فجر الرسالة الداهشية والقسم العظيم
عندما بلغ الفتى العشرين من عمره أخذ يلتفّ حوله عددٌ من المثقّفين الفلسطينيين ويتتلمذون على يديه، ومنهم الشاعر الفلسطيني المعروف مطلق عبد الخالق 20 ، الذي وإلى جانب تأليفه مجموعةً شعريةً بعنوان “الرحيل” ، نقل أيضًا إلى صيغة الشعر إحدى الأعمال الأدبية الأولى للدكتور داهش، “ضجعة الموت”. بالإضافة إلى فلسطينيّ مميّزٍ آخر، الوجيه توفيق العسراوي، الذي تأثّر كثيرًا بروحانية أفكار الدكتور داهش لدرجة أنه قضى حياته بعد ذلك متنسّكاً في أحد كهوف البتراء في الأردن بعدما وزّع ثروته على الفقراء، والإثنان توفّيا عام ١٩٣٧.
و ذات يوم من سنة ١٩٢٩، أُلهم الفتى العجيب بأنّه يجب أن يغيّر اسمه ويتّخذ اسماً روحيّاً ولقباً، وبأنّه سيُعطى الإسم الجديد عن طريق القرعة. فأخبر تلاميذه بذلك؛ فعمدوا الى كتابة اسماء كثيرة، على قصاصات من الورق، ثمّ طووها وخلطوها. واختيرت واحدة منها، فإذا فيها إسم ” داهش”. ثم كُتبت ألقابٌ كثيرة، وطُويت أوراقها وخُلطت، ثمّ اختيرت واحدة منها، ورافقه لقب “دكتور” مثلما رافق لقب “الحكيم” سليمان النبي.
في عام ١٩٣٠ وبعد أن اّتسعت شهرة داهش، و تناهت أخبار معجزاته الى المحافل العلمية في باريس، أرسلت إليه جمعية المباحث النفسيّة الفرنسية تستضيفه. فسافر إليها برفقة شقيقته أنطوانيت.
وإذ طُلب اليه ان يُري المجتمعين معجزةً من معجزاته، أجابهم أنه سيريهم آية يونان النبيّ.
فطلب أن يوضع في صندوقٍ حديديّ ويُحكم إغلاقه، ويُدفن في قعر نهر السين، سبعة أيّام، تحت الحراسة المشدّدة. أجفل المجتمعون، أولاً بخطورة العرض؛ لكنّهم عادوا فقبلوا، عندما كتب لهم إقراراً بأنه هو المسؤول عن عاقبة طلبه.
و بعد أن فحصته لجنة طبية قاموا بتنفيذ طلبه.
كان عدد الرجال المعاينين ١٥٠ شخصاً من المتخصّصين في الأمور النفسية والروحانية.
و بعد سبعة أيام اخرجوا النعش من قاع السين، وفتحوه. وابتسم داهش، وقفز من داخل النعش سليم معافاً.
بعد معاينة هذه المعجزة المذهلة بالإضافة إلى معجزاتٍ أخرى، مُنح داهش شهادة العلوم النفسية من قبل ” الجمعية النفسية الدولية ” SOCIETE PSYCHIQUE INTERNATIONALE بتاريخ ٦ أيار ١٩٣٠، ثم شهادة الدكتوراه من قبل ” معهد ساج ” SAGE INSTITUE الإنكليزي في باريس، بتاريخ ٢٢ أيار ١٩٣٠ .(أنظر صور الشهادات الموثقة).
و هكذا اقترن لقبه العلميّ بإسمه الروحيّ، ليُعرف بهما بين الناس .
الدكتور داهش الأديب:
بدأ الدكتور داهش بتدوين أفكاره وعواطفه سنة ١٩٢٧؛ حتى إذا بلغ أواسط العام ١٩٣٣، كان قد أنهى تأليف كتابه الأول “أسرار الآلهة “. وقبل تمام العام نفسه، أنجز تأليف كتابه الثاني “قيثارة الآلهة ” ، فالثالث رائعته ” ضجعة الموت ” . وقد صدر كتاب “ضجعة الموت” في عام ١٩٣٦ في مجلّدين، النسخة النثرية الأصلية التي كتبها الدكتور داهش، ونسخة شعرية للشاعر المعروف “مطلق عبد الخالق”. كما تمّ تزيينه بلوحاتٍ رائعة للرسّام الإيطالي “موريللي” الذي رسمها خصّيصًا للكتاب ، كما تصوّرها وتخيّلها الدكتور داهش. وأُعتبر الكتاب تحفةً فنيّة وأدبية، سابقًا لزمنه من ناحية الفنّ والإبداع .
وفي عام ١٩٣٦ أنهى الدكتور داهش تأليف كتاب “كلمات الدكتور داهش” والذي صدر في طبعته الأولى عام ١٩٣٩ .
و ما بين ١٩٣٣ و ١٩٥٠ توالت مؤلّفات الدكتور داهش حسب الترتيب التاريخيّ التالي : القلب المحطم، الإلهات الست، كلمات، جحيم الذكريات، الدهاليز، النعيم، الجحيم، بروق ورعود ، عواطف وعواصف ، مذكرات يسوع الناصري ، نشيد الأنشاد ، ناقوس الأحزان أو مراثي إرميا، عشتروت وأدونيس، نبال ونصال، من وحي السجن و التجريد و النفي والتشريد، أوهام سرابيّة و تخيّلات ترابية، الحمامة الذبيحة أو شهيدة الداهشية الأولى ماجدة حدّاد، ابتهالات خشوعيّة، مذكّرات دينار .
و بين ١٩٥٠ و ١٩٨٣ ألّف الدكتور داهش عشرات الكتب الأخرى التي تضمّ، في ما تضمّ، مجموعة “قصص غريبة وأساطير عجيبة ” بأربعة أجزاء، و سلسلة ” حدائق الآلهة ” و”فراديس الإلهات في عشرين جزءاً، و سلسلة ” الرحلات الداهشية حول الكرة الأرضية ” في اثنين وعشرين جزءاً، بحيث أربت مؤلّفاته على المئة والخمسين.
و قد خاض الدكتور داهش معظم الميادين الأدبيّة، و جلّى فيها.
وقد جُمعت آراء الأدباء والصحافيين والشعراء بأدب وكتب الدكتور داهش وبشخصيته ورسالته الداهشية في عديدٍ من الكتب منها، “تقييم مؤلفات الدكتور داهش الأدبية” ، “آراء” ، “الدكتور داهش بأقلام نخبة من معاصريه” وغيرها.
معجزات الدكتور داهش:
كانت تُعقد المعجزات والجلسات الروحية في ضوء النهار، أو تحت الكهرباء الساطعة، و دون إحراق بخور او إقامة سواتر، أو سدل حجب. وتتمّ المعجزات فيها بوضوحٍ كليّ، و يقينٍ ملموس، و بكلّ بساطة. و لا يهمّ إذا كان حاضروها قليلين أو كثيرين، مؤمنين أو ملحدين؛ ذلك بأنّ الخوارق التي تحدث فيها لا تتأثّر بإرادة شهودها، لأنها حقيقيّة، و القوة الروحية التي تجترحها بواسطة الدكتور داهش، لا شيء يصّدها أو يثنيها , لأنها إلهيّة.
وكان هدف هذه المعجزات إثبات وجود الروح الخالدة وتثبيت الإيمان بالله وبجوهر الأديان وبعودة الإنسان إلى المثل العليا والفضيلة والأخلاق.
وقد شهد الآف الأشخاص على خوارق الدكتور داهش، وقد وُثّقت بحذافيرها وتواريخها في العديد من الكتب والمجلات والجرائد والمقابلات الصحفية. يذكر منها الكتب التالية:
كتاب “معجزات وخوارق الدكتور داهش، يرويها الصحفي لطفي رضوان، رئيس تحرير مجلة “المصوّر” المصرية سابقاً، الدار الداهشية للنشر، نيويورك، ١٩٩٧”، كتاب “الخوارق الداهشية في عشرين عاماً، للدكتور فريد أبو سليمان، في ٣ أجزاء، الدار الداهشية للنشر، نيويورك ، ٢٠١٣-٢٠١٤”، “معجزات مؤسّس العقيدة الداهشية ومدهشاته الخارقة، للشاعر حليم دمّوس، دار النار والنور، بيروت، ١٩٨٣”، “المعجزات والخوارق الداهشيّة المذهلة، للشاعر حليم دمّوس، دار النار والنور، بيروت، ١٩٨٣”، “معجزات الدكتور داهش وظاهراته الروحية، للسيّدة ماري حدّاد، دار النار والنور، بيروت، ١٩٨٣”، كتاب “كيف عرفت الدكتور داهش، دار النسر المحلق، بيروت، ١٩٧٩، للشّيخ عبدالله العلايلي”، وغيرها.
ويُذكر من المجلاّت: “مجلّة الدبور، أعداد ٢٣ شباط ١٩٤٩، ٣ أيار ١٩٤٨، والعديد غيرها”، “مجلّة عالم الروح المصرية، لصاحبها أحمد فهمي أبو الخير” ، “مجلة اللواء عدد ٥ حزيران ١٩٦٤، ١٢ حزيران ١٩٦٤، ٢٦ حزيران ١٩٦٤، ٣١ تموز ١٩٦٤ و ٢٣ تموز ١٩٦٥ وغيرها”، “مجلة الأسبوع العربي عدد ٢٢ حزيران ١٩٦٤، مقالة للصحفي داود الصائغ، تحت عنوان: “أنا داهش اتحدّث اليكمً، حيث صُوّرت معجزاته تحت عدسة المصورين”، “جريدة النهار عدد ٢١ آذار ١٩٦٥ أجراها الصحفي حافظ ابراهيم خيرالله “، “جريدة الجريدة عدد ١٩ كانون أول ١٩٦٥”، “مجلة صباح الخير عدد ١٦ آذار ١٩٧٠”، وغيرهم.
و قد أوضح مؤسّس الداهشيّة الفرق بين الجلسة الروحيّة و”الوساطة الروحية” التي ما زالت تخدع كثيرين، بقوله:
“الجلسات الروحية التي أعقدُها ليست علماً، و ما كنت لأستطيع القيام بها من غير إذن الله، فهي منحة سماوية خصّني تعالى بها في هذا العصر، ليكون فيها مساعدة للتائقين إلى الحقيقة وللراغبين في الإيمان والإستقامة والتوبة . أمّا “الوساطة الروحية” التي يدّعيها بعض الناس المحترفين، كوسيلةٍ مزعومة لاستحضار الأرواح، فهي بعيدة عن ” الجلسات الروحيّة ” التي أعقُدها، بُعد الأرض عن السماء؛ وما عليك إلاّ أن تحضر، بعينين مفتحتين وذهنٍ نابه، جلسةً من جلسات أولئك القوم، ثمّ تَحضر جلسةً روحية، حتى تدرك الفرق العظيم، و كيف يختلط الظلام بالنور، و يلتبس الحقّ بالباطل في أذهان الناس! ذلك بأن “الوساطة الروحيّة” المزعومة ليست، في الحقيقة، الاّ شعوذةً و تدجيلاً قد ينطليان على بسطاء العقول، إنّما لا ينطليان على الأذكياء المستنيرين. والداهشية تفنّد ببراهين ساطعة لا يمكن النيل منها سفسطات أولئك المشعوذين المحترفين الذين يضلّلون الناس بتوافه الحيل والمخرقات، و اللذين هم أعجز من أن يعطوا حتى دليلاً ضئيلاً واحداً على صحّة أعمالهم الاحتيالية .
وتعدّدت أصناف الخارقات الروحية التي تجلّت على يدي الدكتور داهش، ومنها:
- شفاء الأمراض المستعصية شفاء فورياً؛
- التنبؤ بتفاصيل الأحداث المقبلة، مهما تعقّدت و تعدّدت وتنوّعت ؛
- معرفة الفكر و الحلم وما يكتمه الإنسان ؛
- إحياء الجماد وميت الحيوان؛
- تجسيم الصور؛
- تكوين الأشياء قبل وجودها المحسوس، وإعادتها الى الجمود بعد فنائها ؛
- إنماء النبات، و إنضاج فجّ الثمار، بلمح البصر ؛
- تغيير طبائع الأشياء ووظائفها، وتكبيرها وتصغيرها وإطالتها وتقصيرها وتغيير أشكالها و ألوانها ؛
- نقل الأشياء المادية من مكانٍ الى آخر بطرفة جفن وإن وزنت الأطنان، و بعدت ألوف الكيلومترات 47.
- معجزة شخصيّات الدكتور داهش الستّ.
مصرع الدكتور داهش ثمّ بعثه:
للدكتور داهش ستّ شخصيات أخرى غير شخصه البشري؛ و هذه الشخصيات كناية عن سيالاتٍ أي قوى روحية هي امتدادات له كائنة في عوالم علويّة متباينة، وبإذن الله يسمح لها، أحياناً، أن تتجسّد لإتمام أمور أو غايات روحيّة خطيرة، فتتّخذ شكله البشري تماماً بحيث تصبح (شبهه) . و إذ ذاك، يمكن من كان حاضراً أن يجالسها و يحادثها، ويتحسّسها، ويؤاكلها؛ لكنه قد لا يستطيع أن يميّزها عن داهش البشري، إلاّ إذا كانت ترتدي ثياباً مختلفة، وكان الناظر يعلم، سابقاً، ما يرتديه الدكتور داهش. ولا تخضع إطلاقاً لنواميس الأرض: فهي تخترق الحواجز والجدران، وتنتقل لمح البرق من مكان الى آخر، و إن يكن من أقصى المشارق الى أقصى المغارب، وتسيطر على الجاذبيّة، فترتفع في الهواء و تمشي على الماء، وتُثقل وزنها أو تخفّفه حتى تلاشيه؛ و هي قادرة، بإذن الله، على صنع ما تصنعه الروح من معجزات.
ومن عجائبها الباهرة أنّه في ٢٨ حزيران سنة ١٩٤٧، أُلقي القبض على إحدى الشخصيّات في أذربيجان من أعمال إيران، فقُتلت رمياً بالرصاص، ودُفنت في البلد عينه، في أول تمّوز من العام نفسه.
وقد نشرت الصحف في لبنان وجميع البلاد العربية نبأ مقتل الدكتور داهش وصور مصرعه. (أنظر الصور المرافقة).
وأُنشئت فيه مئات المراثي. و مع ذلك، كان مؤسّس الداهشية ما يزال بين أتباعه يعلم طرق الحقّ. أمّا شخصيته التي أُعدمت في أذربيجان، فسرعان ما بُعثت من الموت لأنّ الموت غير قادرٍ عليها؛ فهي لا تخضع لنواميس الأرض، لأنها ليست من الأرض.
وهذه الظاهرة تساهم في إظهار وحدة الإسلام والمسيحية ووحدة ما أُنزل من قبل ومن بعد، ففي الأناجيل أنه صّلب، وفي القرآن “وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبّه لهم”، سورة النساء :١٥٧.
فالأناجيل إذ تؤكّد صلب المسيح، إنّها تؤكّد صلب شخصيّة من شخصياته؛ لكن الإنجيليّين، لسببٍ روحي لم يوضّحوا ذلك، إنّما اكتفوا بالإشارة، بعد الصّلب، الى أنّ المسيح المصلوب بُعث من الموت، وكان يظهر ويختفي أمام تلاميذه عدّة مرّات؛ والقرآن الكريم، إذ يقرّر عدم صلب المسيح، إنّما يعني عدم صلب عيسى بن مريم الشخص البشري المولود، موضّحاً أنّ الذي صُلب إنّما هو شبهه؛ وما شبهه إلاّ إحدى شخصياته.
إنّ المعجزات التي صنعها الدكتور داهش لم تكن غايةً بحدّ ذاتها، بل وسيلةً، و بكلمةٍ اصحّ شهادةً على صحّة الرسالة الإلهيّة التي كان الدكتور داهش يشعر بإرهاصاتها، ويرتقب بشوقٍ عظيم أن يحقّقها الله على يديه، منذ حداثته؛ حتى إذا ما بلغ السابعة والعشرين، سنة ١٩٣٦، سجّل في كتابه ” كلمات ” شعوره قائلاً :
“أشعر بأني أحوي في أعماقي قوة روحية خفية هائلة تودّ الإنطلاق، لتقوم بعملٍ خطير عظيم ؛ و لكنّي أكبتها الى أجلٍ معلوم. ولن يمضي غير قليل حتى تتفجّر ينابيعها، وتجتاح في طريقها كلّ ما يعترضها من حواجز و عقبات، ثمّ تبرز للعيان جلية، واضحة، لا لبس فيها ولا غموض”.
وما ان انقضى العام المذكور حتى أثبت الدكتور في كلمة استقباله للعام التالي هذا القسم العظيم :
” أُقسم بك، يا خالقي، أنّه لو وجد ملايين
من الأغبياء المارقين، أو الخونة المماذقين،
و ملأوا طروس الأرض،
لا بل لو نقشوا حجارة هذا الكون بأسره، قائلين بها :
” إنّ رسالتي هذه غير صادقة “،
لمشيت رافع الرأس، موفور الكرامة.
و سأبقى على تبشيري و إذاعة رسالتي،
حتى تعمّ الأرض، و تنتشر في السماء أيضاً .
ولن تثنيني البرايا بأسرها عن أدائها، يا الله،
ما دمت أنت تمدّني بقوتك الالهية .
و هذه يميني يا خالقي،
أرفعها لك من أعماق قلبي
الذي لا يخفق الاّ بذكر اسمك القدّوس،
برهبة وخشوع كليّين”.