مقتطفات من كتب الدكتور داهش

سر سلة القصب
في سكينة الليل كانت سلّة قصب قابعة على سطح خزانة عجوز ، بجوار زهرية من الخزف ، فسمعتهما الخزانة يتحاوران حواراً حميماً غريباً !
ما بهنَّ يتهامسن في هدأة الليل ؟ أتختلج ، تُرى ، نسمة الحياة في سلة القصب ، وزهرية الخزف، وخزانة السنديان ؟ !
كيف يتفاهمن ، يا ترى ؟ !
الروح يهب حيث يشاء .
الروح يمكنه أن يسكنها .
أيسكن هيكلاً من اللحم والعظم ، وتستحيل عليه السكنى في القصب أو السنديان أو الخزف ؟ !
لا .
قالت سلَّة القصب :
كم من الذكريات بُعِثَتْ في عن الزمن السحيق !
موسى النبي عرفته قبل مولده . فروحه النقيَّة ، قبل أن تتجسَّد في هذا العالم ، كانت تسبِّح الله في الملأ الأعلى. أمَّا أنا فقد كنتُ ملاكاً يُمجد الخالق بجوار النبي العظيم.
ثم حانت الساعة التي أوجبت علي أن أسانده في رسالته على الأرض .
سجدت للكائن المبدع ، باري العوالم ، والغبطة تملأني ، وباشرت تنفيذ مُهمتي ، وهي أن تتغلغل روحي ّفي طائفة من القصب كانت تنمو على شاطئ النيل . وسرعان ما قمت بواجبي .
واذا أمُّ موسى تُلهَم أن تأتي وتقطع ذلك القصب ، ثم تُكِبُّ على حبكه سلَّة ، بنشاط عجیب .
وأنجزت حبك السلَّة التي كانت سلاح الإنقاذ الوحيد الذي أمكنها أن تُشهره بوجه أمر فرعون : «أطفال العبرانيين الذكور جميعهم يجب أن يهلكوا على أرض مصر».
وانهمر من عيني الأم دمع مدرار روى المهد المنقذ الذي سيحمل موسى .
و تابعت سلَّة القصب قائلة :
وضع الطفل في زورق القصب البدائي ، ودفع فوق أمواج النهر ، وكانت روحي تحرسه ، نافخة في اللحظة المناسبة ، النسائم اللطيفة حوله ، وحادية زورق الأمل نحو الأميرة المصرية .
وأثارت روحي الرقِّة والشفقة في قلب الأميرة ، وأوحت لها أن تُنقذ الطفل وتربيه بنفسها في قصرها. كان رائع الحسن ، يخلب جماله لبّها . لا ، لن يموت ، إنها ستنقذه وتتبنَّاه .
ويروي التاريخ المقدَّس وقائع القصة :
كانت مریم أخت موسى تراقبُ تلك الناحية ، وستارٌ من الأشجار يحجبها عن الرؤية ، ولكن لا شيء كان يفوت نظرها . واذا بموكب ملكي يتقدَّم الى ضفّة النهر ….
أما هناك ، في منزل الصبي ، فقد كانت الأم تنوح ، ناقمة على الأقدار التي فَجَعَتْ شعبها . كانت ترتعش خوفاً وتنتظر ….
وبينما كانت الوصيفات والجواري مُنهمكات حول ابنة فرعون ، مُهتمات بأمر اغتسالها في النهر ، لمحت الأميرة السلَّة وهي ترقص على الأمواج تحت أشعة الشمس . وتلبية لأمرها أسرعت الإِماء نحو مهد القصب ، وحَمَلْنَه اليها . لقد كان اكتشافاً مُثيراً : طفلٌ وسيم يبتسم للجميع ، فيتناقلنه ويداعبنه .
وقرَّرت ابنة فرعون أن تأخذه . لكن ، عليها أن تُؤمن غذاءه وتربيته . انها في حيرة ! ترى . ما العمل ؟
واذا بستارٍ الأشجار الذي يحجب مريم يتحرَّك تحركاً عجيباً ، فتظهر من ورائه صبيةخائفة . حيِّية تحاول الهرب من وجه ذلك الجمع .
تبعتها الجواري فأدركنها ، وقُدنها إلى الأميرة. فاستجوبتها. وأبدت الصبية أنَّها لا تعرف شيئاً عن أمر الطفل والمهد . فأوعز اليها أن تسعى في البحث عن مُرضع بين العبرانيات .
ولم تجد شقيقة موسى فرصةً مؤاتية أفضل لتأتي بأمها ، كمربيَّة للطفل ، الى الأميرة .
وأعجبت ابنة فرعون بها ، فأسدت اليها عدَّة نصائح ووعدتها بأجر ٍكبير لقاء تعهّدها للصبي .
وتعبت سلَّة القصب من الكلام . لكن زهرية الخزف ما كان النعاس ليراودها .
أرجوك ، أكملي .
قالت لها .
فتابعت السلَّة حديثها قائلة :
الزمن الهارب يمضي سريعاً ، لكن مصر والنيل يكادان يلامسان الأزل . أما شجيرات القصب فهي ما تزال حية ، وضفاف النيل ما برحت آهلة بجماعات كثيرة منها ، فيها ينفخ سيال من روحي مُرجعاً أصداء ذكرياته القديمة .
لم تنسَ السلَّة القابعة على سطح الخزانة الماضي البعيد . لكنها سكنت بغتة وحبست أنفاسها .
أمر غريب حدث ، هذا المساء : حضور رجل غير عادي أثار في روحها ذكريات غير مُنتظرة ! لقد شعرت بهزَّةٍ ، برعشةٍ داخليَّة !
خاطرة غريبة عبرت في رأسها ، وكانت على وشك أن تبوح بها :
أيكون موسى قد عاد إلى الأرض ؟ !
ما رأي زهرية الخزف وخزانة السنديان ؟
في هذه اللحظة حدثت في الغرفة حركة مُفاجئة : صعد أحد سلماً صغيرة بسرعة وقوّة ، وبخفَّةٍ ورشاقة امتدت يده الى سطح الخزانة ، وأمسكت سلَّة القصب ، وأوقفتها عن الكلام .
صمتت هي والسرُّ باقٍ !
لكن برقاً ومَضَ على بياض الجدران ، مُتعرجاً ، وهبط الليل.
بيروت ، ٣٠ – ١٢ – ١٩٤٤
سأكتب اسمك
قطعة منتخبة من كتاب قصائد مجنحة في سلسلة حدائق الآلهة توشيها الورود الفردوسية، ص ٥٩
مهداة لقوته
سأكتب اسمك الجميل على شاطئ البحر لكي تأتي الأمواج متشابكة متلاحقة لتقبله بشغف ووله عظيمين .
وسأدونه على أغصان الأشجار الغضة البضة لكي تقف البلابل على هذه الأغصان الخضراء، فتجيد إذ ذاك تغريدها العجيب .
وسأرسمه على أجنحة الفراش الملون المنمق لكي يزداد بهاء تلك الفراشات العجيبة الألوان، فتروح متنقلة مقبلة أزاهير الحقول البهية .
وسأحفره على الصخور الصلدة لكي تخشع فترق بعد صلابتها الحديدية، إذ إن اسمك العذب يلين الجماد، فيشعر ويُحس، فيمجد الله موجده .
وعندما تنشب الحروب وتنطلق الحمم الرهيبة وكأنها الشياطين المؤبلسة،
فإنها تحصد برصاص بنادقها وفولاذ دباباتها المرعبة آلاف الشبان في ساحة الوغى الجهنمية . لكن المتحاربين ما يكادون يشاهدون اسمكِ الإلهي حتى يصمت أزيز رصاص الرشاشات ويخرس دوي القنابل المزلزلة، وتمتد الأيادي المتباغضة متصافحة، فيعم السلام وتطمئن النفوسُ القَلِقة .
وسأرسمه على صفحات الفضاء، فينهمر الغيث، فيُحيي الزرع والضرع، وتعم الخيرات، ويبتهج الفقراء، بعد أن تينع ثمارهم وتطمئن أفكارهم .
وسازين باسمك أفواف الورود، كي تتفتح براعمها وتخرج من أكمامها، ويزداد عبقها عبقاً وأريجها أريجاً ، ويبتسم الورد ويضحك الفل ، ويتواضع البنفسج وترقص البابونيا، لغبطتها باسمك، اسمك العجيب الغريب !
وسأزخرف اسمك على قرون الوعول وجباه الظباء لكي تنطلق في غاباتها البكر والفرح يملا أعطافها ،
فتزدهي وتشمخر كبرياء لجمال اسمك المنشود .
وسأدبج اسمك على أبواب الحزاني ونوافذ الأيامى وأسرة اليائسين الموءودين،
فتتحول أحزانهم إلى أفراح وأتراحهم إلى انشراح، فيمجدون باري البرايا وموجد الكائنات .
وسأدونه على صفحات البحار وعرض الأوقيانوسات لتهتدي بواسطته السفن الضالة، فتبلغ مرفأها الأمين .
وسأدونه على القيثارة لتزداد نغماتها سحراً، وإيقاعها روعة فاتنة .
وسأعلقه في متاهات المجرة الجبارة لتشاهده بلايين نجومها السابحة في أفلاكها منذ الأزل، فيزداد بريقها بريقًا، وإشعاعها إشعاعاً لا مثيل له .
وسأنقشُ اسْمَكِ المُرجى في أعماق قلبي المدله بحبك الإلهي ، إذ إنه أصبح منه جزءًا لا يتجزأ ؛ فهو الذي (هدى) روحي لشاطئ الأمان والطمأنينة .
وفي ساعتي الأخيرة سأكتبه بيدي المرتعشة فوق فؤادي الهائم بك، فيرافقني إلى العالم الآخر، ويُسعدني مثلما أسعدني في عالم الأرض الشقية. آه ! لقد نلت الهدى، إذ قلبي اهتدى فشدا في عالم الخلد قبل أن يغتالني الردى .
بيروت الساعة ١٢ ونصف
سأَعود
1
هناك في أَقاصي السماءِ الزرقاءِ الصافية،
وراءَ تلك الغيوم الناصعة النقيَّة،
أَوجدَ اللهُ مكاناً سحرياً رائع الفتنة،
تَحِنُّ إِليه أرواحُ التعساءِ والمحزونين.
فإِلى ذلك المكان البعيد السعيد سأَعود.
2
هناك وراءَ الغمام الشفَّاف،
تتأَلَّقُ الأَنوارُ من نجمةٍ وضاءَة بهيَّة،
ومن وراءِ هذه الدرَّةِ اليتيمة الدائمة التوهُّج،
خلق اللهُ عالماً خلاَّباً تَنْشُده الأرواحُ الحائرة لتطمئِنَّ.
فإِلى هذا المكان الدائم السطوع والبهاءِ سأَعود.
3
هناك وراءَ المجرَّةِ الأَزليَّة،
تتهالك المسافات وتفنى الأَبعاد.
فمن كُتِبَ له أَن يجتازَها،
يجدُ فردوساً عجيباً كَوَّنه اللهُ لمختاريه الأَبرار الأَطهار.
فإِلى هذا الفردوس الدائم المُتَع والبَهَجات سأَعود.
4
هناك وراءَ السُّدُم العجيبة،
تتراقصُ الرُّؤَى وتحيا التخيُّلات.
وفي هذه الأماكن البكر تمرحُ صبايا الأمانيِّ العذبة،
ثمَّ يطبعنَ، بشفاههنَّ الفتَّانة، قُبلاتٍ نديَّة على ثغور المُستحقِّين.
فإِلى هذا الوطن الأَخَّاذ الذي منحته العنايةُ للمُتْعَبِين سأَعود.
5
هناك حيثُ تُصادمُ البروقُ السماويَّةُ بعضها بعضاً،
وتخترقُ الشُّهُبُ بروجَ العوالم الممنوعة،
ومن وراءِ رَبوات التِّبرِ والفيروز، وتلال المرجان والزَّبَرْجَد،
وجبال الحجارة الكريمة والجزع،
وأَودية العقيق واليَشَب، وسهول الزمرُّد والياقوت،
يخترقُ نهرُ الكوثر جَنَبات مدينة الطمأْنينة.
فإلى هذه المدينة السحريَّة الهاجعة بسكون سأَعود.
6
هناك حيث لا يستطيع الفكر أَن يبلغ إليه،
وإِلى المكان الذي أَعدَّ اللهُ فيه لأعزَّائه الأَحبَّاءِ
ما لا يخطرُ على فكر وما لم يسطِّرْه قلم،
تَحِنُّ جوارحي وتشتاق نفسي،
وإِليه، يا أحبائي، قريباً سأعود.
الأحد صباحاً مزرعة الصليبي(سوق الغرب)
25 حزيران 1944
كلمتي
قطعة من كبدي، و فلذة من روحي، و خلاصة من عناصري!
هي أملي التَّائه في بيداء هذه الحياة الصَّارخة الزاخرة بالآلام!
هي أمنيتي الضائعة في واحة هذا العالم
الذي تشيع فيه عناصر البؤس و الشقاء.
هي دموعي التي أقسمت على أن تظلَّ أليفة الحزن حليفة الانسكاب!
هي أحزاني الصَّادقة التي يطيب لها أبداً أن تمخر هذا العباب!
هي ( كلمات) شاب حزين، متألم بائس
آلت الأوصاب على نفسها أن لا تفارق له ظلاً.
هي ( كلمات) ستخلَّد في بطون الكتب
بعد أن يصبح صاحبها راقداً في جوف حفرته الوفيَّة!
داهش
من كتاب ” القلب المحطم”
أُحبُّ الكُتُب
أُحبُّ الكُتُب حبَّاً جمَّاً
إذ أجوب بواسطتها ساحات الوغى،
و أخوض غمار الأوقيانوسات الرهيبة،
ثم أحلّق في الأعالي مُتحدِّياً جبابرة النسور،
شاقاً طريقي خلال الضباب العجيب الغريب،
ومن ثم تراني جوّاباً للآفاق،
مخترقاً الصحارى الشاسعة، و البوادي الواسعة،
مُندمجاً بالمهرجانات الصاخبة الضاجة بالأفراح،
ثم مشاهد المآسي المشبَّعة بالأتراح،
و غير ذلك ممَّا تزخر به ( كرتنا الأرضية)،
و بما يمثِّله سكانها من خير و من شر.
جميع هذا أشاهده دون أن أنتقل من مكاني
بواسطة الكتاب
فما أَحبَّ الكتاب إلى قلبي.