم، إن لم يرعووا عن غيّهم،
ويندموا على تهتكم المعيب،
واندفاعهم في ارتكاب ملذات حقيرة
لن تكسبهم سوى الموت والعار.
فالحكيم الحكيم من اعتبر واتعظ،
فيعود ويتمسك بالفضيلة
لأن الفضيلة هي الخالدة،
والرذيلة لن يكتب لها إلا الفشل التام.
إن الحرب النووية على وشك الإندلاع.
وإذ ذاك ستدكّ الأرض دكاً وستدمر تدميراً تاماً،
فيفنى أبناء آدم!
ومن كان متمسكاً منهم بالفضيلة،ولم تغرّه الشهوات الساقطة،
فإنه يجد عالماً سعيداً،وفردوساً مذهلاً بفتنته،وأبدياً بسعادته،
ينتظره ليخلد فيه متنعماً بمباهجه الإلهية اللانهائية.
وبعكسه،من ارتكب الموبقات الآثمة،وغرق في لجج الآفات المدنسة فإنه يلقى عذاباً رهيباً وشقاء سرمدياً،
فحذار،ثم حذار،ثم حذار.
ضاحية بيفرلي هلز
الساعة التاسعة والثلث صباحاً
تاريخ 19/1/1977
أيضاً إلى أخي سليم
ها قد مضت الاعوام،
وتصرمت الشهور،
وتلاشت الأيام،
وما زال الأنام يعمهون بالآثام،
ويخوضون معامع الشرور،
ويسكرون بخمرة الفجور،
لقد اندمجوا بالآفات،
وخاضوا غمرات الموبقات،
وهيهات أن يرتدعوا هيهات!
وأنت أيها الاخ الحبيب!
لقد تكشفت لك الحقيقة،
فذهلت مما يرتكبه المدعون باعتناق الاديان،
هؤلاء الكذبة الذين أصبحوا لا يأبهون بوصايا الديان.
وقريباً قريباً سيبوّق ملاك الرب بالصور،
وإذا بالجبال تتفكك عراها،وتباد ذراتها،
والاطواد الشامخة تتدمر وتتردم فتعلو آهاتها،
وتظهر شياطين الهاوية، وتطفر أبالسة الجحيم،
المتقد بالنيران الخالدة مدى الآجال،
ويقودون كل من مكر وارتكب المحرمات من النساء والرجال،
ويلقون بهم في أعماق سقر المتأججة بالأهوال الهائلة الرعب،
وتعلو صيحات الذعر المبيد والخوف الهائل من الأشباح الشهب،
فتهتزّ أسس الهاوية لهول صرخات هؤلاء الأشرار الفجار،
وإذ ذاك أحلق بجناحي الشفافين نحو الاعالي،
وأنت ترافقني فأرتاح ويطمئن بالي،
ونبلع جنة الفردوس الخالد بنعيمه الأبدي،
وإذا بالأب حليم الوقور يهرع بحبور لاستقبالنا،
وقد انضم إليه الحمل الوديع جورج حداد والفرح يغمره غمراً،
ويفتح الأخ الحبيب جورج خبصا ذراعيه
ويضمني إلى صدره العامر بالإيمان؛
فأشعر بفرح إلهيّ ومرح لانهائي يغمرانني فأنسى الوجود،
وكذلك يهرع الأخ بولس فرنسيس والشوق يحدوه للقائنا،
وتتقدم ماجدا هذه اليمامة الذبيحة،هذه الحمامة الشهيدة،
وتقدم لنا باقة من حبق جنة الخلود،
وتحيينا والدتها المجاهدة ماري حداد هذه النادرة بين النساء،
وبرزت والدة الهادي وهي تقول لنجلها:
“اليوم دست بقدميك رؤوس الأعادي”،
وكان النور يطفح من وجهها البهيّ،
والسعادة تشملها بنعيمها اللانهائي؛
كيف لا وقد نعمت عيناها واكتحلتا،ثانية بهاديها الحبيب!
وجلس الجميع تحت شجرة معرفة الخير والشر،
ورفعت آيات الشكر لخالق الخلائق وباري البرايا،
وتمضي الآجال وتزحف الأجيال،
ونحن نظنها ثواني لعظم سعادتنا وعظيم غبطتنا.
وإذ ذاك أذكرك يا أخي سليم،
قائلاً لك:
أما قلت لك بالدوحة:
الساعات تمر مر السحاب
والدقائق تتلاشى،فذهابها دون إياب،
والأيام تفنى بما تحمله من شقاء وعذاب؟
فلنمجد الخالق ولنثبت بإيماننا الروحي الخالد الراسخ،
ليتحقق أملنا باجتماعنا في فردوس النعيم المقيم.
الولايات المتحدة الأميركية
الساعة 3 وربع بعد الظهر
23/2/1978
ومادت بهم دنياهم
كان يوماً أهواله مزلزلة،
فرياحه عاصفة ورعوده قاصفة،
وصواعقه مبيدة وناسفة!
وكان عويل العاصفة المدمرة
ترتج منه الأجواء فترجّع الاودية صداه المفجع!
أما أمطاره المنصبة فهولها صاعق!
وومضت البروق فأضاءت شاسع الفضاء،
ثم تساقطت الثلوج بعنفوان صارم بتار!
وسمع عواء حزين ومقبض للنفس.
وكانت العاصفة المجنونة تزمجر؛
فاقتلعت برهبةتها جبابرة الأشجار وطرحتها أرضاً؛
فإذاها جثث ممدة لا حراك بها!
ونعب بوم الخرائب بذعر فائق،
واندفعت الخفافيش تختبئ متوارية في الشقوق
كي تقي نفسها من هول غضب عناصر الطبيعة الثائرة!
ويا لها من ليلة رهيبة ليلاء!
فهي دامسة حالكة الدجنات وكدراء؛
فالمخاوف فيها مرعبة، فيا للداهية الدهياء!
وفجأة زلزلت الأرض زلزالها،
وأخرجت من أعمق أعماقها أرهب أثقالها،
وإذا بالأبنية تنهار، والصروح تندكّ دكاً،
ومعالم الحضارة تدمر وتتردم!
لقد مادت الأرض بما فيها،
بشوامخ جبالها ومترامي فيافيها!
لقد قضي على سكان الكرة الأرضية بقضهم وقضيضهم،
جزاء على ما اقترفوه من آثام جسام،
وما اجترحوه من فسق ودناسة في حندس الظلام.
لقد بطشت بهم عدالة السماء التي تمهل ولا تهمل.
وكانت نهايتهم المرعبة حافلة بالأهوال البطاشة،
ملأى بالمخاوف الطاغية التي تصبها صواعق السماء صباً حميماً!
وهكذا أبيدت كرة الفسق والدنس القذرين ومن فيها،
مثلما سبق وأبيدت سادوم وعامورة الرجستان!
وهكذا فالبشر دوماً وأبداً لا يتعظون مهما وعظوا.
فلتذهب بهم الأبالسة لجهنم النار المتقدة،
إذ بأسحق أعماقها سيخلّدون.
كتبتها في السيارة الذاهبة إلى متحف”رويال أنتاريو” بمدينة تورنتو
في الساعة 11إلا ربعاً من صباح
4/3/1978
حقارة البشر وضعتهم
لقد أوغلت البشرية في العماية،
وضلت سبل الهداية،
وطمست المادة على حواسها المعروفة والمجهولة،
فإذا بها قطعة منها لا تتجزأ.
البشر لا يعبدون إلا المادة،
وقد اتخذوها لهم إلهاً دون الله،
يعبدونه ويقدسونه ويحرقون البخور أمامه،
متعبدين خاشعين غير ملتفتين إلى سواه.
لقد اجتزت المرحلة الثانية من حياتي القصيرة هذه،
وأنا أنعم النظر بما يقوم به كل من أبناء جلدتي،
فإذا به سخف وهراء.
عاشرتهم،واختلطت بشخصيات متعددة
تظن أنها بلغت من الأدب والكمال الشيء الكثير،
ولكن لدى الحقيقة وبعد التحقيق والتمحيص،
رأيتهم ذئاباً خاطفة في أثواب حملان وديعة.
وجهاء؟!وما هي هذه اللفظة…؟
إنهم يظنون أنفسهم كالآلهة مرتبة ومنزلة،
وتراهم يشمخون بأنوفهم التي سيتخذها الدود له مقراً!
وعندما يسير أحدهم متبختراً في الشوارع،
يظن نفسه أنه الطاغية الجبار الذي لا يصطلى له بنار.
أيها المتعجرف الصلف،
إنني أهزأ بك وبمن هو على شاكلتك!
أعلمني ما هي معلوماتك التي تتباهى بها،
بل ما هي معارف أعظم فيلسوف،
مثلما يطلق عليه هذا الإسم أهل الكرة الأرضية؟
وهل قدم أو أخر في شيء- مهما كان من البساطة-
عن الحقيقة التي نشدها من يطلق عليهم اسم الفلاسفة
من قديم الزمان؟
إذن لم هذه(العنجهية) الكاذبة؟
لست أدري!
أوليسوا بشراً..؟
والمعروف عن البشر أنهم يسيرون
مثلما كان يسير أسلافهم منذ القدم.
وشأن المتعلمين لا يختلف أيضاً عن هذه الطبقة.
فكيف إذن بالطبقات الأخرى الجالهة؟
فالحقيقة التي يجب أن تذاع،
والتي لا يعتورها أي لبس أو غموض،
أن البشرية قد أوغلت في الشر،
وانغمست بالأعمال الدنيئة،
وخاضت مستنقعات الصغائر.
فما دامت الإنسانسة
قد وصلت إلى هذه الدرجة من الإنحطاط الأخلاقي،
فما الذي يدعني أن أحترم كبيرهم أو صغيرهم،
عظيمهم أو حقيرهم،
سائدهم أو مسودهم؟
إنني أعتبر الحيوانات العجماء والحشرات السامة
خيراً من أرباب العظمة الفارغة.
وأعتقد بل أجزم وأؤكد أنه لا عدالة في دنيانا التاعسة،
بل ظلم فادح صارخ مما يأتيه البشر الأدعياء.
هذا هو رأيي،
فإن حاز مقبولاً أو لم يحز فإنني أذيعه للملأ
سواء أغضبوا أم رضوا،
ولا يهمني رضاؤهم أو غضبهم،
ما دمت أعلن حقيقة لا يستطيع إنكارها أحد ما.
ولذا تراني أحيا بها وأموت لأجلها.
القدس أول نيسان 1933
العودة إلى البشر وضاعتُهم وشرورُهم
حياتنا التافهة
عندما قذف بي العدم إلى عالم الوجود،
كنت ذرة في عالم الهناء والخلود.
تلك الدقيقة ،كتب عليّ الشقاء.
فوفي خضم هذه الحياة نؤت بالعناء.
بين سلسلة الآلام المتلاحقة ترعرعت،
وبأحضان الشقاء والكرب العميق نشأت،
حتى أكملت العاشرة.
ومن ذلك التاريخ،
إبتدأت المعرفة الدنيوية تنطبع في أعماقي،
واتخذت عادات البشر لي قانوناً،
أسير على ما يسيرون عليه.
ونقش، أيضاً، في نفسي الحزن و الفرح،
وجميع العوامل البشرية الاخرى
التي لم أكن كقيداً بها قبل مجيئي إلى أرض الفساد.
وعندما أكملت العشرين،
أحاطت بي رزايا دنيانا
إحاطة السوار للمعصم.
وكانت جميع هذه الشرورخاضعة
للقانون الأرضي الذي يسير عليه الجسد الذي هو غلاف للروح النقية.
كنت قبل مجيئي إلى الأرض لا أعرف عن الشرور شيئاً.
وعندما ولدت وترعرعت،
خضت غمرات مطالب الجسد المادي
مدنساً الروح العلويّ.
إذن لم سمح الموجد للصلاح الطاهر
أن يندمج بالطلاح العاهر؟!
فكرت كثيراً دون أن أصل لنتيجة مقنعة
فنقصت حتى تأزف ساعة معرفتي.
ستنطوي عشرات السنين،
وستنحني هامتي من مرور الاعوام.
فالأعوام تنهب الزمان نهباً،
فهي كالبرق المومض الخاطف!
واعتمدت رأسي بيديّ،
ورحت أهيم في بوادي التخيلات،
علّي أفوز بحل عادل
لهذه الألغاز والمعميات،
ولكنني،واأسفاه! عدت دون نتيجة منطقية.
إن الحياة يا أخي،ليست سوى وهم باطل
وظل حائل زائل.
فالانهار الجارية وهي تصطخب،
والبحار الثائرة وهي تزمجر،
وكل ما في الكون من صاخب وصامت،
سيعتريه الذبول فالأفول.
فإذا ما انتهت،بعد ذلك صلتنا بالحياة،
بعدما يسيطر الموت على ربوع الكرة الأرضية
إذ ذاك نتجسد بعالم آخر.
وبعين الدهشة يتراءى لنا الخطأ
الذي كان جسدنا المادي
يخوض فيه غمرات الباطل المرذول،
وكنا ننقاد بطلباته الدنيوية.
فيا للجسد الحقير ورغباته الدنية!
ويا للروح السامية وأهدافها السماوية!
وفي عالم الروح سنعرف أخطاءنا التي جرفتنا و أسقطتنا،
فنتأسف لجهلنا الصارخ
الذي كنا نرسف بقيوده المتينة.
وفي عالم الروح، عالم الطهر والنقاء،
ننتشي برحيق الغبطة والسعادة الازلية،
وننشد أهازيج الحب مع الملائكة الأبرار،
ونبتهج بخلعنا جسدنا المادي الحقير
المبتلى بأوضار المادة الخسيسة.
فبعالم الروح تحيا الفضيلة المثلى
حيث لا يوجد مكر أو حسد،
ولا كبرياء،ولا دناءة،
ولا سفالة ،ولا جريمة،
ولا بغض،ولا نقيصة،
بل حب كامل، وسرور شامل،
إذ يظللنا العليّ القدير،
ويرعانا بحنانه اللانهائيّ.
ولكن، متى يأتي ذلك اليوم السعيد؟
وهل يجوز لنا الإندماج مع الملائكة الاطهار،
قبل أن نكون قد كفرنا عن أعمالنا الشريرة
تكفيراً ينيلنا ما نصبو إليه؟
كلا،بل يجب علينا التكفير أولاً،
وعندما نستحق أن ننعم بالسعادة الخالدة.
ومن أعالي السموات،
تتراءى لنا من خلال الأزمان السحيقة صور أعمالنا الماضية كغمامة سوداء مرعبة،
تذكرنا بما كنا نقوم به عندما كانت المادة
هي العامل المتسلط على عقولنا و نفوسنا.
فلنضرع إلى الله تعالى أن يرشدنا إلى الطريق القويم،
كي نقوى على محاربة الأدران والشرور،
فنقرب وقت خلودنا،
حيث تغمرنا السعادة مع الاتقياء الانقياء،
وإلا فالويل ثم الويل لنا
إذا ظللنا متجاهلين طريق العدالة
ومبتعدين عن الحق الذي يعلو و لا يعلى عليه.
10 نيسان 1933
العودة إلى البشر وضاعتُهم وشرورُهم
غرور الإنسان
ما حياتنا سوى ظل زائل وسراب حائل
ووجودنا كالبرق الذي ومض ومض ومضى..
يا لإنسان ما أتفه آماله وأسخف أوهامه!
وما أفشل غاياته وأضأل أحلامه!
وما أضحك مطامحه واتعس رغباته، وأبأس أمانيه!
فالغرور الحقير يقطن في شغاف نفسه،
فإذا كبرياؤه الممقوت تشرف على العالمين.
فهو يظن أنه فارس الميدان الأوحد،
وبطله الذي لا يشق له غبار، في كل مضمار.
فهو خدين الحكمة،ورب المعرفة،
وصِنْوّ العلماء الأفذاذ، ومختزن الفلسفة.
فهذا المدعي المغترّ،منذ اكتحلت عيناه بمشاهد عالم الأرض
قد جرفه تيار الحياة الصاخبة،
فإذاه مأخوذ مبهور بما تزخر به دنيانا الأثيمة…
فتجرفه مظاهر الحياة الكاذبة،
وتخلبه ببريقها الزائف وبما تضج به من كل زائل وفان.
وغروره السمج، وكبرياؤه القذرة..
يجعلانه يظن أنه اكتشف أسرار الحياة وفضّ مغاليق الموت المبهمة،
وافتض معميات الخلود…
أما الحقيقة فإنه يكون قد ازداد غباء على غباء،
وخاض مجاهل العماء السادر بعماء.
ويركبه الغرور الجامح فيظن ان الكرة الأرضية قد كوّنت لأجله؛
وأن بحارها و انهارها ،
وأزهارها و أشجارها و أطيارها،
وما تزخر به من شجون و شؤون..
إنما خلقت لأجله،
وهي مسخرة لمصلحته ،وتأتمر لأمره فيروح، وبسمة الإنتصار تعلو ثغره الأبلج،
رافعاً عقيرته لأبناء بجدته،
موزعاً عليهم عظاته،
شارحاً لهم معميات الأسرار الموصودة،
نافحاً إيّاهم بنعمة معرفته المزعومة…
وحقيقة الامر أنه عامه بالجهالة،
سادر بدروب الضلالة
تتوزعه شتى الأفكار الكمتضاربة،
فهو لا يعرف يمينه من يساره،
ولا يفقه من دنياه شيئاً .
وما يغيظ أن هذا الإنسان يعتقد إعتقاداً لا شك فيه
بأنه اتفوق على الاولين،وبطش بالآخرين،
فهم أمامه اماء وجهلة،
ولا شأن يذكر لهم إطلاقاً.
بينما الحقيقة تصفعه وتسفعه ببراهينها،
وتقذفه بيقينها،
فإذاه مغرور سخيف،
وتافه رهيف،وأرعن كفيف!
ولشدة غروره وبلهه يظن أنه علم خفاق
تفوق على أبناء قومه،
فإذاهم تجاهه أقزام..
فهو لا يحترم سوى كيانه،ولا يعترف إلا بمعلومته.
فشخصيته المغرورة أغلقت عليه باب الفهم الصحيح
فتقوقع على نفسه…
فليته علم أن أحقر الكائنات يمكنها أن تقضي على وجوده
موردة إيّاه موارد التهلكة،
معفرة أنفه في الرّغام
إن الإنسان أشبه بظل زائل وخيال حائل،
أو كحلم حالم يزول عند اليقظة،
أو كضباب إكتسحته العاصفة فتلاشى وغاب.
هذه هي حقيقة الغنسان المسكين الذي يملأ دنياه تبجحاً تافهاً
يستحق عليه أفدح سخرية من أقذع لسان ذرِب
فالإنسان يستحق ما يلاقيه في دنياه
من إرهاق وعنت وبلايا ورزايا،
ومنغّصات آخذة بعضها برقاب البعض،
ونكبات تنصبّ على الجميع دون رحمة أو إشفاق.
نعم..إن الإنسان يستحق هذا المصير التاعس،
إذ كم من المرات زار أرضنا عدد من الأنبياء،
رسل الله،
وشرحوا لنا حقيقة الوجود، والغاية التي خلقنا لأجلها،
وأطلعونا على أسرار روحية سماوية،
وأكدوا لنا أننا إذا سرنا على هداها،
وتنازلنا عن بعض لذات جسدنا الحسية الترابية،
فإننا ننال عوالم فردوسية متعها خالدة ولذاذاتها سرمدية.
وإذانا نهزأ بهم وبتعاليمهم،
ونسخر من أسرارهم الروحية وإرشاداتهم السماوية،
ونضطهدهم ونرشقهم بكل فرية،
ونَصِمهم بكل نقيصة وتهمة زرية،
ونستمر بممارسة لذات الجسد الذاتية.
وإذا هم ينطلقون من أرضنا،
عائدين لموطنهم الإلهي العظيم حيث النعيم الأبديّ.
يغادروننا ونحن ما زلنا غائصين برجساتنا الداعرة
ونجاساتنا العاهرة،
والأقذار المدنسة تطوقنا كتطويق السوار لمعصم الحسناء.
ألا ليعلم أبناء الأرض الغارقون بالمعاصي المطوقة إيّاهم حتى النواصي
بأنه توجد عين إلهية مراقبة تُحصي على مخلوقات العوالم بأكملها كل كبيرة وصغيرة مهما دقّت وضؤلتْ.
وليتأكد أبناء الأرض والعوالم المعروفة و المجهولة
بأن ساعة الحساب الرهيبة آتية وبسرعة خاطفة.
وساعتذاك الويل لمن يستحقّ العقاب الإلهيّ العادل،
فتلك الساعة المهيبة، تلك الساعة المخيفة،
ساعة عدالة الخالق الديّان،
تزمجر فيها رآبلة الحقّ،
وتدوّي فيها رواعد الرعود،
وتنقضّ فيها الصواعق المدمّرة،
فتبيد معشر الأشرار الفجار،
لتعود فتهبهم القدرة الإلهية الحياة ثانية،
ليخلدوا بعذاب أبديّ هائل المخاوف.
إن هؤلاء الأشرار الفجار سيلاقون جزاءهم العادل
هؤلاء الأشرار الذين جعلوا الشر دَيدَنهم
واعتنقوا الباطل، وحاربوا الفضيلة،
واعتدوا على المقدسات ،
وارتكبوا الموبوقات الدنيئة،
وهزأوا بالسماء وباريها هؤلاء سيبطش العليّ بهم فيجعلهم عصفاً مأكولاً،
ووقوداً لجهنم النار الأبدية الإتقاد.
في هذه الساعة المخيفة والحافلة بالرواعب المذهلة،
لن ينفع مال ولا بنون ولا مجد باطل أو سلطان زائل حائل.
فما تزرعه إيّاه تحصد.
فلنزرعْ بذوراً جيدة،
كي نحصدها خلوداً ممتعاً باللذاذات الأبدية،
هناك حيث نخلد بجنات النعيم إلى ما لا إنتهاء.
بيروت 15 تموز 1938
العودة إلى البشر وضاعتُهم وشرورُهم
ذئاب مفترسة
رجال الدين أبالسة الدنيا ،بل وقود الجحيم في العالم الثاني!
إنهم كذبة مراؤون،بل أثمة مداجون
يدعون انهم لخطوات السيد المسيح يترسمون
وخطواته الطاهرة بريئة من أضاليلهم المنكرة
هم يقطنون القصور الشامخة يسمونها “أديرة”
ولم يكن لفاديهم مكان ليسند إليه رأسه في العالم الفاني!
العودة إلى البشر وضاعتُهم وشرورُهم
العودة إلى البشر وضاعتُهم وشرورُهم
العدالة الموءودة
يا أعواد المشانق،كم لك من ضحايا بريئة شريفة!
وكم من أثمة لم يتأرجحوا بحبالك القوية!
ولؤماء لم تطلهم يد الأحكام العدلية!
إن دموع الآباء والأبناء تشق الفضاء
وصرخاتهم العميقة تخترق السحاب فالسماء
لا كنت يا أحكام! وتباً لك أيتها القوانين السخيفة!
العودة إلى البشر وضاعتُهم وشرورُهم
ثعالب
يا رجال الدين ودجاجلة العصور السحيقة
يا من تغلفون الباطل بطلاء الحق الشامل
وتطلون الحق بغلاف الختل الباطل
لقد شططتم عن الطريق القويم وضللتم
واتبعتم أهواء قلوبكم السوداء وضللتم
أيها المراؤون،إن نيران الجحيم ستكون بكم محيقة
العودة إلى البشر وضاعتُهم وشرورُهم
الإنسان
مهداة إلى من أحبه كثيرًا
الإنسان هذا الوحش الشرس والذئب المفترس.
إنه أعدى أعداء نفسه فكيف بسواه من أبناء جنسه!
ينامُ والحقدُ ملء جفنيه، والضغينة تكمنُ بين جنبيه،
ودم ضحاياه يلوث يديه، وبسمة الغدر تعلو وجنتيه،
وتمتمة الإثم تقطنُ في شفتيه.
ويستيقظ بينما يتلظى في صدره بركانٌ ثائر يتأجج بالشهوات الملونة،
فيرتكب أحط أنواع الاعتداء الشائن،
شأنه منذ قذفت به أمه إلى مستنقع دنياه الأثيمة.
هناؤه في إيقاع الضرر بالغير،
وحُلمُه الذهبي زرع بدور الشفاق لمن يستطيع إليه سبيلاً.
راحته بالقضاء على فريسته براحتيه،
وسعادته بالاجهاز عليها بساعديه،
فلا بارك الله في صُنع يديه.
الشفقة لفظةُ خرافية لديه،
والعدالة كلمة لا يتلفظ بها سوى معشر المجانين،
ولذته الدائمة في سماعه عويل الثكالى وآلام المفجوعين.
يلقاك فيرحب بك كأنك شقيقه الوحيد،
ولو استطاع لنحركَ من الوريد إلى الوريد،
ول تكشفت لك دخيلته لهالك الأمر وذُعرت،
ولفررتَ من هذا الشيطان المتسجد، المتصنع الرقة، المتكلف الرحمة،
وما هو الا جلاد لا حياة له دون سفك دماء الأبرياء.
يراوغُ صديقه ويداوره،
وفي الفرصة السانحة يطعنه بخنجر خيانته فيصرعه،
ثم يطلق عليه عقارب نذالكته تشفيًا بمصيره.
كلماته المعسولة سم زعاف قاتل لا ترياق يشفيه،
وبسماته إذعرفت على حقيقتها يفضل عليها لذعات أرهب أفعوان كريه.
إنه ذئبُ كاسر يختبئ بجلد إنسان لأنه أبدي المخاتلة والروغان.
أنت تسعى بإخلاص لنعمته، فما يلقاك إلا بنقمته.
سعيه الحثيث حيث مواخير الشرور والموبقات،
يستقطرها خلاصة عهرها وحثالة فجورها.
واعلم أيها الغبي الأرعن أن البشر يخطبون ودك عندما تكون سيدًا لا مسودًا،
ولكنهم لا يتوانون عن تحطيمك وتهشيم عرشك وقصم ظهرك
إذا استطاعوا إلى ذلك سبيلاز
وهم يواصلون السعي ليل نهار في سبيل تحقيق هذا الحلم…
إذ لا يطيقون أن يشاهدوا من هو أسمى منهم…
سواءً أكان هذا السمو في المنصب أم في أي أمرٍ آخر سواه.
فلا يعرنك ما تجده منهم من خضوع أرغمتهم عليه ملابسات الحال،
وإذا قدر لهم النجاح، وكُتِبَ لهم الفلاح،
واستطاعوا أ، ينتزعوك من منصبك، ويغفروا بالرغام انفك،
إذ ذاك تجدهم قد تهللوا، وانشرحت خواطرهم، وانفرجت أساريرهم.
أولست أصبحت فردًا عاديًا مثلهم؟
أما إذا سألتني:وماذا يجديهم عملهم المحزن معي
ولم أجرم بحقهم حتى أنال هذا الجزاء منهم؟
أجيبك للحال: أو تناسيتَ أيها الفطن الأريب
أننا معشر الإنسان قد أطلق علينا منذ القديم اسم: البشر،
ومختصر هذه الكلمة أيها الحصيف هو شر؟
والحقيقة التي لا مهرب لنا منها أن جميع أعمالنا هي شرب شر.
فيا رعاك اللهَ! كن يقظًا ولا تثق بمن جبلَ من طين ملوث.
أو ظننتَ أن الطين أيها المسكين
سيرتفعُ يومًا فينقلب إلى مادةً سماوية يوثق بها؟
وأنى لمثل هذا الموغل في الشرور والتائه في الديجور
أن يؤمن جانبه ويُطمأن إلى صحبته،
وليس سوى الجرائم في جُعبته.
إنه كالثعبان يطربُ الطرب كله عندما ينفثُ في الإنسان سُمَّه…
واسمع يا صحبي حقيقة صاحبك الإنسان،
فهو مسبوك في الرجس، مسكوك في الدنس،
مجبول في الرذيلة، منغمس في النقيصة،
مغتسل في البذاءة، معتمد في الدناءة؛
ينامُ في فراش الدنس دون أن يبكته ضمير،
وهل لمثل هذا الإنسان من ضمير؟
نعيمه في دنياه أن يُقيم في بيروت الآمنين مناحات متسلسلة،
وفردوسُه إصغاؤه لنشيج من أوقعهم في شباكه واصطادهم بأشراكه.
دأبُهُ السعي للخراب الشامل
وإن لم يكن في ذلك إفادةً مضمونة له.
فقد جُبل على حب الدمار وخرق الذمار.
وكم يطربه أن يرى جميع ما حوله بلقعًا خرابًا وقفرًا يبابًا.
واصغِ لما أقصُّه عليكَ من صفات هذا الإنسان المجبول بسماد الفساد.
إنه يرقُص فرحًا لنبأ صاعقة دمَّرت مساكن جيرانه،وجرفت مواطن إخوانه.
فما علين ما دام قد سلمت داره ونجت آثاره؟
ويثملُ عندما يتمكن من الاحتيال على ضحية من ضحاياه،
فيبتزُّ منه ما يكون قد أدخره لرد غائلة الجوع وعري أطفاله المساكين.
فهو يردد اسم الله تعالى ويقسم بابنه الحبيب بأغلظ الأقسام،
بينما يبتسم في أعماق فؤاده ممن يعتقدون بمثل هذه السخافات.
يتمنى أن يتحكم بأمرك وينفرد بإدارة دفة مصيرك
ليُذيقك من البلاء أصنافًا متعددة الألوان،
ويجرعك من كأس المذلة والهوان.
هو يكرهك كراهيةً عميقة جدًا،
ولكنهُ يُظهر لك الحب والارتياح لأنك أقوى منه وأثرى.
يهددك بقبضة يديه من وراء جدران غرفته
الشاهدة على جرائمه،
العارفة بحقارة نفسه وروحه.
يجالسكَ وهو يتمنى أن يخطف ملك الموت روحك،
وينتزعها من بين أضلاعك، ويستلها من سويداء فؤادك
إذا كان له فائدة مهما كانت ضئيلة من وراء ذلك.
يزدري بشؤونك ولا يهمُّه تعاستكَ وشقاؤك.
يتمنى سحقك ومحو اسمك كي يبرز اسمه ويتحدث الناس بشأنه.
ينشي بفحيح الصل، ويسكر من عواء الذئاب،
ويستأنس بنعيق البوم في أحلك الليال الداجية.
يهدد السماء بقبضة يده بينما بعوضةٌ حقيرة توردُه موارد التهلكة.
يشمخُ بأنفه وكأنه إلهٌ عظيم القدر، رفيع الشأن،
هبط تلطفًا منه إلى عالم الأرض
رحمةً منه بالإنسانية التي لا تستحق أن تشاهد له ظلاً،
ولو عرف حقيقته لصعُق هولاً، ولتوارى من نفسه خجلاً؛
فهو في حقيقته من أقذر المخلوقات وأتفهها شأنًا.
إنه دابةٌ دائبةُ التمرغ في حمأة النقائص المعيبة،
وجيفةٌ تعافُها جرذانُ المراحيض.
يتناول الفاكهة الرطبة الجنية ليعود فيُخرجها أقذارًا
تنبو العينُ من رؤيتها والنفس من تنسم رائحتها.
أما ما يخرجه أنفه من سوائل مخاطية
فمما تتقزز النفس من أوصافه الكريهة.
وحدث يا صاحبي ولا حرج عليك عندما يُصاب بالبثور،
ذات القيح والصديد والقشور.
واذكر يا عشضيري هذا المخلوق المتعجرف الحقير
عندما يتنفس ويصوت قسرًا عنه،
فتتصاعد على الأثر روائح خناقةى يستعيذ منها سيد الأبالسة،
فيطلق ساقيه للريح عائدًا إلى جحيمه
مفضلاً إياه على ما تنسمه أنفه من لوثة طاعونية موبوءة…
وقل له: أما زلت تعتقد بعظمتكَ أيها المسكين الحقير؟
ثم حدث وحدث وحدث!!!
فيا قارئ مقالي،
تمعن في نصيحتي مليًا لأنني عجمتُ عُودَ الإنسان،
فعرفتُ أي ثعبان لئيم يكون،
فلا يغرنك حُسن مظهره، وحاذر من قُبح مخبره،
فقد نبهتك من حيلته، وكشفتُ لك عن دخيلته،
فحذار يا صاحبي منه حذار، وتذكر قول المعري:
عوى الذئبُ فاستأنستُ بالذئب إذْ عوىا وصوَّتَ إنسانُ فكدتُ أطيرُ
بيروت، 4 كانون الثاني 1945
العودة إلى البشر وضاعتُهم وشرورُهم
تمثال الحريّة
أيّها التمثال العظيم!
يا رمز الحريّة!
والحريّة معشوقة شعوب الأرض طرّاً،
بيدك الجبّارة ترفع مشعلها،
هذا المشعل الأبديّ النور!
يا من أصبحت أشهر من نر على علم!
ألا تعلم بأنك أخطأت بإعطائك الجميع الحرية التامة،
دون أن تقيدها ببعض القيود الضرورية؟!
لقد أبحتها حتى للزنجي والتركي والعربي والعجمي،
ولجميع من يقطن في المدينة التي تنتصب فيها.
لكن الضرر كان واضحاً من وهبك الحرية
للغادات الناعمات الغاديات الرائحات.
لقد خلعت عليهنّ رداءك العظيم،
فهرعن وخلعن بدورهن ثيابهن،
وأصبحن كما ولدتهنّ أمهاتهنّ!
أرأيت أيها التمثال العظيم
أن الحرية يجب أن يكون لها قيد يصونها
كي لا تفقد معناها!
لقد تلوثت هذه الحرية بعدما لطختها أفعالهنّ.
وثق بأن نهر الهدسن نفسه
لأعجز أن يستطيع غسل ما التصق بالحرية،
ورفع الأدران والأوشاب التي امتزجت بهذه الحرية
امتزاج الروح بالجسد!
ويا أيها التمثال الشهير!أشهر سيف نقمتك،
واضرب به الخارجين والخارجات
عن طريقك القويم وصراطك المستقيم.
وقوّم اعوجاج من سوّلت لهم نفوسهم السير بطريق الباطل،
يا أيها المانح النعمة لملايين الملايين.
أيها التمثال الجبار المنتصب كالقدر المهيب!
دعني أكون سوط نقمتك،لأسوط به اللواتي أسأن إلى حريتك.
ودعني أرفع هذا السوط وأخفضه على أقفية المنخثين
من رجال هذا العصر وخنافسه الحقيرة؛
فالخنفسة تسحقها النعال،
ومن تخنفس حاقت عليه اللعنة،
فأصبح بحاجة للنعل كي يؤدبه ويقوم اعوجاجه،
فيعود إذ ذاك صوابه إليه.
وداعاً أيها التمثال العظيم ! يا رمز الحرية العظيمة
التي تتوق إليها نفس كل بشري يقطن في هذه الغبراء!
نيويورك في18 أيلول 1969
منتصف الليل
العودة إلى البشر وضاعتُهم وشرورُهم
تراب
كلُّ ما فيها تراب يسير فوق تراب.
مُكرَهينَ نأتي إليها لنخوض منها العُباب.
تسحرُنا ببهارجها الزائفة فيسيل منّا اللُعاب.
حكماؤها، علماؤها، جهابذتها، فلاسفتها، أراهم كألعاب.
سواءٌ أوُلِدَ أحدهم أم سواه قد غاب.
مهازلُ الحقيرة تضحكني: من سهل، ووعر، وجبل، أم من غاب.
ترى الشعوب تضجُّ بالملاهي، ولو عقلوا لكانوا من الندّاب.
تسألهم عن دنياهم فيجيبونك إنّها كشهد مُذاب.
يطلبون من المتشائمين أن يقيموهم عنهم كنوّاب .
يرتكبون أحطّ المعاصي ويقولون: إنّ ربّكَ غفورٌ توّاب،
وهم في أعماق نفوسهم لا يؤمنون بالعقاب أو بالثواب.
ترى أوقحهم يقذف السماء بأقذع ما عنده من سُباب،
ويلعن الجحيم ، ثمّ يكفربالنعيم، ويعود ايهزأ بالرباب.
وينكفؤا ليدعو من هم على شاكلته من الشيبِ ومن الشباب.
فمنهم من يعزف على عوده ، وآخر على قانونه، ثمّ سواه يعزف على الشبّاب ،
أناشيد المكرِ واللؤمِ والجحود، ثمّ يتبجّحون بالأنساب.
والقدر تراه ينظر إليهم برهبوت، وقد استلّ من جعبته النشّاب.
خسئت هذه المرذولة بما فيها من أسباب،
إذ عشّشت فيها الرذيلةُ طوال أدهار وأحقاب.
نحن نسير في رحابها كالسائر على رؤوس الحراب.
ولن يمضِي عليها أمدٌ طويل حتى تنقلب إلى خراب .
نرائي إذ نقوم ببناء معبدٍ وصومعةٍ أو محراب.
سكّان العوالم المضيئة يشاهدوننا وكأنّنا قدّسنا في جراب.
نقضي أعمارنا البائسة التعسة بين مجيء وذِهاب،
وفي كلّ دورٍ من أدوارنا تجدنا ما زلنا كألذئاب .
نحطُّ على مستنقعات الرغبات مثلكما يحطُّ على الجيفِ الذباب.
نتبع من يقودنا إلى الموبقات ، ونكون له من الأذناب.
نعتدي على الآمن الوادع من الإنسان أم من ذي ناب.
أشدّنا إقداماً على المعاصي ذلك الذي تراه قد تاب،
وذاك الذي يدّعي ميناً وتدليساً بأنّ رشده إليه قد ثاب.
جميعانا أشرار . ولكن أحدنا يطلق أفاعيه من النافذة، وآخر من الباب.
جميعنا نتمسّك بالقشور التافهة دون اللُباب.
نتشبّثُ بشهواتنا مثلما تتشبّثُ بالعظمةِ الكلاب،
ونحطّ على المآثم بجبروتٍ كانحطاطِ الخطّافِ أو ككلاّب.
نخوض غمرات المنايا ونتقلّب بين أحضان العذاب،
ثمّ نقول: للّه ما أطيب أمانينا ، إنّها أحلام عذاب!
أرى كلَّ من في الدنيا يجوبون محيطها ويمخرون هذا العباب،
ما بين طالب مالٍ وجاهٍ وساطةٍ وسطوةٍ وغيرها من الأسلاب.
فذاك يقول: للّه ما أجمل الدنيا فعيشي فيها قد لذّ وطاب!
وآخر يقول: واهاً فإنَّ أملي بها قد تبخّر وذاب!
وشقيق له يقول: واحسرتاه! فإنَّحلمي الذهبيّ قد تلاشى وخاب!
وآخر به جِنّةٌ للعبث واللهو وشرب الأنخاب،
وسواه يقول: إنّ العمر أثير رقيق شفّاف الإهاب،
وآخر مشغول ومغوفٌ بكلّيته برشف الرُّضاب،
ثمّ ترى جمهرة كالحة الوجوه وقد لازمها النتحاب.
مهازل تسير في الدنيا وقد فُقِدَ منها النصِّاب،
كأنّها أشباح المنايا وقد تغلغلتْ في حنايا الأنصاب.
شظايا الدهر سترمينا بقذائفها، إنّنا بها سنُصاب.
حيّرتني هذه الخليقة بالصامت منها وبالصخّاب.
زرتُ المقابر فشاهدتُ نُجْلَ العيون، وقد بدت منها الأوقاب،
وذوتْ ناضرات الوجنات، وزال منها حسنها الخلاّب،
واستوى في ( مدينة الصمت) الرهيب صاحب التاج مع الحطّاب،
وفي أجداثها الباردة تمزّقَ ذلك البرقع وعنه الغطاء قد انجاب.
تأملْتُ الراقدين بحسرة، وقلت لهم: أين، الآن، أمانيكم أيّها الطلاّب؟
لقد انقضت أحلامكم وتلاشت مثلما يتلاشى السحاب!
وقرأتُ، على رخامة قبرِ عاهلٍ، ما فيه الكثير من المديح والأطناب،
فخاطبته: أنبئني أين من كان يحتاط بك من الحُجّاب؟
وهل وُضِعَ بينهم وبينك اليوم حجاب؟
وهل غادرت رياضك وقصورك وخلّفت وراءك الهضاب؟
وهل نفضّتَ يديكَ من الصروح الفخمة ذات القباب؟
وماذا دهاك حتى انطلقتَ دون جنودك الأبطال الصّلاب؟
وأنت الذي كنت ترود الدنيا مع جيشك اللجِبِ أيّها الجوّاب؟
خاطبته طويلاً… ولمّا لم يَرِدْني منه جواب،
حنيتُ رأسي احتراماً لحرمة الموت، واحتاطَ بكياني ضباب،
وقلتُ: للّه درُّ هذا الدهر، فإنَّ دنياه دولاب،
تغدق عطاياها على كلِّ مجرمٍ وغدٍ وهو سلاّب نهّاب،
وتدفع بنقمتها على من يرهب الجريمة ومن شبحها يهاب.
ثمَّ عدّتُ لنفسي وقلتُ: علَّ لحكمة ما نراه لهذا الإرهاب،
ودرسٌ واجبٌ لكلِّ فردٍ ممّن يكون قد استراب.
عدّتُ وخاطبتُ من تحت الثرى وقد أخذني من كثرتهم العَجَبُ العُجاب،
فمن ملك إلى قائد، إلى فيلسوف، إلى شاعر، إلى تاجرٍ فقصّاب،
وقلتُ لهم: إعلموا بأنّكم ستقدّمون، الآن، أمام باريكم الحساب،
فمن عمل الصالحات سيكافأ عليها، وبعكس هذا سيكون العقاب.
ثمَّ رحلتُ عن ( مدينة الصمت) وحلّقتُ بأفكاري مثلما تحلّق العُقاب،
وناجيتُ نفسي بحزن قائلاً: حقّاً إنّنا من التراب،
وسنعود إلى التُّراب!
بيروت،15 تمّوز 1944
العودة إلى البشر وضاعتُهم وشرورُهم
فقاقيع
خلوت إلى نفسي،واستعرضت أسماء بعض من يطلقون عليهم في عالمنا الفاني لقب(العظماء).فمن رعمسيس إلى نبوخذنصر،فنابليون بونابرت،إلى الإسكندر الكبير، فداريوس الفارسي، فتيطس، فأغسطس قيصر، فجنكيزخان،فتيمورلنك،فهولاكو، فهتلر، فموسيليني،فستالين،وغيرهم من كبار القادة والفاتحين…جميع هؤلاء مروا في كرتنا الأرضية مر السحاب العابر!
وأنا أشببهم بالفقاقيع التي تطفو إحداها على سطح الماء لفترة ثم يفجرها الهواء فتتلاشى بلحظة عابرة…وهكذا بقية الفقاعات التي تتفجر وتتلاشى بعضها إثر بعض!
فلماذا لماذا حاول الإسكندر اغتصاب العالم،وما الفائدة التي كان يرجوها حتى لو استعمر الكرة الأرضية بأسرها؟!أوليست نهايته الموت، والموت نهاية كل حي؟!
وكذلك بقية زملائه الفاتحين!…
وماذا لو تملكوا الأرض وما فيها بمن فيها ما دام مصيرهم إلى فناء ووجودهم إلى زوال!
إن المادة قد أخفت الحقيقة عنهم،وأطماعهم كانت ستاراً حديدياً تحتجب الحقيقة وراء حديده الرهيب.
إن ذكرى هؤلاء الذين دوّن التاريخ أسماءهم كعظمة تضمحّل،وتتلاشى معها هذه العظمة الكاذبة فوراً،عندما يذكر اسم المسيح أو محمد أو موسى أو بوذا،هؤلاء الأنبياء والهداة مؤسسي الأديان، والمبشرين بالإخوة الإنسانية.
فلا رصاص حاصد للأرواح، ولا مدافع تمزق الأشلاء فيعلو النحيب ويتصاعد النواح،ولا طائرات حربية تذهب بالرجال إلى عالم الأشباح…بل حب شامل،وعطف كامل،وأيد تصافح أيدياً بالأكف والأنامل.
الأنبياء فقط ليسوا بفقاقيع،فهم رسل الله البصير السميع.
فذكرهم يملأ دنيانا ويضفي عليها برداً وسلاماً.
هؤلاء هم العظماء ،وعظمتهم الروحية خالدة خلود الأبد.إذاً فليصمت الفقاقيع بعدما تجندلوا وتجندلت نعهم أطماعهم،فاندثرت عند ذاك أحلامهم.وإن خلدها لهم التاريخ فإنه تاريخ الإنسان المحدود التفكير.
وحيّا الله مؤسسي الأديان الذين يقودون الإنسان إلى الإيمان الذي سيدعه يرتع في جنات النعيم.
جيبوتي 17/11/1970
الساعة 12 ونصف بعد الظهر
العودة إلى البشر وضاعتُهم وشرورُهم
المال …المال
بقلم الدكتور داهش
يا مال! يا مال!
يا ضالة كل بشريّ يقطن هذه الغبراء!
أيها القذر،أيها النذل،أيها النتن!
يا منبع الآثام، ومبعث الآلام،ومثير الأشجان!
أيها التنين الفاتك، والوحش الباطش!
أيها الجبار!أيها الذليل!
أيها الشامخ بأنفه إلى ما وراء السحاب!
أيّها الآمر الناهي،العاجز الحقير،
الخسيسي اللئيم،والوغد الزنيم!
توار عنّي،ولا تدن منّي.
فما عدت لآبه بك بعد اليوم.
أشح بوجهك الكريه عنّي،
واحجبه،يا هذا ،وراء ضباب رجسك
المالئ برائحته النتنة الموبوءة رحاب الدنيا؛
رجس قتال،فتّاك،تعافه النفوس،وتمجّه الأذواق!
ومن أنت؟
-أنت أعجز بكثير من أن تستطيع إغرائي،
يا من يسبّح باسمك جميع الأمم،
ويخرّ لهيبك عظماء الملوك!
إيه! أيتها القوة العجيبة!
أيّها الباسط حكمه على هذه الأرض و من عليها من إنسان!
يا سرّ الأسرار و لغز الكزن،
بل يا مذلّ الفلاسفة،ومحقّر الحكماء،و مسفّه العلماء!
يا مال!..
يا ضالّة العظماء والصعاليك والملوك والأفراد!
يا مطمع كل حيّ لفظته الحياة على سطح هذه الكرة الحقيرة.
لقد نشدك الفيلسوف العظيم!
وطلبك الحكيم العليم!
ورجاك السيخ الهرم المحطم!
ودعاك الشاب الطرير اليافع!
واستصرخك الطفل الصغير!
وناجاك من أعماق صومعته الناسك الزاهد!
وتذلّل أمام قدميك الراهب الجليل!
بل يا من دعتك المومس نم فراشها القذر،
والملكة من قصرها المناطع للسحاب،
والحبر الوقور من قمة المعبد،
والحسناء اليافع من خدر الطهر والعفاف!
نعم،والأنبياء من وراء أكمة المناجاة،يا مال!
والأولياء والأدنياء،والصالحون والطالحون،
والأبرار والأشرار،والأطهار والفجار!..
كل هؤلاء نشدوك وطلبوك،ورجوك ودعوك،
واستصرخوك وناجوك،وتذللوا أمام قدميك!
نعم،وكانوا لك العبيد الطائعين،
والخدم الأمناء،والتبع الأذلاء!
فأجبت طلاب قوم، وخيّبت آخرين.
فاسزادك الأوّلون،وانتحب أسفاً عليك الآخرون!
إيه ،إيه!و من تكون أنت يا مال؟
أنبيّ أنت؟
كلا، ما أنت بالنبيّ…
بل أنت أعظم من نبيّ!
الأنبياء،يا مال، عشرات و مئات،
منهم جاءوا هذه الأرض ومضوا كما جاؤوا،
مخفقين فاشلين،
يندبون ضياع الوقت،وفناء المجهود.
جاؤوا،يا مال،ومضوا كما جاؤوا،
ولما يستطيعوا جمع الشعوب تحت راية واحدة،وعلم واحد!
أما أنت،أيّها (السيال) العجيب،
فلقد جمعتهم إليك كما تجمع الدجاجة فراخها،
وأنت جالس على عرشك السحريّ دون أن تنبس ببنت شفة،
ودون أن تبدي حراكاً،
بل ودون أن تأبه أيروق الناس بطنك أم ظهرك،
وجهك أم قفاك!
جمعتهم،يا مال تحت رايتك المادية.
فما هي إلاّ هنيهة وتمرّ…
حتى كانوا وهم المتوحدو المذاهب،
المتفقو المشارب،والمتقاربو الأهداف!
وما هي إلا هنيهة وتمر…
حتى كانوا وهم الركع السجود،
المتمرغون بالأوحال،المتعفرون بالتراب،المقبّلون للنعال!
وما هي إلا هنيهة وتمر…
حتى كانوا وهم الكافرون بنعمة الرحمن،
المتشبثون بنقمة الشيطان!
وما هي إلاّ هنيهة و تمر…
حتى كانوا وهم العبدان الأرقاء،
وأنت السيد البطل،
المتربع على عرشك العجيب،
مدمدماً دمدمة السعالي،
مقهقهاً قهقهة العفاريت!
أجل،أجل،يا مال!
ما أنت نبيّ،بل إله!
أجل،أنت هو-وليس غيرك-
إله هذه الكرة…هذه الأرض!
أي نذير البلايا،ومنبع الرزايا، وينبوع الخطايا! لقد انتصرت.
وكان انتصارك أن ربحت المعركة على طول الخط،
وإلى يوم يبعثون.
انتصرت يا مال!…
ومن ثمّ-ليت الله يحجب حياتك-احتجبت.
وأخذت ترقب تمام المأساة،من وراء الحجاب،
بهدوء و أمان،وفرح واطمئنان.
يا للبشرية ! ما اتعسها وأشقاها بك،يا مال،
إذ تخطت محجة الصواب،إلى القفر اليباب،
وأنت بقيت حيث أنت،
تنشد أناشيد الفوز والنصر،
وتردفها بقهقهات أشبه بعواء الذئاب،
ونشيج بنات الليل.
أجل،وكم من مآس مثّلت على مسرحك،يا مال!
الألم المرير،والثكل الفاجع،والأمل المخفق،
والحزن القاتل،والندم الصريع،والأسى المتلظّي،
والشك الباهت،واليأس الممضّ،
والتشاؤم الساهم،والتطيّر الحائر…
كل هذه المآسي ما كانت لولاك،يا مال.
كم من والدة ثكلت وحيدها!
وكم من أخ صرع أخاه!
وكم من صديق جفا صديقه!
بل،وكم من عدوّ تقرّب إلى عدوّه!
وكم من عشيقة هجرت عشيقها،
وحبيب تناسى حبيبته!
وكم من والد قذف ولده،
وولد هجر أباه!
بل وكم من غادة لعوب أسرتها بصفرتك الوهّاجة،
فباعت نفسها لأجلك،
كما تباع السائمة في سوق المزاد!
نعم،وكم من قبلة طبعتها امرأة فقيرة حسناءعلى فم نتن موبوء فظيع الرائحة طمعاً بك!
بل و كم من أسنان صفراء كريهة
تعافها خنازير الفلاة وجعلانها
قبلتها غادة طريرة وهي تمسك أنفاسها،
وتكاد تقذف بأحشائها…كي تنال بعضاً منك!…
نعم.وكم أهرق في حندس الليل من دموع،
وأريق في وضح النهار من دماء!
كم أنّات! كم آهات! كم زفرات!
كم نفثات! كم عبرات! كم حرقات!…
أنّات اليتامى،وآهات الأيامى!
زفرات المساكين،ونفثات البائسين!
عبرات اليائسين،وحرقات الموؤودين!
كم و كم!…
وكم من عواطف ونزعات، و ميول ورغبات،
وأماني ونزوات،وأهداف واتجاهات…
فاضت أرواحها حسرة وأسى بين يديك،
وبقيت على الأرض أشلاء ممزقة لا حركة فيها ولا سكون!
فأخذت أنت تهزأ من فيضان الأرواح، وتمزيق الأشلاء،
دون أن تذرّ لك عين، أو يخفق فيك فؤاد.
آه…وليتك اكتفيت بأن تظلّ الميول مستقلة،
والرغبات مفرّدة…
بل أخذت-يا ويحك!-تمزج العناصر،
وتجعل من البسيط مركباً،ومن الفرد مجموعاً.
أخذت تسلّط هذه الميول والرغبات على بعضها البعض،
فأغار القويّ على الضعيف،
وتواطأ الغنيّ على الفقير،
وتآمر الوصيّ على اليتيم،
وهزئ العالم بالجاهل،
والذكي بالغبي،والعاقل بالمجنون.
وكان من جرّاء ذلك،يا مال،
ضحك وبكاء،ويأس ورجاء، وسعادة وشقاء!
وكان الراقد على الفراش الوثير،والسندس الحرير،
والملقى في عرض الشوارع،
تلهب جسده العاري سياط الرعود القاصفة،
وتسفع وجهه الهزيل خناجر الريح الهزيم!
وكان ذو الحسب والنسب،وذو المال والولد.
وكان ذو المرارة المفطور، والكبد المصهورة، والقلب الكسير.
وكان الشامخ بأنفه،والسائر على الأرض مرحاً،والمختال الفخور.
وكان الوضيع الخامل،والخائف المتواري، والمسالم الحزين.
وكان،وكان…مما نعرف وممّا لا نعرف،يا مال!
أجل،يا مال!
ولولاك ما كان خديعة وهوان، ولفّ ودوران!
لولاك لما كان طعن وقتال،وصراع ونزال!
لولاك لما كان بؤس وشقاء،وكذب ورياء!
لولاك لما كان معاص وخطايا،وأرزاء وبلايا!
لولاك لما كان تنافر وشحناء،وحقد وبغضاء!
نعم،ولولاك لما كانت بدايتنا نهاية، ونهايتنا بداية!…
نعم،نعم،ولولاك لما كان ما كان.
ويك، يا بادرة النحس، وطالع الشؤم!
كفاك،كفاك!
ألق مرساتك،وقف دورانك.
ألم يحن للمأساة أن تنتهي،
و للبشر أن يخلصوا ممّا منك يلاقون؟
آه! يا مال!
في سبيلك خرّت صروح،ودكّت حصون!
وتحت موطئ قدميك تدحرجت تيجان،وتطايرت أذقان!
وعلى مذبحك زهقت أرواح،وطاحت رؤوس!
وبين سراديب هيكلك تدحرجت عمائم،وتناثرت قلانس!
نعم،نعم…وتحت أروقة جهنمك
صهرت أكباد،وتحرّقت قلوب!
نعم، وطيّ هزيم رياحك،
تمايلت مفاصل،وتقطعت أوصال.
نعم،نعم…وأنت ما زلت حيث أنت،
لا ترتوي من ظماء،ولا تشبع من جوع!
أجل،يا مال!
أنت ما تزال حيث أنت!
بك بطل الحق،وحق الباطل!
بل،بك فضلت الرذيلة،ورذلت الفضيلة!
وبك فحش الطهر، وطهر الفحش!
نعم، و بك انتفخ الوهم فصار حقيقة،
وتقلّصت الحقيقة فصارت وهماً!
نعم، بك، ضخمت السخافة فصارت حكمة،
وضمرت الحكمة فصارت سخافة!
نعم، يا مال، نعم.
بك ساد اللئيم وذلّ الكريم!
إيه! وبك تأخر الشجاع،وتقدم الجبان!
نعم،نعم…وبك فشل الفائز،وفاز الفاشل!
وبك انتصر المبطل،وانكسر المحق!
إي،إي…وبك جهل العالم،وعلم الجاهل!
وبك ساد العبد واستعبد السيد!
نعم، وبك اشتهر فرد، وخمل ألوف!…
نعم،يا مال،نعم!
وبك انخفضت رؤوس،وارتفعت أقدام!
وبك،يا مال،وبك…
تناكر المعارف، وتعارف الأضداد!
وبك خفيت الظاهر، وظهرت الخفايا!
إي،إي… وبك صار ما لا يصير،وكان ما لا يكون!
أفّ لك ما أغشمك! وما أقساك!وما أكربك!وما أبلاك!
أبعد عنّي!
فما أنا بالمطيق النظر إلى هذا الوجه المتكسّر البشع،
تبرز منه فروع أسنانك السنديانية التكوين،
وكأنها جبابرة الأجيال المنصصرمة التي تلقي الرعب العنيف
في قلوب هرقل،وشمشون،وعنترة الفرسان،
لو قدّر ورجعوا إلى عالم الدنيا!
ويك!…
من لي حتى أحطمك تحطيماً، وأسحقك سحقاً،
وأدعك تحت موطئ قدميّ هباءة حقيرة
تدوسها النعال،وتذورها الرياح…
من لي؟ هل من يساعدني على ذلك من بني البشر؟
مساكين بنو البشر،يا مال!
إنّ فيهم المنقطع النائي، والغريب المحزون،
والمتشرد الجائع، والمستهتر المجنون،والموتور الثاكل.
وفيهم الجشع الطمّاع،والآمال الطموع،
والبخيل الكز،والوجل الجبان،والتزمت الحريص.
وفيهم الفتان المغري،والعاشق الولهان،
والشيخ المتصابي،والحكيم المتغابي.
وفيهم كثير،يا مال!
فهل في مقدور واحد أن يجمع بين هذه الميول المتباينة،
والنزعات المتنافرة،والاتجاهات المتباعدة،
فيساعدني على تحقيق أمنيتيّ بتحطيمك تحطيماً،
و سحقك سحقاً،ثم محقك محقاً؟!
نعم يوجد واحد في مقدوره ذلك:
هو أنت،يا مال، أنت لا غيرك!
فافن من هذه الأرض وتلاش،
يحلّ الهدوء محلّ الصخب،والسعادة محلّ الشقاء.
أفهمت الآن؟
لماذا لا تنتحر،إذن،
وتريح الناس من غوائل شرّك وأحابيل مكرك؟
كلا،كلا.
إنك أضنّ بنفسك من أن تقدم على قتلها.
وإن فطرتك أبعد من أن تتنازل عمّا جبلت عليه
من حب الهزء من البشر والاستخفاف بهم.
نعم،أنت جبلت على أن تهزأ بالمساكين،
وترقص على أشلاء البائسين،ثم تعصف باليائسين…
ولن يأتي الوقت الذي ستزول فيه عن وجه هذه البسيطة
حتى تتوحّد ميول البشر ونزعاتهم،
فيتناسوك ويجعلوك موطئ النعال…
حينذاك-وحينذاك فقط-
تقدم،يا مال،على الإنتحار مكرهاً،
فيستريح البشر من كيدك ومكرك،وتنتهي المأساة.
أجل.ولكن متى تنتهي المأساة،متى؟
إنها أحلام،بل هي عين الأوهام!
يا مال،يا مال!…
عيون كثيرة مطبقة أجفانها تحت الثرى.
وستبقى كذاك،أبد الدهر في سبيلك وبسببك!
آه!..وكم ستغمض يدك المرعبة
من عيون نعساء مكحولة،دون ما رحمة ولا إشفاق!
أوّاه!..أيّها المتحكم برقاب العباد،
منذ وجد الكون حتى الساعة وإلى انقضاء الدهر،
أشح بوجهك عنّي،
فما أنا من المؤمنين بك.
وسأظلّ محتقرك مزدريك،
حتى ساعة انتهاء أجلي،وانطفاء حياتي!
القدس في 5 يناير سنة 1935 داهش من كتابه” القلب المحطّم”
العودة إلى البشر وضاعتُهم وشرورُهم
المال والله
عندما صممت أن أقوم برحلة حول العالم، ذهبت إلى شركة الطيران وقلت لها:
-إذا منحتني تذكرة سفر مجانية فإن الله سيزيد دخل الشركة.فنظر إليّ المدير نظرة تهكمية،وقال لي:
-ليس عندنا وقت نضيّعه،فادفع تجد دفتراً يخوّلك القيام برحلة ترى فيها الكرة الأرضية بأسرها.
واضطررت أن أدفع،لأن اسم الله لم يكن جوازاً صالحاً لمنحي دفتراً مجانياً. وكانت أول مدينة نزلت فيها روما.
وعندما غادرت فندق الهلتون الذي نزلته عند وصولي إلى روما،قلت للمسؤول:
-إن الله سيعوّضكم أضعافاً إذا لم تتقاضوا مني أجرة منامي.فقال لي:
-الوقت لا يسمح لي بمبادلتك المزاح،فادفع وارحل.
فدفعت صاغراً ثم رحلت.
وفي مدينة نابولي ابتعت سلعة من متجر كبير، وقلت لمن باعنيها:
-أنا مؤمن بالله فلا تأخذ ثمنها منّي.
أجابني:
-آمن بالله أو بالشيطان، فهذا أمر يخصك.أما ثمن السلعة فيخصني.
فدفعت الثمن و خرجت.
وفي باريس أعجبت بلوحة زيتية،وقلت لصاحب المتجر:
-حلمت أن الله قال لي أن لا أدفع لك ثمنها،إذ يجب أن تهبني إيّاها مجاناً، فيكافئك الله على عملك.
فأجابني:
-انا لا يهمني ما قاله الله لك/وما يهمني هو قبض ثمن لوحتي.أما مكافأته لي فأنا بغنى عنها لأنها وهمية وسفسطة كلامية.
فأجبرت على ان أدفع له وأهرول خارجاً.
وفي بلجيكا استبد بي العطش الشديد، فشربت زجاجة من عصير البرتقال، وقلت لصاحبة متجر المبردات:
-لقد نسيت محفظتي في الفندق فسامحيني بالزجاجة التي شربتها بوجه الله.
فاستشاطت غضباً وقالت :
-لن تغادر مكانك قبل أن تدفع ثمن ما شربته.
أما وجه الله فدعه لك لترى وجهك فيه كالمرآة.أما أنا فدعني أشاهد وجه الفرنك،فهو انفع لي من وجه إلهك المزيّف.
وفي أمستردام-هولندا-تناولت طعام الصباح بأحد مطاعم المدينة.
وعندما نهضت لأخرج مثلت دوراً، إذ جعلت أبحث في جيوبي ثمأخرجها فارغة.
وقلت لمن أحضر لي الطعام:-لقد فقدت محفظتي،فتأكيداً لوصية السيد المسيح الذي قال”إن جاء عدوّك فأطعمه،وإن عطش فأسقيه”،وأنا لست عدواً لك:وأنت تدين بدين المسيح، فتنفيذاً لوصيته تجاوز عن ثمن الغذاء.
فأجابني:
-ولكنك ستجد محفظة نقودك في السجن.
فقلت له:
-هل هذا هو تكريمك لكلام مسيحك؟
أجابني:
-أنا أكرّم الدينار لا المسيح، وجميع أبناء البشر مثلي،فنحن متساوون.
وفي ديسلدورف-ألمانيا-لم أجد مكاناً في أي فندق ذهبت إليه لأن معرض المطابع الدولي كان معقوداً آنذاك .وقد وجد لي مكتب الإستعلامات مكاناً أنزل فيه عند عائلة.
فمكثت عندهم ثلاثة أيام.وعند انقضائها قلت لرب المنزل:
-إن الله أمر بإكرام الغريب.فتنفيذاً لوصيته الإلهية،وتكريماً لأقواله السرمدية،أطلب أن تعفيني من أجرة الغرفة،وعند عودتي إلى بلادي أسدد لك الحساب.
وإذ ذاك احمرّت عيناه وانتفخت أوداجه،وكاد أن يلقيني من النافذة. وقال لي:
-حقائبك عندي حتى تدفع لي إستحقاقي.أما خرافة الله فنحن اليوم في القرن العشرين.وكلامك كان يصدق في العصور المظلمة لا اليوم. إذ إننا نعيش في عصر العلم، عصر النور والمعرفة.
وفي كوبنهاكن -الدانمارك- قصصت شعري و قلت للمزيّن:
-ما هي ديانتك ؟ أجابني:
-مسيحي.
قلت له :
-المسيح قال”من أخذ رداءك فأعطه أيضاً قبعتك”.لهذا أطلب منك أن لا تأخذ ثمن إصلاحك لشعري.
أجابني:
-أنت ومسيحك أغربا عني،بعد أن تريني وجه الكرنات العشرين أجرة عملي.
وفي هلسنكي –فنلندا-ركبت الباخرة النهرية، وقمت فيها مع سواي من السياح بنزهة حول الجزر الفنلندية.وقبل أن أدخل الباخرة قلت لقاطع التذاكر أن يعفيني من دفع ثمن التذكرة لأن الله يحب عمل الخير.فقال لي:
-نحن الغربيين عمليون.أما أنتم الشرقيون فخياليون فادفع أو دع الله يدفع عنك.
وفي ستوكهولم بآسوج أحببت أن أقوم برحلة في أوتوبيس مع غيري من السياح إلى الكرة الآسوجية.
وقلت للشركة المولجة بإعطاء التذاكر أن تهبني تذكرة مجانية تخوّلني القيام بهذه الرحلة.وأكملت-أن الله لا يضيّع أجر المحسنين.
فأجابني المسؤول:
-أنا لا أؤمن بالله أو بالشيطان،فكلاهما عندي سيّان.فإذا كنت مؤمناًبأحدهمافدعه يعطيك تذكرة الرحلة،وإلاّ فدعنا نرى عرض أكتافك.
وعند ذاك نقدته ثمن التذكرة.فابتسم وقال لي:
-هذا هو الله الذي يعرفه أهل هذا العصر،أما الله الذي تعنيه فقد دفنه العلم ولن تقوم له بعد اليوم قائمة.
وبعد غد سأذهب إلى أوسلو بالناروج،ثم اغادرها بعد أيام إلى لندن،ثم إلى النمسا،وأخيراً إلى اليونان.
ولكنّي لن أجرّب ما جرّبته في العواصم التي ذكرتها لأن الأجوبة ستكون واحدة.
فيا أيها الدينار،
يا صاحب المجد والقوة والإقتدار،
يا صاحب المقدرة الفذّة العجيبة،
يا من يحبك جميع سكان الكرة الأرضية.
لقد تفوقت على الخالق تجاه الخلائق.
فالخالق قد خلقك فتعاظمت عليه…ونجحت.
وهنا أعجوبة الكون الكبرى.
أمخلوق ويتفوق على الخالق فيتمسك به الجميع،ويطلبه الجميع، ويتوسّل إليه الجميع،ويعبدونه دون الله؟!
والشعوب تراها تزحف حيث يكون ،ضارعة إليه أن يزورها لتتبارك به، وملوك الأرض يطلبونه بشوق عظيم!
وحكام المعمورة يلجّون في طلبه،ودكتاتور ودنيانا يقلبون الأرض ويقبّلونها في سبيل الحصول عليه!
وغيد هذه الدنيا وصباياها، وأجمل الجميلات فيها يبذلن ما حباهنّ الله به من جمال في سبيل الحصول على بعضه!
فالخالق فشل من حيث انتصرت أنت!
أتوجد قوة تعلة قوة هذا الدينار الجالس على عرش القوة والإقتدار.
إن الله أصبح عند البشر مجهولاً،والدينار أصبح هو المعروف والمعترف به.
إن هذا إلا للغز عجيب غريب لا يستطيع أي مخلوق بشري أن يفك طلاسمه ويرفع الأختام عن رموزه ليهتك أسراره.
إن مخترعك أيها النضار إن هو إلا الشيطان الرجيم بعينه. لقد أوجدك ليوجد الشر في الدنيا.
أوجدك لتعم الخطايا،وتعظم الرزايا،وتطغى البلايا.
أوجدك كسلاح يحارب به الله عز و جل،وقد نجح هذا الشيطان الأثيم.
فالبشر قد عبدوا النضار، وتخلّوا عن الله خالق الليل والنهار.
أوجدك ليوجد الشقاق،وليعمّ الكذب ويعظم النفاق.
أوجدك ليضمّ كل أهل الكرة الأرضية إلى جهنمه المتقدة بالنيران ذات التأجج الأبدي.
فيا لله!يا خالق الاكوان،وموجد العوالم المعروفة والمجهولة!
أما آن لقدرتك الإلهية أن تبطش بهذا المال الأثيم؟
فببطشك به تكون قد بطشت بإبليس اللعين.
إن صبرك،يا الله،هو عظيم وعظيم جداً.
فعندما ترغب إرادتك الإلهية أن تنهي سلطة المال في أرضنا الشقية بوجوده، إذ ذاك يعمّ الصلاح أهل الأرض.
وعوض أن يضمهم إبليس إلى مملكته الجهنمية المتأججة بالنيران الخالدة الأبدية، تستضيفهم السماء في جناتها العجيبة ذات البهجات السرمدية.
مدينة أوبالا الأسوجية،في 18/6/1972
الساعة الثانية بعد الظهر
العودة إلى البشر وضاعتُهم وشرورُهم
شجرةُ معرفة الخير والشر
حلمتُ أنني أرتعُ في جنة دانية قطوفها
ورائعة أزهارُها،
وباسقة أشجارُها،
وصادحة أطيارُها،
وعذبة أنهارُها،
ومُذهِلٍ ليلُها ونهارُها!
وسرتُ بين الورود والرياحين،
والأضاليا والنسرين،
والبنفسج والياسمين!..
وكان الفراش يُحَوِّم حول هذه الأزهار
وهو مُوَشَى بألوانٍ عجيبة تُذهلُ من يراها.
وفجأةً شاهدتُ شجرةً عجيبة
غضّة الأغصان،
باسقةَ الأفنان.
وراعني منها آلافُ من الأثمار المتنوعة،
كلٌّ منها شهي.
فدنوتُ منها،
وكانت مثقلةً بما تحملُه من القواكه اللذيذة
وذهلتُ إذا شاهدتُ أن كل ثمرة
ينبثقُ منها خيطٌ نورانيّ
ممتدٌّ بصورة لا نهائية،
ووجهتُه كُرتُنا الأرضية.
وكانت آلافٌ من السيالات
تجوبُ هذه الحديقة العجيبة الغريبة،
وكل منها يتذوَّق ثمرةً منها.
تملكتني حيرةٌ شديدة!..
وفجأةً، دوّى صوتٌ رهيبٌ مُهيب،
قائلاً لي:
إن كل سيال يتذوَّق من هذه الثمار
هو تابعٌ لمخلوقٍ بشري يعيش في (دنيا الأرض)
حيث أنتَ تعيش أيضًا.
فإذا تذوقَ السيال ثمرةً لذيذة
أثر مذاقُها في الشخص الموجود بدنياكم.
وبعكس هذا إذا تذوَّق السيالُ ثمرةً ما
لا تحتوي سيالاً علويًّا،
فإنه يُؤثر بالسيال الموجود في عالم الأرض
فيرتكب الشخصُ عملاً غير شريف يدعه يسقط؛
وما سقوطه إلا بسبب تذوّق السيّال لثمرة من الممنوعات
وهكذا الشخص الموجود في عالم الأرض
باستطاعته أن يدع السيال الموجود في هذا العالم
يرتقي أو يسقط بواسطة أعماله.
وصمتَ الصوت.
وكانت السيالات منهمكة بتناول شتى أنواع الثمار
من ممنوعة وغير ممنوعة…
وفجأة، اقترب مني سيالٌ قال لي:
أنا سيّالٌ منك،
فلو تزوّجت لكنتُ ابنتكَ،
ولكنتُ ارتكبتُ آثام اللذَّات المحرَّمة،
فحسنًا فعلتَ بعدم زواجكَ،
إذْ منعتني من السقوط،
وهذا ما أشكرُك عليه.
ثم اقترب مني ثلاثة سيالات أخرى، وقالت لي:
نحن أبناؤك أيضًا الغير المجسَّدين،
لأنَّك لم تتزوَّج.
1971
الكونتينار وصناديقه ال25
وارتجفت ذرات الكونتينار(1) من شدة البرد و الصقيع، وكذلك الصناديق الفارغة التي أخرجت في شهر نيسان 1976 من داخله، وهي الصناديق التي كانت مملوءة بشتى أنواع السلع و البضائع الثمينة التي شحنتها فوت بخمسمئة صندوق وضعت في عشرين كونتينار ضخم، إذ إن كل كونتينار يستوعب 25 صندوقاً خشبياً مفعماً بالسلع النادرة.
قلت إن ذرات الكونتينار كانت ترتجف لشدة برد الولايات المتحدة الأميركية وثلوجها المنهمرة. وكان الكونتينار و كذلك الصناديق الخشبية الأخرى مأخوذة من أشجار جبال لبنان.
ولبنان مهما اشتد برده وهطلت ثلوجه فإن برده لا يصبح قارساً كبرد الولايات المتحدة الأميركية الذي يخترق حتى العظام. فأنت ترى نساءها و رجالها و أطفالها في فصل الشتاء يرتدون الثياب الصوفية السميكة، و يتدثرون بمعاطف من الفرو، و ينتعلون أحذية مستطيلة من الجلد الثخين اتقاء للبرد القاتل. كما ترى على أعناقهم شالات من الصوف يلفونها على رقابهم و آذانهم و نصف وجودهم اتقاء للذعات البرد المبيد الذي يعصف بالإنسان والجماد.
واصطكت ذرات الكونتينار وتأوه قائلاً:
-يا للبرد الهائل! لقد تخلل ذراتي ففكها تفكيكاً، فتلاشت عزيمتي وخارت قواي. واضمحلت إرادتي، و فنيت سيالاتي لهذا الصقيع الهائل الذي يتساوى مع برد أصقاع الروسية! فيا الله! ماذا ارتكبت حتى زماني زماني بهذه المدينة الأميركية المغمورة من قمة رأسها حتى أخمص قدميها بثلوج ناصعة أبدية الصقيع.
ولشدة برودة الموت التي تمكنت منه بكى. لكن قطرات دموعه تجمدت بمحاجر مسامه إذ أصبحت جليداً. فتململ صارخاً:
-النجدة منك يا خالقي الأكوان طراً.
وتمنى لو يستطيع السير، إاً لسابق الزمان بالفرار إلى كهف عميق يتغلغل في أغواره ليقيه غائلة هذا البرد الكافر.
وأشفقت عليه الشجرة التي ألقي تحتها، و كانت أغصانها مثقلة بالثلوج عوضاً عن أثمار الصيف. فحدثته قائلة:
-إنني أشكر الثلوج التي أنطقتك أيها الصندوق الخشبي الهائل الحجم. فأنت ملقى منذ أشهر تحت أغصاني، إذ إنك أفرغت من صناديقك ال25 منذ شهر نيسان 1976. وبعد أن اخرج ما بداخل كل صندوق منها ألقوكم في هذه الساحة، فأصبحتم كمية مهملة لا شأن لكم. بينما عندما احتاجوا إليكم دفعوا بك وبالصناديق التي كنت تحتوي عليها مبالغ محترمة ثمناً لأخشاكم، و أضافوا مبلغاً آخر لنجار الذي ثبت أضلاعكم وجمعها، فأصبحتم صناديق جاهزة لملئها بالكنوز و اللوحات النادرة. وبعدما أفرغوكم من تلك الكنوز المدهشة ألقوكم خارجاً، فإذا بكم تتساوون مع الليمونة التي تعصر ثم تلقى في تنكة النفايات. وقد مضت أشهر الصيف الطويلة وأنت أيها الصندوق الضخم و أبناؤك ال25 تنعمون بطقس رائع، تستظلون بظلي وبظل شقائي من الأشجار العديدة في هذه الحديقة العامرة بالأزهار في شهر أيار الربيعي الفاتن . و لو لم يدهمكم الشتاء الغزير فالثلج المبيد ببرودته لما تكلمت ولما سمعت صوتك.
والآن بحكم الجوار أصبحت من رعاياي. فأنت في أرضي التي ولدت فيها وعشت بين أحضانها، و تذوقت لذة شمسها الساطعة ولياليها المقمرة، كما لفحتني لذعات ثلوجها الباردة وصقيعها المبيد. و كل شيء وما تعود عليه. فقد تعودت على ثلوج المدينة الأميركية، و برد صقيعها لا يضيرني مثلك، فذراتي اكتسبت مناعة ضد الصقيع، فقد ألفته وألفني.
فماذا تريدني أن أساعدك وأساعد أبناء الصناديق ال25؟
وعلا صوت الصندوق الضخم وهو يستحلف الشجرة التي تثقل أغصانها الثلوج العامرة: قائلاً لها:
-رحماك رحماك. هل باستطاعتك أن تنقذيني أيتها الشجرة المتسامقة؟
-رويدك أيها الصندوق، و إيّاك أن تفقد صبرك، فإني سأبذل جهد استطاعتي لمساعدتك وإزالة كربك و إنقاذك من ضيقك. فصديقك يوم الضيق هو صديقك، وصديقك من صدقك لا من صدقك.
وأرسلت الشجرة الجبارة نداءها إلى الغابة التي فيها مجموعة هائلة من الأشجار الشامخة الذرى، واستحلفها بأثمارها التي ستزورها في فصل الصيف المقبل، و هي تنتظرها تكلل أغصانها في هذا الفصل البهيج، قائلة للأشجار:
-لقد استحلفتكم بأعز شيء تكنون له حباً عارماً. و بما أنكم تختزنون في جذوعكم وفروعكم و أغصانكم كمية لا بأس بها من حرارة شمس الصيف المتأججة لتقوا أنفسكم من صقيع فصل الشتاء، لهذا أطلب منكم أن يتنازل كل منكم عن جزء من هذه الحرارة المختزنة، و أنا أول من يبدأ بهذا، و نرسل هذا الإشعاع ونوزعه على الصندوق الضخم أي –الكونتينيار- والصناديق ال25.
ودبت الحماسة في أعصاب الأشجار المنتثرة والمنتشرة في الغاب الفسيح، ونفثت جزءاً مما تختزنه من الحرارة، فأحاطت الصناديق بها. وكان كل من هذه الصناديق يحمل هرماً من الثلوج على ظهره وجوانبه، فإذا بهذه الحرارة تذيب تلك الثلوج المتراكمة، فتسيل ماء يغسل الأرض.
ةدبت الحياة في الصناديق، فارتفعت أدعية الشكر و العرفان بالجميل من الصناديق جمعاء.
وطرب الكونتينيار، و كذلك الصناديق المنتشرة بجواره. وقال الصندوق الضخم للشجرة:
-إن أنت إلا شجرة مباركة و لا شك أن النبي صلعم قد عناك بالآية التي قال فيها:”شجرة مباركة…لا شرقية ولا غربية الخ”.
فماذا تريدينني أن أكافئك أيتها الصديقة العزيزة، يا من قطعنا الاف الأميال من شرقنا حتى التقينا بك في الغرب، فتآخينا.
-أود أن تعلمني أيها الصندوق ناذا استرعى انتباهك و انت محمول بالطائرة النفاثة التي قطعت بك المحيط الأطلنتيكي حتى وصلت أخيراً من بيروت إلى الولايات المتحدة الأميركية.
-سمعاً وطاعة. عندما كانت الطائرة تقطع بي المسافات الشاسعة،وهي على ارتفاع 309 ألف قدم، استرعى سمعي حديث قائد الطائرة وهو يحدث زميله المساعد عن تلهفه لأن يصبح يوماً ما ثرياً،إذ قال له: يقولون بأنه يوجد إله، وما هم إلا مجانين. فالله هو المال و المال فقط. و الدليل على ذلك أنه لو عاد سقراط أو أفلاطون او أرسطو، و كان هؤلاء الثلاثة العظماء مفلسين-لا تحوي جيوبهم الباردة الفرد-أكان مخلوق ما يأبه بهم و بفلسفتهم و بحديثهم عن الفضيلة وخلق مجتمع فاضل-مثلما فكّر أفلاطون بخلق مدينته الفاضلة-لا شك في أن الجميع، دونما جدال كانوا سيعلنون أن هؤلاء ليسوا ألا حمقى ومقرهم مستشفى المجانين.
وأكمل قائلاً لزميله:
-أنا و أنت نشاهد أشخاصاً تفضّل عليهم فجلة ولكنهم أثرياء، و إذا الجميع يحترمونهم و يبجلونهم، و يحنون جباههم أمامهم، و يسترضونهم. وما ذلك إلا لثرائهم. فلا تحدثني يا صديقي بالخالق وخلائقه، بل حدثني بالمال ومفعوله وما تستطيع أن تحصل عليه من اللذاذت بواسطته.
وهنا أخرج هذا القائد جنيهاً ذهبياً، و قبّله بطناً لظهر، ثم وضعه على جبينه علامة الاستسلام لسلطانه القاهر.
فوجمت أنا الصندوق الخشبي و تمنيت لو ينفصل عني لوح ما ويرتطم بفمه ليسقط له أسنانه، و ليقضم له لسانه الجاحد و الكافر بخالقه وخالقي. ولكن ما باليد حيلة. فعيني الخفية بصيرة، و يدي الخفية كذلك قصيرة. و أمري لله. فأنا بأعمالي في أدواري السابقة استحقيت تقمصي الحالي فكنت خشباً مقتطعاً من شجرة. فلأصمت، إذ إن حديثي لن يجدني نفعاً، و لا يستطيع أن يغير أمراً. ولو أحببت أن أغيّره فلن أكون إلا فاشلاً. وهذا ما عذبني و أحزنني الحزن كله.
وهنا قالت الشجرة:
-إذاً أنت تعرف عن التقمص و الأدوار السابقة و الاستحقاقات التي تجعل المرء أو الجماد يتقمص مراراً و تكراراً بالشكل الذي أوصل نفسه إليه، فيتقمص حيناً أسداً، و حيناً آخر فأراً، وآونة شجرة وأخرى إنساناً سوياً. ولذا سأعلمك أمراً تجهله، و ستسر من معرفتك إيّاه.
-بربك أعلميني ما هو أيتها الشجرة العزيزة،فقد شوقتني إلى سماعه. وهاءنذا بذراتي آذان صاغية لما ستنبئيني عنه.
وعندما حاولت الشجرة أن تتكلم شاهدت- وكذلك الصندوق الضخم و الصناديق ال25- سنجاباً بنياً، وهو يرتجف من هول البرد الصاعق.فارتقى الشجرة حتى وصل إلى منتصفها حيث كانت فجوة عميقة دخلها مسرعاً لتقيه برد الثلج المتساقط بغزارة. وكان هذا السنجاب الذكيّ قد احتفر هذه الفجوة بمخالبه، في فصل الصيف، لتقيه برد فصل الثلوج المهرئة للأجسام.
حينئذ بعثت الشجرة قبساً من دفء شمس الصيف الذي اختزنته في جذعها وفروعها، و إذا بالسنجاب يزول الارتجاف عنه فينام ملء جفنيه.
وقالت الشجرة:
-الآن سأقص عليك ما وعدتك به أيها الصندوق.
وكانت الصناديق ال25 مرهفة آذانها الخفية لتسمع أقوال الشجرة.
-إعلم أيها الصندوق الضخم وأنتم أيها الصناديق أبناؤه، أن مجيئكم إلى أميركا لم يتم بطريق الصدفة، على الإطلاق فأنتم أنا وأنا أنتم إذ إن سيالكم هو سيالي و سيالي هو سيالكم. قد أوصلتم أنفسكم لكي تأتوا إلى هنا، وتجتمعوا بي وإلا لما كنتم تستظلون أغصاني، و لما تم لقائي بكم. وهذا اللقاء أفرحني كما سيفرحكم، الآن، بعدما فضضت لكم مغاليق هذا السر المكنون.
ومثلما أن أبناء البشر قاطبة هم أبناء آدم وحواء الأساسيين، هكذا سيالنا نحن الأشجار و الأخشاب المشتقة من الأشجار. فمهما اختلفت أنواع الأشجار وأحجامها فنحن نرجع لسيال واحد مثلما يرجع سيال البشر لآدم و حواء.
ومثلما توجد متعددة وقبائل مختلفة متغايرة، و مثلما توجد أمم عديدة كالصينيين و الهنود و العرب و اليابانيين و الإنكليز و الأفرنسيين و الاميركيين و الأفريقيين، و مرجعهم آدم وحواء-هكذا نحن الأشجار سواء أكنا نحمل بلوطاً أم تفاحاً أم إجاصاً أن برتقالاً الخ…فسيالنا الأساسي واحد. وقد اتخذ كل منا نوعاً من انواع الشجر بالنسبة لأعماله في أدواره السابقة، سواء كنا بمدينة واحدة أو في عواصم وقارات تفصلنا بعضاً عن بعض الآف الأميال.
فلنمجد الله خالقنا وخالق كل ما هو معروف ومجهول. فأفهامنا وأفهام أعظم الفلاسفة والمفكرين الذين زاروا كوكب الأرض ثم تواروا عنها دون أن يعرفوا الغاية من فلسفة الحياة والموت- لأعجز من أن تدرك حكمة الله الأزلية.
وعندما رغبت الشجرة بإتمام حديثها برزن أولى خيوط الشمس،إذ إن فجر هذا اليوم كان خالياًمن الأمطار والثلوج، فمليكة النهار ابتدأت تبزغ مبشرة بيوم سماؤه صافية ودفؤه لذيذ.
فقالت الشجرة:
-أودعك يا أخي الصندوق، كما أودعكم أيها الأعزاء ال25 المشتقون من سيالي. إني لا أستطيع التحدث بعدما أرسلت الشمس أنوارها الساطعة،إذ إنها ابتدأت بنقل أعمال البشر وأحاديثهم، و كذلك الجماد، و هي تختزن ما تصوره من أعمال وما تسجله عن أقوال ليكون شاهداً على الجميع عندما يأتي اليوم الذي يقدم فيه كل مخلوق حساباً عن أعماله فيتقمص إذ ذاك حسب استحقاقه كإنسان أو حيوان أو شجرة أو حشرة وعند ذاك تستبد به حسرة وأية حسرة.
وفي أثناء ذهابي إلى تلك المدينة الأميركية مررت أمام الصناديق،فدهشت إذ كنت قد شاهدتها يوم الأمس، وكان خشبها على وشك التفكك، بينما أراها اليوم وقد تجددت أخشابها! فقلت إن هذا إلا خدع نظر!
الولايات المتحدة الأميركية
الساعة 11وربع من ليل 21/2/1977
الشجرة المشطورة لقسمين
قالت الشجرة تخاطب نفسها :
انّ أغصاني تظلّل هذا الكوتتج ، والهواء يتخلّل أفناني فيداعبها ، واذا هي تهتزّ ذات اليمين وذات اليسار ، فتسرّ ، اذ ذاك ، عيون الناظرين من نوافذ هذا الكوتتج اليها وهي تتمايل .
كما أن الطيور الصادحة تقف على أغصاني وتشنّف الآذان بشدوها المبدع . وفي فصل الربيع تكتسي الغابة بأعشاب سندسيّة تتخلّلها أزهار بريّة ذات ألوان عسجديّة تبهج النواظر . والنسيم العليل يعزف على الأغصان أنغاما عذبة ، فهي موسيقى الطبيعة المبدعة . وتروح السناجيب فترتقيني بسرعة مذهلة صاعدة هابطة بفرح ومرح كبيرين .
ومضت الأيّام ، فتلتها الشهور فالأعوام ، وأنا مسمّرة بمكاني لا استطاعة لي للانتقال لأشاهد أمكنة غير المكان الذي ثبّت فيه منذ ولادتي حتى يوم مماتي .
وكم كنت أتمنّى لو يفكّ أسري لساعة واحدة يسمح لي فيها بالانتقال الى داخل الغاب لأحيّي زملائي الأشجار الراسخين رسوخ الجبال بأمكنتهم . فمصيبتهم مصيبتي بعدم الانتقال . ولم يوصلهم الى هذه الحال الاّ ما أوصلني أنا بالذات . فمصيرنا واحد ، وكلّ منّا سيمكث بالنقطة المغروس فيها حتى يأتي يوم تقطع فيه أصوله بالفؤوس أو بالمنشار الكهربائي ليستعمل بنو البشر الخشب طعمة للنيران لتدفئة المنازل أو لادارة بعض المعامل .
هذه نهايتنا نحن معشر الأشجار . فنحن نبعث السرور في من يشاهدنا كجيش جرّار في هذا الغاب المترامي المسافات . لكنّ من يرانا لا يمكنه أن يشعر كم نحن تعساء لعدم استطاعتنا التنقّل من مكاننا الأبديّ الثبات ، حتى يأتي يوم تدهمنا فيه الشيخوخة ، فتيبس أغصاننا ، ويعود لا يسري فينا روح الحياة ، فنموت ونتوارى من عالم المادّة لننتقل الى عالم آخر نعود فنحيا فيه ، اذ هذه هي ارادة من أوجدنا ووضع لنا نظامنا ثابتا يسري علينا من دهر الى دهر .
اني أعترف – أنا الشجرة السامقة الموجودة بقرب كوتتج ( الهني وود)- بأنه كانت تساورني شتّى الأفكار المتنوعة ، فمنها الدنيء ، وكم كان العجب يتملّكني من هذا التناقض العجيب الغريب . فأحيانا ، كان يراودني فكر اجراميّ ، اذ كنت أحبّ أن أوقع الضرر بالطيور التي كانت تأنس بالوقوف على أغصاني ، واشاعة البهجة بتغريدها بأطرافي ، فبدلا من العطف عليها وشكرها على تغريدها العذب كنت أرغب في ايذائها .
وفي أحد أيّام الربيع بنى طير جميل عشّه في أحد زوايا أعضائي . وكانت أوراق كثيفة من أحد أفناني تحجبه عن العيون الفضوليّة . ووضعت أنثى الطير بيضها في هذا العشّ السامق المتواري بين الأغصان ، وكان الفصل فصل الربيع الأخّاد .
وفجأة شاهدت أفعى تنسلّ من بين الحشائش ، وهي تزحف منتظرة فريسة توقها بفيها ، واذا برغبة ملحّة تنتابني لأجعلها تتسلّق الشجرة وتلتهم البيض المحفوظ بعشّ الطير . ثم شعرت برغبة عكسيّة ، فقلت ، أليست خيانة مني أن أخون الطير الذي التجأ الى كنفي وأمّنني على منزله وبيض فراخه ؟
وتكلم صوت داخليّ بنفسي يقول : وما همّني ان التهمت هذه الأفعى بيض الطيرين . انّ هذا لا يضيرني بشيء .
واستعرت الحرب الخفيّة بين رغبتي بالحاق الضرر دونما سبب ورغبتي الأخرى بعدم الاتيان بهذا الأمر الشّرير .
انه صراع بين الحقّ والباطل ، بين العدالة والاجرام . انهما قوّتان تتنازعان : قوّتا الخير والشرّ .
واذا ظنّ البشر أنهم هم الوحيدون الذين يصطرع الشرّ والخير في صدورهم ، فما ظنّهم هذا الاّ وهم بوهم .
فنحن معشر الأشجار لدينا ما لديهم من حريّة ارتكاب الخير أو الخوض في أعماق الموبقات الزاخرة بالشّر الطافح ، فالخالق أعطانا حريّة التصرّف ، خيرا أو شرّا ، وقيّدنا بنظام . فاذا ارتكبنا ما يخالف العدالة ، فعقابنا رهيب ، كذلك مكافأتنا عظيمة في الحال الأخرى . والبعض منّا يرتكب نقائص سيدفع عنها الحساب عندما تأزف بسرعة الثواب والعقاب .
ولهذا زوّدنا الله بميزات نستطيع القيام بها دون أن يعرف البشر أننا نملكها . ولو عرفوا هذا السرّ العظيم لتملّكتهم دهشة عظمى ترافقهم حتى عالم الرموس . وهذه الميزة هي أنه باستطاعتنا أن نرسل سيّالا خفيّا على الأفعى أو سواها من الزحّافات أو الحيوانات الأخرى ، فندعها تتسلّق الشجرة وترتكب الاثم ، أو نمنع صعودها بارسالنا سيّالا معاكسا يدعها تفرّ من أمام الشجرة ولا تقرب اليها .
وتغلّب الشرّ على الخير ، فأرسل قسم من الشجرة – التي هي أنا – سيّاله على الأفعى . وبينما كانت تزحف مبتعدة عن الشجرة ، استدارت واقتربت منها ، ثم صعدت اليها واستمرّت في صعودها حتى وصلت الى عشّ الطير ، والتهمت البيض . وبينما كانت منهمكة بعملها ، وصلت الأمّ ، فهالتها رؤية الأفعى ، فانقضّت عليها تنقرها ثم تطير ، والأفعى تحاول لدغها . وأنا كنت مسرورة وغير مسرورة ممّا أشاهده ، أي نصفي الأيسر مسرور من رؤية الصراع بين الأفعى والطير ، ونصفي الأيمن مستاء ممّا حدث رغما عن ارادتي .
أخيرا ، استطاعت الأفعى أن تلدغ أنثى الطير ، فهوت من الأعالي مائتة . وهذه النكبة المحزنة سبّبها جزئي الأيسر الذي طرب لما حدث . وأسفت أنا لانتصار الشرّ على الخير .
وكثيرا ما لاقت السناجيب حتفها عندما كانت تتسلّقني ، اذ كان جزئي الأيسر يرسل سيّاله على هذه السناجيب ، فيحدث لهم ضرر بسبب الشرّ الكامن في فروع وأغصان جزئي الأيسر .
وكم وكم تصارعت أنا وهذا الجزء الشّرير ، وأنّبته ، دون جدوى ، اذ كان يعود الى شروره بعد أن يحنث بوعوده العرقوبية لي .
وحينما وجدت أنه لا فائدة ترجى من وعوده ، وأنّ الشرّ قد تأصّل فيه ، وأنّ جزاءه سيتمّ مهما طال الزمان ، ولا نجاة ممّا سأحاسب عليه اذا لم أنفصل عن جزئي الشّرير هذا – وكان ذلك في أحد أيّام عام 1950 – استجمعت قواي الممنوحة لي ، ورفعت ضراعتي الى خالقي وخالق البرايا المعروفة والمجهولة ، وأطلقتها صرخة مدوّية مزلزلة ، راغبة بالابتعاد عن جزئي الشّرير .
واذا الشجرة – التي هي أنا وجزئي الشّرير – تنشطر قسمين . وهكذا ابتعدت عن قسمي الفاسد المملوء بالغدر والخيانة . فمهما ارتكب ، بعد انفصالي عنه ، لا أكون مسؤولا عنه بدليل انشطاري وابتعادي عنه . فأنا أصبحت بالناحية اليمنى ، وهو باليسرى . فارتكابه للمخازي هو المسؤول عنها ولست أنا .
وأني أحمد الله – جلّت قدرته – على تخلّصي من نصفي الشّرير . وقد تذكّرت ، بهذه المناسبة ، قول السيّد المسيح منذ ألفي عام ، اذ قال :
“اذا شكّكتك عينك فاقلعها ، فخير لك أن تدخل ملكوت السماوات بعين واحدة من أن تدخل جهنّم المرعبة بعينين سليمتين “.
وبما أنني كنت أشعر برغبة في ارتكاب الشّر مرارا وتكرارا ، لهذا صمّمت على أن أفترق عن جزئي الذي سيوردني موارد التهلكة . لهذا ارتأيت أن أنفصل عنه ليكون هو المسؤول عن أعماله الشّريرة .
وهكذا استجمعت قواي الممنوحة لي ، وأطلقتها صرخة مدوّية ، فاذا أنا نصفان . وهكذا تخلّصت من نصفي الشّرير ، وما عدت مسؤولا عنه . فهو المسؤول عمّا سيرتكبه ان كان خيرا فسيكافأ عليه ، وان كان شرّا فسيجازى عليه .
هذا ما قصّته الشجرة . وقد دوّنته ليطّلع عليه من يرغب معرفة الأسرار المجهولة .
الولايات المتّحدة الأمريكيّة ، بدأت كتابتها في الساعة 9،14 من ليل 16/7/1978 ، وأنجزتها في الساعة 10،30
حديث بين بصلتين خضراوين
وذهب الرسول برفقة تلميذتيه الى حديقة الخضار المسيّجة في قلب الغاب الظليل ، وتخلّل أثلام البصل الأخضر والنعناع والباقلاء ، ينتزع البصل الأخضر من الأثلام . ثم عاد أدراجه الى المنزل برفقة المؤمنتين برسالته السماويّة ، وطلب الزيتون الأخضر ، فأحضر له ، والجبنة البيضاء ، فقدّمت اليه بصحن توشّيه رسوم فنيّة .
وهوت سكّينه القاطعة على الطماطم الأحمر الشهيّ ، وتناول عشاء طيّبه البصل الأخضر غير الحرّيف .
وفي الدقيقة التي كان يتناول فيها عشاؤه ، كانت بصلتان خضراوان تتحدّثان . فقالت الأولى ، وهي مستطيلة الفروع المتعرّشة ، لزميلتها :
- كم كان سروري كبيرا عندما مرّ الرسول بقربي ! وما كان أشدّ رغبتي بتقبيل نعليه ؟ ولكنّه مرّ بعيدا مقدار بضعة سنتيمترات عني ، فكيف لي استطاعة الامتداد لتقبيل قدميه ؟ وليته اقتطفني وجعلني عشاؤه ، اذا لكنت فزت بالسعادة المثلى . وكنت أسمع مثلما كنت تسمعين أصوات الفرح من البصلات رفيقاتنا اللواتي أتاح لهنّ سيّالهنّ أن ينتزعهنّ من الأرض ويضمّهنّ معا ، وهو مسرور من وجوده في هذه الحديقة ذات الأرض المعطاء .
أجابتها البصلة الضامرة : - هو ما تقولين . وأنا أيضا ، تمنّيت لو مرّ بجانبي ، اذا لكنت انحنيت نحو قدميه ، ولكنه كان بعيدا عني ، أيضا ، بضعة سنتيمترات ، وهي كافية لأن تمنعني من لثم قدميه .
وعادت البصلة المستطيلة للكلام فقالت : - أولم تسمعي تهليل الباقلاء وهي تنشد الفرح عندما اقتلعت ، وكانت تردّد : اليوم ستنطلق سيّالاتنا فنذهب الى عالم بهيج ، أفراحه دائمة ، وأغاريده لا تملّ ، وسوف نأخذ أجساما بشريّة في العالم الذي سنذهب اليه ، اذ أزفت ساعة مكافأتنا بعد مكوثنا في عالم الأرض مئات من الأعوام لم نرتكب فيها آثاما تدعنا نمكث في هذا العالم الماديّ دهورا .
أجابت البصلة الضامرة : - انّ العناية قد وضعت فينا شعورا يلهمنا متى سيزورنا ، ثانية ، فزيارته ستكون بعد ظهر 17/7/1978 .
- هو ما تقولين أيّتها الزميلة التي حان قطفها وأكلها . واليوم هو موعد زيارته ، فلنتأهّب لاستقباله علّنا ننال بغيتنا التي فشلنا في تحقيقها يوم زيارته ايّانا .
وبينما كانتا في حديثهما ، ذهب الرسول ، ثانية ، الى حديقة الخضار ، وسار الهوينا ، ترافقه تلميذته الذكيّة ، وتخلّلا أثلام البصل . وأخذ الرسول ينتزع ما يروقه منها . وفجأة داس بقدمه بصلة خضراء مستطيلة ، ثم تخطّاها ، وداس أخرى ضامرة . وقد نبّهته تلميذته قائلة له : - لقد دست بقدمك بصلتين دون أن تنتبه .
فالتفت الى حيث أشارت التلميذة النابغة ، وشاهد البصلتين وقد مالتا نحو الأرض لأنّ قدمه داستهما في أثناء سيره .
ولو قيّض لأحد أبناء البشر سماع أصوات النباتات والخضار لسمع ، بدهشة عظمى ، تهليل الفرح والسرور والانشراح والحبور من هاتين البصلتين الخضراوين . وكانت صفوف البصل الأخضر تردّد معهما نشيد الفرح الطاغي .
وغادر الرسول حديقة الخضار وهو يحمل ضمّة من هذا البصل البديع . وقالت تلميذته : - سأصنع لك منها أكلة شهيّة قبل مغادرتك لمنزلنا صباح الغد ، فما يدرينا متى نعود فنلتقي . فالحياة الدنيويّة لا أمان فيها ، وسبق للأدباء والكتّاب أن كتبوا عن السفر في البحر فقالوا :
” الداخل فيه مفقود والخارج منه مولود “.
ترى ، هل ، مرّة ثانية ، الينا ستعود ؟كتبت هذه القصّة بين الساعة السادسة الاّ 6 دقائق والساعة السادسة والربع من مساء 17/7/1978 في الولايات المتّحدة الأمريكيّة
قصص غريبة و أساطير عجيبة
الجزء الأول
الحق أحق أن يتبع
بقلم الدكتور داهش
بتاريخ 10/3/1976، و في الساعة الثالثة و النصف بعد الظهر، وصلت إلى نيويورك ابلطائرة الجامبو. و مكثت في أميركا عامين و نصف العام. و بأثناء إقامتي فيها كتبت معظم هذه القصص و الأساطير و عددها 85 قصة و أسطورة سيضمها مجلدان.
و هي المرة الأولى التي أكتب فيها هذا النوع من الأدب الحافل بشتى الصور العجيبة الغريبة.
و القصة يعالج فيها الكاتب أحداث الحياة ووقائعها الحافلة بشتى الغرائب التي هي مزيج من الخير و الشر. و في النهاية يخرج بعظة و نتيجة تحضّ على الخير و تشجب الجريمة.
والقارئ لقصصي و أساطيري سيذهل لحكمي الصارم على كل ما تزخر به الحياة من شؤون و شجون.
و سيرى أنني قسوت بحكمي على المرأة و الرجل أيضاً. و لكن الحقيقة أحق أن تذكر دون أن يسدل عليها رداء عاره، متسربل بشناره.
إن على الكتاب واجباً مفروضاً هو قول الحقيقة دون سواها. فلماذا يحاول الجميع صياغة قصصهم بإلباسها رداء الفضيلة،بينما الرذيلة هي السائدة في ربوع دنيانا!
عليهم أن ينقضوا انقضاض النسور على فرائسها، و قول الحق الصريح الواضح دون محاباة أو مواربة.
لهذا يرى القارئ أن حكمي على أبناء الكرة الأرضية من رجال ونساء هو حكم صارم، و لكنه حقيقي.
فأنا لا أتحامل عليهم تحاملاًً غاشماً، إطلاقاً. و لكني أصف واقعنا الحياتي الحافل بالمعاصي، و المطوق الجميع حتى النواصي.
فالغش هو الاسائد، و الباطل سوقه رائجة،والاعتداء لا ينكره منكر، و الفساد متفشّ في عواصم الكرة الأرضية بأسرها، والفسق و الفجور مسيطران على الجنس البشري بأسره، و الأطماع حدث عنها ولا حرج، و كسب المال، و لو بطريق الحرام، غاية و ليس وسيلة، و الرذيلة صرعت الفضيلة، والشر بسط جناحيه وراح يرود أرجاء الكرة الأرضية، نافثاً فيها سمومه الرهيبة. و قد استجاب له أبناء الغبراء بقضهم و قضيضهم.
هذه هي الحقيقة، و الحقيقة لا يستطيع إنكارها إلا كل جاحد كاذب.
لهذا يرى القراء أن قصصي موسومة بهذا الطابع الذي لا يرحم رجلاً ولا يبرئ امرأة من الأوشاب و الاوزار الواقعية. و أنا لا يهمني آراء الغير إطلاقاً إذا كانت تشجب رأيي، فما كتبته عن السلوك البشري أؤمن به إيماني بوجود الخالقي، إذ إنه حقيقة واقعة، و بذله نفسه عن الآخرين، و تمسكه بالفضيلة المثلى، إنه:
غاندي نبي القرن العشرين
وبانطلاق غاندي إلى عالم الأرواح النقي التقي، أقفل الباب إذ لم يأت إلىعالمنا رجل صلاح آخر يماثله إطلاقاً.
وغاندي رحل عن دنيانا في الساعة الثالثة بعد ظهر الجمعة الواقع في 30 كانون الثاني 1948، تاركاً أرضنا الغارقة في أقذارها و دناستها المشينة. و يوم مصرعه هلعت نفوس كبار رجال العالم و سياسييه، و غمر الحزن النفوس و ساد الذعر الأفئدة، و راحت صحف الدنيا ترثي أعظم رجال الكرة الأرضية.
وها إني أعيد نشر الكلمة التي صدرت في جريدة”الدفاع” الفلسطينية، بتاريخ شباط 1948، إذ قالت تحت هذا العنوان:
غاندي-نور وروح!
“من الغرب و الشرق تجاوبت الأصداء تعليقاً على خسارة العالم بغاندي. و ما سبق في هذا العصر، أن شاع الحزن في نفوس الملايين على رجل، شيوعه على معلم الهند ومحررها ووالدها. و هذا وحده كاف لإيضاح تلك المنزلة التي كان يحتلها المصلح العظيم في نفوس الشعوب و الأفراد. و هو برهان، كذلك، على أن الشرق ما زال يدفع إلى العالم بالمصلحين ذوي الدعوة الإنسانية الشاملة.
لقد كان غاندي أرق و ألطف من أن يواجه بالقتل. كان نوراً له ما للنور من طبيعة الإضاءة في الظلام. و في عالمنا جوانب مظلمة كبيرة، فكان غاندي ساطعاً فيها باستمرار يهدي الحائرين، أقوياء و ضعفاء، إلى طريق الخلاص.
و في دنيا تفتقر إلى التضحية و المحبة، كان غاندي يلقي الدروس الرائعة فيهما. و حسبه أن احداً لم يستطع الرقيّ إلى مستواه. و إلى أن يستطيع الناس ذلك، سيبقون في حاجة ماسة إلى الاستقرار و سكينة النفس.
وما نحسب أذناً في هذه الدنيا لم يطرق سمعها اسم غاندي. و هو اسم رحيم ينزل على القلوب رخيماً كالغنم، عذباً كالفرات، مهيباً كالقداسة.”
فغاندي من امجده، و غاندي من أجله و أقدسه.
وبانطلاقه من ربوع دنيانا قضي على الفضيلة، إذ لم أر في عالمنا من يتشبث بناصيتها. فالجميع عبيد لشهواتهم البهيمة، كما هم عبيد لمصالحهم و عن يكن على آلام سواهم ممن يعتدون على حقوقهم ليكونوا الفائزين بالغنيمة الملوثة بطاعون الاغتصاب الدنيء.
وأخيراً، إنني أعلن بصوتي الجهوريّ قائلاً:
إن عالمنا مصاب بطاعون الشرور المحيقة، و قاطنوه أشرار فجار.
فيا ويلهم، يوم حسابهم، و هم يتقلبون بين أشداق النار الأبدية الاتقاد، جزاء وفاقاً.
الدكتور داهش
بيروت، في 4 كانون الثاني 1979
العودة إلى قصص غريبة و أساطير عجيبة
الديانة الداهشية
وجهك أروع من وجوه فتيات الفراديس وقيان جنات الخلد!
وعيناك درتان تتوهجان، فتبهران الأنظار بتألقهما العجيب!
وجبينك جنة عدن حيث رتع آدم وحواء!
وشعرك كأغصان الصفصاف،
يداعب النسيم العليل البليل أفنانها المتهدلة!
وفمك الأحوى كخاتم النبي سليمان
أبصم عليه قبلتي الملتهبة بحبك!
وشفتاك وردتان نادرتان:قرمزية وجورية!
وأذناك يا لروعتهما! ما أشد فتنتهما!
فالأذن اليمنى جوهرة كوهي نور الشهيرة،
واليسرى ماسة التيجان المتألقة بأنوارها الساطعة!
وعنقك برج بابل المتشامخ بعنفوان!
وذراعاك أشبههما بالصليب المقدس
الذي سمّر عليه سيّد المجد!
وأنفك دقيق،ومبسمك رقيق!
وأسنانك لآلى تتوهج،وماسات تتألق بأشعتها العجيبة!
فيتكسّر النور على النور.
وساقاك عاج نفيس يتمناه أباطرة أثيوبيا!
وقوامك جبل هملايا الشامخ الذرى،البعيد المنال!
وهامك جبل كلمنجارو الأفريقي المتسامق نحو بروج السماء!
إن فتنتك العجيبة أيقظت جبل جلعاد الهاجع بطمأنينة،
فراح يلتهم محاسنك الخلابة بناظريه الخفيين.
وصدرك العجيب،صدرك الفردوسي البهجات،
إن هو إلا حديقة البارناس المترنحة بلذاذاتها الخالدة!
ونهداك يمامتان وديعتان أفتديتهما بنفسي وروحي وقلبي وحسي.
إن صنين خشع لجمالك المذهل،
وأرو لبنان أنشدك نشيد حبه السامي،
وبلابل الغياض غردت لفتنتك الفينوسية،
وشحارير الأرباض رنمت بترانيم الفرح لفتوتك،
وصحراء سيناء أنشدتك ترانيم بني إسرائيل،
عندما تاهوا بفيافيها أربعين عاماً كاملاً،
وصهيون مهبط الوحي والتجلي الإلهي
انحنى إجلالاً لروعة مفاتنك؛
وهيكل سليمان بارك البطن الذي حملك،
وأهرام مصر العظيمة تحدثت بعذوبتك،
وأبو الهول الصامت نطق عند رؤيتك،
وجبل الطور سجد لأنوثتك،
ولم يسبق له السجود إلا لخالقه ومكونه.
فكيف بي لا أنتشي و ترتعش روحي عند مشاهدتك؟!
فأنت بأبي وأمي يا من تدلهت بغرامها المشبوب،
فأنت أروع أحلامي وأبهى تصوراتي!
وستبقين مثلي الأعلى حتى يوم مماتي.
الولايات المتحدة الأميركية
الساعة 11 ونصف ليلاً
تاريخ 3/3/1977
العودة إلى الرسالة السماويَّة الجديدة
رسولة الله
يا فاتنة الآلهة،
ومثيرة الغيرة في قلب فينوس الصناع!
أيتها المذلّة لجبابرة الأولمب!
يا من وهبك الخالق جمالاً خلاباً يصعق القلوب!
أيتها المغناج الفردوسية المحاسن!
إن بهاءك لا يضارعه بهاء،
ورواءك يذهل عقول الفلاسفة والحكماء.
إنني أحني هامتي أمام مفاتنك،
وأخضع لقوة تأثيرك المطلق،
وأجثو مطأطئاً رأسي لعظمتك،
أنت يا من أحيا لأجلك،
وأموت في سبيلك،
يا رسولة الخالق للخلائق!
لأنك روح الحق الازليّ!
الولايات المتحدة الأميركية
الساعة 10 وربع من ليل
28/12/1977
الرسالة الداهشية تهاجر
بزغت مثلما تبزغ ذكاء،فإذا بصر الشعوب إليها ران
وأشرقت،فإذا سناها يبهر الأنظار بلونه الأرجوانيّ
صرخت:إليّ يا شعوب الأرض اهرعوا،فالعمر فان
فكل من يستعبده جمالي،يحظى بسعادة وأمان
ومن يشح بوجهه عني فإنه يستعبد للشيطان
أنا فتنتي فيها عذاب، وعذابي يستحيل سعادة لخلاني
وانبرت تبدي محاسنها على الحشد، الصادق منهم وذوي الروغان
أنا أجمل نساء الأرض،قالتها بتصميم،فاستوعبتها كافة الآذان!
عجباً! أيتيه البدر على بدر ساطع في السماء ثان؟!
ضحكت حسناؤها لما حباها الله من حسن فائق نوراني
والطيور شدت طرباً لمرآها وهي تداعب عقدها الجماني
شدهت بها، وعصفت برأسي عذاب الأماني
وتلاعب بي الهواء،فأصبحت كريشة في مهبّ الطعان
لمست أناملها الغصة البضة، فابتسمت ،فإذاني غريق بحر ذي هيجان
هلعت عندما توارت بين ورد ونسرين وجلنار قان
تبعتها بتبتّل أريد عبادتها والعبادة وجدت فقط للرحمان
أنا ما كنت عاشقاً سواها، وبحبها لست بالمتواني
الخالق أضفى عليها بردة الحسن،وزودها بالرقة والحنان
فهي فتنة للحدائق الغنّاء، هي مليكة الجنان
هي ظبي شرود يرتاد حدائق المنّان
هي فراشة منمقة تطير فرحاً على الأفنان
ترنّم بهجة بنغم ساحر يبهج المرء، فإذاه من أجلها متفان
وإذا أراد الله لي سعادة،منحني أن ألقاها وتلقاني
فأعيش معها عمراً مديداً،مدلّهاً بها،عازفاً على كماني
هي ليست كاعباً تدلّ عليّ،كلا وليست من القيان
إنها الرسالة الداهشية تهاجر لأمريكا،نابذة وراءها جبال لبنان.
باريس الساعة الرابعة من فجر 10/3/1976
سأغنّي
عندما يشتد ساعد الديانة الداهشية
في البلاد الأمريكية- سأغني!
و عندما تمتد فروعها مجتاحة الولايات،
متغلغلة في صدور سكانها- سأغني!
و عندما تجتاز أميركا جائبة الأقطار، قاطعة الأمصار،
محتلة المجاهل و الديار- سأغني!
و عندما تثبت اسمها، و تصبح راسخة
رسوخ الجبال الشمّاء المشمخرّة- سأغني!
و عندما تشاد المعابد الداهشية،
وترفع فيها الإبتهالات الروحية الخشوعية – سأغني!
و عندما يعزف الناي ضراعته لخالق العوالم،
و مبدع المجرات ، و مكون السدم و الكواكب- سأغني!
و عندما يقرب المؤمنون نيران رموزهم المقدسة
بأيديهم لناحية وجوههم، و هم خاشعون- سأغني!
نعم ٍاغني مثلما غنى النبي داوود خاشعاً أمام خالقه،
هكذا سأخشع و أغني !
و سأغني مثلما غنت أخت موسى النبي
عندما غرق فرعون و جيشه، و نجا بنو اسرائيل،هكذا- سأغني!
و سأغني مثلما غنّت ابنة القائد يفتاح
الذي انتصر بحربه، و عاد ظافراً، مثلها أنا- سأغني!
و سينصرني الله، فتنتشر الديانة الداهشية،
محتلة ربوع الكرة الارضية- فأغني!
و انتشي بخمرة الظفر الداهشي،
و احلق بروحي نحو الفراديس الإلهية، فأغني و أغني!!
كتبتها في السيارة الذاهبة إلى مدينة الأسود بلوس انجلس
الساعة التاسعة و النصف بتاريخ ،22 /1/ 1977
والدة داهش
الهادي اتمناه منك!
أتمناه أن يأخذ لون عينيك المتوهجتين بالذكاء النادر،
وفمك الاحوى وما يحويه من لذاذات لا نهائية،
وشفتيك الأرجوانتين المغريتين،
ووجهك الصبوح ذي الفتنة العجيبة،
وسمرتك المذهلة،يا أفتن الكواعب الصيد؟!
وأتمنى ان يخلد التاريخ اسمك،
وأن يثبّت في المعابد الداهشية،
وأن تقرأه الأجيال بخشوع تام،
وأن تقبله شفاه المتعبدين والمتعبدات
لا ثمينه بتبتل فائق،
مباركين البطن الذي حملك،
معيدين في هذا اليوم الذي ولدت فيه،
منشدينك أناشيد روحية سماوية
مقبلين المكان الذي عشت فيه،
رامقين صورتك بقدسية علوية،
مرددين بأصوات خافتة:
حققي طلباتنا يا أم الهادي المقدس،
الذي انتشرت انباء معجزاته في جميع أقطار المعمورة.
وستقرع أجراس المعابد الداهشية،
داعية المؤمنين والمؤمنات للولوج إلى بيوت العبادة،
ورفع ابتهالات الشكر للموجد، لسماحه بمجيء الهادي إلى أرض البشر،
لكي ينقذ كل من أوصل سيالاته للإيمان بالداهشية،
وهي المدخل إلى فراديس النعيم.
وستحرق الرموز المدون بها طلبات ورغبات الداهشيين والداهشيات.
وسيرتفع لهيب هذه الرموز،
وهي في أجرانها الخاصة المثبتة في أمكنتها بالمعبد
المزيّن بتماثيل كل أخ جاهد في سبيل عقيدته
الراسخة رسوخ الأطواد الجبارة.
وسينوح كل من اضطهد النبي الحبيب الهادي
الذي ذاق الأمرّين منهم.
فعندما كان أسيراً في سجن الكرة الأرضية الرهيب،
حاق به شقاء هائل،
وحاربه الكفرة المماذقين الذين ألصقوا به كل فرية.
وأخيراً حلّق بعيداً عن معتقله الأرضيّ المخيف،
منطلقاً نحو الأعالي،نحو السماء، نحو فراديس النعيم الأبدي.
إن الأديان يحتاج تثبيتها لقرون عديدة.
فكل ما عداها زائل، وهي الخالدة خلود السماء.
وعندما تنتشر الداهشية وتصبح ديناً كونياً،
وهذا لا شك سيتمّ،
إذ ذاك تنفخ الملائكة بأبواقها السماوية،
معلنة أن الداهشية هي الدين الإلهي
الذي ثبتته المعجزات والخوارق التي عجز الانبياء عن الإتيان بمثلها،
إذ لم يمنحوها.
لهذا فأنا داهشيّ بأثناء حياتي الأرضية،
وفي مماتي،
وفي يوم عودتي للحياة،في عالم الأرض،وفي عالم الأخرى،
وسأبقى داهشياً حتى يوم يبعثون.
الولايات المتحدة الأميركية
أول نيسان 1976
الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر
كلمة أول حزيران
بمناسبة ذكرى مولد مؤسس العقيدة الداهشية
إخواني وأخواتي،
أحييكم بمحبة روحية،
متمنياً على العزة الإلهية أن تقيكم المخاطر،
وتجنبكم المنغصات،
وتحفظكم لليوم العصيب الذي لا بد منه.
أقول “اليوم العصيب”،
لأننا نعيش في عالم يستعمره الشر وتسوده المظالم،
وتستبد به نفوس دجوجية،
همها الإعتداء على المقدسات واضطهاد العقائد.
وكلكم لا شك تذكرون الباغية بشارة الخوري،
ذلك الطاغية الذي تجبّر وتكبّر،
واعتدى على حريتي التي منحني إيّاها الخالق عز وجل.
ولكني لم أنكص،ولم تهن عزيمتي،
ولم أتقاعس عن مهاجمة المجرم الوصولي مهاجمة ضارية،
سجلتها الكتب ودونتها الأسفار،
وجابت جميع الأصقاع فعرفها الكبير والصغير،
ولاكتها الألسنة، ورجمت الرتكب الأثيم بعبارات هو أهل لها.
فطابخ السم آكله، ولو كانت زبانية الجحيم تواكبه.
***
إن عقيدتكم أيها الإخوة والاخوات،
مستمدة من السماء،
فهي ثابتة ثبات الجبال الرواسي.
واعلموا أن كل من ينكص سينال جزاءه عاجلاً أم آجلاً.
فعين الله تراقبه،
وضميره يحاسبه،
وإذ ذاك فالويل ثم الويل له.
إن الله يمهل ولا يهمل.
ومن العار على معتنق العقيدة السامية
أن يضع يده على المحراث ثم يتركه وشأنه.
***
إن يهوذا الإسخريوطي،
من خان سيده ومعلمه السيد المسيح،
يقبع في أسفل درك من دركات الجحيم،
وهو يذرع نخاربيه المتأججة بالنيران الأبدية الإتقاد
يطلب الموت، والموت يشيح بوجهه عنه،
جزاء وفاقاً على خيانته المرذولة،
فضلاً عن ألسنة جميع ملل أهل الكرة الأرضية
الذين يلعنونه لعنات مزلزلة،
لأنه خائن يستحق العذاب الأبدي.
ذكرت هذا لأن سيالات الشر الدنيء
تحاول أن تزرع بذورها السفلية في بعض الرؤوس،
ولن أذكر الأسماء.
فمزعزع العقيدة يعرف نفسه سواء أكان رجلاً أم امرأة.
لهذا أرسل تحذيري هذا خوفاً من وقوع كارثة
لمن وسوس الشيطان لهم أن ينحرفوا عن الطريق القويم.
فحركاتهم وأقوالهم وأعمالهم وأفكارهم معروفة تمام المعرفة.
ولن ينفعهم ندمهم شيئاً عند وقوع الكارثة المروّعة.
ومن أنذر فقد أعذر.
والسلام عليكم،أيها الإخوة الأعزاء،
وبورك بكم.
بيروت أول حزيران 1980
الحذر واجب
من أكرمكم ومجدكم، ومد يد المساعدة لكم،
فراقبوه لتكتشفوا خبيئة نفسه،
فإذا تأكد لكم أنه كرّمكم ومجدكم
ليس لغاية يقصد من ورائها الإستفادة المادية،
أو أية غاية أخرى تعود لمنفعته في النهاية،
إذ ذاك أكرموه وصادقوه،
ثم أطلعوه على الأسرار الروحية،
لتجعلوه داهشياً قد يفيد الرسالة المقدسة ويستفيد.
ديسلدورف(ألمانيا)
الساعة الخامسة إلا 10 دقائق صباحاً،
7/6/1972
كلمات
الداهشية: رأس مالها رجال مخلصون في دعوتهم، مؤمنون بعقيدتهم.
و سبيلها: النضال المتصل الحلقات ضد الحكام الجائرين.
و ثوابها: الاعتقال الذي ترحب به ترحيباً حاراً دون ما خجل، أو أي وجل لأجل عقيدتها الراسخة كالأطواد الجبارة.
إن الجهاد و الاستشهاد في سبيل الداهشية معناهما الولوج إلى الجنة الدائمة النعيم، و التمتع بمباهجها السرمدية الفتنة و الجمال.
الداهشي يرى أن الدفاع عن (الحرية) واجب سماوي مقدس. فهو يستميت في سبيل الذود عن ذمارها، لأنها ( هدية) الخالق لخلائقه) من مختلف الملل، و شتى النحل.
الداهشي- مخلص أمين يضحي بكل مرتخص و غال في سبيل بلوغ أهدافه السامية.
و من تسول له نفسه الانحراف قيد أنمله عن أهدافها المرسومة، فإنه يبتر بتراً من صلب الداهشية دون رحمة أو شفقة، و يطرد طرداً معيباً أبدياً دون أن تشفع به تضحياته السابقة التي تلاشت آثارها، وامّحت أخبارها.
نحن قوم مسالمون كالحملان. و لكن، عندما يعتدي الظالمون على ( حريتنا) التي هي هبة من لدن الله – جل اسمه- إذ ذاك ننقلب إلى نسور كاسرة، وننقض على أولئك المعتدين، و نمزق لحمانهم تمزيقاً و بذلك نؤدبهم تأديباً رهيباً جداً.
نحن قوم مسالمون، نحترم ( صاحب السلطان) ما دام يحترم( حريتنا). أما إذا حد من حريتنا المقدسة- هدية الخالق للخلائق- فإذ ذاك، ننقلب إلى أسود ثائرة مزمجرة زئرة و نبطش بهذا الحاكم الجبان، و نؤدبه تأديباً مرعباً مرهباً، و نجعله عبرة لكل معتبر.
إن ( المعتقل) هو المكان الذي يستطيبه كل داهشي مجاهد في سبيل إعلاء كلمة ( الحق) و الذود عن ذمارها المهدد بباطل الحاكم الدنيء الظالم.
في سبيل الداهشية تهون الحياة، و يستطاب الممات. فالداهشي يبذل كل ما يملكه من مال، ووقت، و مجهود متواصل الحلقات، ثم يجود بروحه لأجل نصر عقيدته الداهشية. فعبثاً يحاربها أعداؤها الألداء.
الجبان – في شريعتي- ليس أهلاً للحياة مطلقاً. فإما أن ( نجبن) فيستعبدنا القوي الغاشم، و إما إن نظهر ( شجاعتنا)، و نطلق( بطولتنا) فننتزع بواسطتهما ( حريتنا) المقدسة الخالدة.
النضال في سبيل الداهشية واجب مفروض مقدَّس لا مفر منه لكل من اعتنقها.
أيها الداهشي الكريم، ضع دوماً نصب عينيك كيف كانت نهاية (الاسخريوطي) اللعين الخائن… و حاذر السقوط!…
إن ( الجهاد و الاستشهاد) هما ( شعار) الداهشية الأوحد. فبهما تحيا، و لأجلهما تموت.