مقدّمة

 

إنّ السيرة التالية هي سيرة شخصٍ عظيم. سيرةٌ ملؤها الإنجازات الرائعة والعجائب المبهرة. سيرةٌ تضمّ في ثناياها عناوين الجهاد والتضحية والمحبّة والأمل. سيرةُ رجلٍ ضحّى بذاته وبسعادته من أجل خلاص البشريّة وعودتها إلى طرق الحقّ والفضيلة والأخوّة والسلام، متحملّا من أجل هذا الهدف السامي اضطهادًا عنيفًا كابد فيه أقسى ألوانَ العذاب من جلدٍ وسجنٍ وتشهيرٍ وتشريد. وقد وُثّقت تفاصيل حياته عبر مئات، بل آلاف الشهود، كما أنّها سُجّلت بحذافيرها في الكتب والجرائد والمجلّات.

لقد جسّد الدكتور داهش في حياته المثل العليا التي كان ينادي بها ويدعو إليها، مبشِّراً بالحقّ والعدل ومحاربًا الظلم والفساد. وقد غرس في قلوب أتباعه أنّ البشر جميعهم أخوة، وأنّ العائلة الإنسانية هى عائلةٌ واحدة مرتبطة بأواصر الحبّ الخالد والأخوّة الحقّة ووحدة الحال والمصير. إنّ تعاليمه تدعو إلى إعتناق جوهر الأديان والرسالات الروحية والإيمان بوحدتها، والى نبذ القشور السطحيّة المبنية على الطقوس دون الجوهر والتي تفرّق أكثر ممّا تجمع. لقد كان يهدف إلى عودة الإنسان الحقيقيّة إلى الخير والفضيلة وإلى الإيمان بالله والروح الخالدة، بالأخصّ في هذا العصر المادّي البحت، والذي طغى ببريق انجازاته العلمية والمادّية على جوهر الإيمان الحقيقي، وزرع بذور الشكّ في عقول وقلوب البشر من ناحية وجود الله ومبادئ الثواب والعقاب.

يَعتبر الداهشيّون أنّ التوراة والإنجيل والقرآن والغيتا وكتب البوذية والكنفوشيوسيّة وغيرها من الرسالات الإصلاحيّة، بالإضافة إلى كتب الدكتور داهش المُلهَمة، على أنّها كتابٌ الهيٌّ واحدٌ وجامع، يضمّ في صفحاته المقدّسة نور الله الخالد الداعي إلى الحقّ والخير. علّمَنا الدكتور داهش أنّ الأديان جميعها واحد، وأنّ الأنبياء والرسل والهداة هم من نفس الجوهر.

وقد اضُطهد مؤسّس العقيدة الداهشية جرّاء تعاليمه المقدسة التي لم ترق أعداء الحقّ والخير، فتعرّض للتعذيب والسجن التشريد والنفي، لكنّ قناته لم تلن ولم يستسلم بل قاوم مضّطهديه ودافع عن حقوقه السليبة متغلبًّا على الصّعاب الجسيمة التي واجهته.

يقول الدكتور غازي براكس، أحد تلاميذ الدكتور داهش المقرّبين، والذي سنحت له الفرصة أن يعايشه لعشراتٍ من السنين، دارسًا سيرة ومسيرة حياته، باحثًا في تعاليم الرسالة الداهشيّة بعمقٍ وتمعّنٍ يقينيّيْن، منقّبّّا في مبادىء العقيدة الداهشيّة، واضعًا عشرات الكتب والمقالات عن حياة الدكتور داهش ومراميه النبيلة وأسس عقيدته السامية:

“لقد وُهب الدكتور داهش قوّةً روحيةً خارقة تجلّت عظمتها فيه منذ طفولته المبكرة، وكانت هبةً من الله ولم تكن علمًا. لقد شهد على معجزاته الآلاف من البشر، وأكّدوا حدوثها بشهاداتٍ حيّة، من مؤمنين بعقيدته الداهشية أو غير مؤمنين على حدِّ سواء. إنّ إقتران هذه القوى الروحية بتعاليم سماويةٍ وراقيةٍ تدعو إلى الإيمان بالله وبجوهر الأديان وبالمثل الأخلاقية العليا تؤكّد حقيقة الدكتور داهش كمؤسّسٍ لعقيدةٍ إلهيّةٍ مقدّسة.

إنّ أولئك الذين أُتيحت لهم الفرصة للتعرّف عليه ومعايشته عن قربٍ عبر السنين ومراقبة أعماله وطريقة عيشه عن كثب يشهدون بصدقٍ على صفاته السامية الراقية: جمّ التواضع رغم مقدرته الروحية العجائبية، عفيفٌ نبذ ملذّات الحياة الأرضية، يحنّ أبدًا إلى عالمه الفردوسيّ، رحيمٌ حتى مع الذين ارتكبوا الأذى بحقّه، كريمٌ وعطوفٌ على المحتاجين، إذ كان يساعد سرّاً العديد من العائلات الفقيرة والأسر البائسة.

وبالإضافة إلى جميع هذه المزايا السامية، تمكّن مؤسّس العقيدة الداهشية من تحقيق انجازاتٍ مذهلة وباهرة:

١- على الرغم من أنّه لم يلتحق بالمدرسة، ولم يتلقّ أيّ تعليم، استطاع بمجهوده الفرديّ أن يحصّل العلم ويخوض غمار الأدب الرفيع مؤلِّفاً ما يزيد عن المئة وخمسين كتاباً.

٢- تمكّن عبر مجهوده الخاصّ والوافر أن يؤسّس مكتبةً من أكبر المكتبات الخاصّة في العالم العربي تضمّ حوالي المئتي ألف كتاب.

٣- قام عبر مجهودٍ جبّار بإنشاء مُتحفٍ فنيّ يضمّ ألوف القطع النفيسة في الرسم والنحت يضاهي المتاحف العالمية المعروفة.

لو تمعّنا في تفاصيل حياة الدكتور داهش لوجدناها مؤلّفةً من سلسلة أحداثٍ مؤلمة، وعند قراءة كتبه وكلماته نرى بوضوح المعاناة التي تحمّلها والأحزان التي شعر بها .إنّ أولئك الذين ارتبطوا به بشكلٍ وثيق، يعرفون ويؤمنون إيمانًا وثيقًا أنّ تضحياته كانت من أجل الداهشيّين والبشرية جمعاء. إذ أنّه بطريقةٍ خارقة ومحسوسة، لا يمكن الشكّ فيها، تحمّل شخصيًّا معاناتهم وآلامهم. لذلك، بالنسبة للداهشيّين الذين يؤمنون به، ولمن سوف يؤمنون به، فهو الهادي والمخلّص.” 1

إنّ مجمل هذا الكتاب مأخوذٌ من عديدِ الكتب والمقالات الموثوقة التي تناولت حياة الدكتور داهش ومعجزاته واضطهاده وإنجازاته، كما أُضيف إليها كتاباتٌ مُحدثة، وقد نُظّم محتواه في حلّةٍ جديدةٍ جامعة تلقي أضواءً جديدة على حياة مؤسّس العقيدة الداهشية ومعجزاته وتعاليمه.

لقد أُهرق وسيُهرق الكثير من حبر الأقلام عن الدكتور داهش والداهشية، وليس من شكّ أنّ آلاف الصفحات ستُكتب وتضاف إلى آلاف الصفحات التي كُتبت عنه.

نتأمّل أن يلمس هذا الكتاب شغاف العقول النيّرة الباحثة عن الحقيقة الأزليّة الأبديّة، والنفوس الشفّافة التائقة إلى إكسير الحقّ الخالد، والقلوب المُرهفة الأحاسيس المتشوّقة إلى أنغامٍ إلهيّةٍ سامية، و أن يخرج القرّاء بنتيجةٍ أنّنا جميعًا، في استقراء حياة الدكتور داهش ومبادئ العقيدة الداهشيّة، أمام حدثٍ غير اعتياديّ يستأهل التأمّل والتبصّر وسبر الغور حتى الوصول إلى حقيقته وماهيّته.

error: Content is protected !!