الكتاب الداهشي 

حقيقةٌ روحيَّة مُفصَّلة في نظامٍ فكريّ شامل:

         في كتابي “المسيح عاد باسمٍ جديد” الذي جعلتُه مدخلاً عامًّا  “للكتاب الداهشيّ” مرَّت لمَحاتٌ مُتفرِّقةٌ عن التَّعاليم الداهشيَّة فرضَها سياقُ الوقائع المُدرَجة. ولا بُدَّ من أَن يكونَ القارئُ اللبـيب قد شعرَ أَنـَّـه أَمام إِنسانٍ خارق، فائق بمزاياه، مُتفرِّد بمواهبِه لا سيَّما القوَّة الروحيَّة القُدسيَّة التي زُوِّدَ بها، فصنعَ المُعجزات المُذهِلة بواسطتِها ليؤَكِّدَ وجودَ العالَم الروحيّ الإلهيِّ الخالد وصِدقَ الرسالة السماويَّة التي أَنـزلَها عليه.

وقد ظهرَت هذه الرسالةُ في عصرٍ هو بأَمسِّ حاجةٍ إِليها، وذلكَ لتَهدي العقولَ المُشكِّكة الباحثة عن الحقيقة إلى الإيمان بالقوَّة الروحيَّة الموجِدة للكون وبالثواب والعقاب، ولتُقدِّمَ السلامَ والعزاءَ إلى النفوس الضائعة المُضطربة الراغبة في الطمَأْنينة، ولتبثَّ روحَ التسامح والعدالة والمحبَّة والرحمة في كلِّ قلبٍ ما زال يسري في دمائه شيءٌ من النـزَعات الإنسانيَّة، وبذلك تُبعِدُ شبحَ الانحلال والفناء التامّ عن بشريَّةٍ باتَتْ تُهدِّدُها أَخطارٌ داهمةٌ شاملةٌ ماحقة.

         وفي هذا الجزء من “الكتاب الداهشيّ” سأَبدأُ بعَرضِ التعاليمِ الداهشيَّة مُفَصَّلةً ومُرتَّبةً في نظامٍ فكريّ  يُعطي القارئَ صورةً واضحةً عن شُمول العقيدة الداهشيَّة وعظَمة القوَّة الروحيَّة التي أَوحَتها، وشاءتْ أَن أَكون، على ضَعفي البشريّ، وسيلةَ نَقْلِها إِلى العالم.

         وقد بنَيتُ عَرضي للتعاليم الداهشيَّة على ما التقَطتُه من فَمِ النبيِّ  الحبيب الهادي، وعلى ما قرأتُه من الوَحيِ الداهشيِّ الإعجازيّ ومن كتابات مُؤَسِّس الداهشيَّة المُلهَمة، كما على ما خصَّني الروحُ العَلِيُّ به من معلومات. كلُّ ذلك مدعومًا بـبراهينَ وإيضاحاتٍ زوَّدَتني بها تأَمُّلاتي واختباراتي وثقافتي الدينيَّة العلميَّة الفلسفيَّة. وإنِّي مطمئنٌّ إلى صحَّتِها، لأَنِّي مؤمنٌ بأَنَّ الروحَ العليَّ لم يحجب مُساعدتَه عنِّي، بل مَدَّني بإلهاماتٍ كثيرة، وذلك كلَّما اقـتـضى الأَمر، تنفيذًا لوعدِه الصريح لي، في رسالته التي أُنـزِلَت ودُوِّنَت عجائبـيًّا على ورقةٍ صفراء فارغة كنتُ أَقبضُ  عليها، وذلك في 20/10/1974؛ وقد جاءَ فيها:

“أَيُّها العزيز غازي،

يا مَن سيُخلِّدُ التاريخُ اسمَكَ

كقُطبٍ داهِشيٍّ عظيم،

ويا مَن سيُـباركُ اسمَكَ البلايـين،

وعندما يذكرون اسمَكَ،

سيذكرونه مقرونًا بالإعجاب والخشوع،

والآن نُعلمُكَ بأَنـَّهُ يجبُ عليكَ أَنتَ

كتابةُ “الكتاب الداهشيّ”،

ومثلما أُلهِمَ تلامذةُ المسيح بما كتبوه بأَناجيلهم،

هكذا أَنتَ ستُلهَم عندما يجبُ أَن تُلهَم،

اللهُمَّ إلاَّ بعض المعلومات التاريخيَّة

التي يُمكنُكَ سؤالُ النبيِّ الحبيب عن أوقاتها.” 

وإِنَّ ما اجتهَدتُ به في “الكتاب الداهشيّ” لا يعدو كونَه إعلاءً في مداميك البناء الذي وضعَ الوَحيُ الروحيُّ والنبيُّ الحبـيبُ أَساسَه.

         ومع ذلك، فالداهشيَّةُ التي تُؤمنُ بالوَحْي تُؤمنُ أَيضًا بالعقل وبتطوُّره الدائم، لا سيَّما في ميادين العِلم. فإذا حصلَ في آتي الأَزمنة ما يُستشَفُّ منهُ أَيُّ تناقُضٍ بين العِلم والوَحْي في ما أُقدِّمُه الآن، فسبَبُ ذلك يعودُ إلى عَجزي الشخصيِّ وسوءِ فهمي حقيقةَ العلاقة بينَ مُعطَيات الوَحْي ومُعطَيات العِلم في هذا العصر، ولا يعودُ في أَيِّ حالٍ إِلى الوَحيِ نفسِه. فالروحُ مُحيطٌ بكلِّ شيء، قادرٌ على كلِّ شيء، وهيهاتِ أَن يُدركَ العلمُ أَعماقَه وأَسرارَه. لِذا قال مُؤَسِّسُ الداهشيَّة:

         “رغمًا عن تقدُّمنا في العلوم، وقَطعِنا بها شوطًا عظيمًا، فإنَّنا ما نزالُ أَمام معرفة أسرار العالَم الآخَر خاشعين لا نستطيعُ كشفَ ذلك الحجاب الذي تقنَّعَ به، ولن نستطيعَ ذلك.”

وقد رأَيتُ من واجبي أَن أُلِحَّ على إيضاح حقيقة الإنسان في كيانِه وتعليلِ أَحواله وأَحداثِ حياته، وعلى جلاء حقيقةِ التطوُّر الحضاريّ، لأُظهرَ أَنَّ الدينَ الداهشيَّ ليس نظريَّاتٍ تتعلَّقُ بالغَيـبـيَّات، بل هو حقيقةٌ تشملُ الإنسانَ والمجتمعَ والحياةَ مادِّيـَّةً وروحيَّة؛ ونظرتُه وتعليلاتُه تطالُ جميعَ الميادين التي تطالُها الفلسفةُ والعلومُ الإنسانيَّة، من غير أَن يكون، أَصلاً، مذهبًا فلسفيًّا أَو عِلميًّا، لأَنَّ مبادئَه الأَساسيَّةَ وقواعدَهُ الكُبرى موحاةٌ كلُّها أَو مُلهَمة، ولا علاقةَ للاجتهاد العقليِّ بها. الدينُ الداهشيُّ هو الحقيقةُ الروحيَّةُ العُظمى التي قدَّمَها العالَمُ الروحيُّ المجيد، في القرن العشرين، إلى أَبناءِ الأَرض.