رحلات الدكتور داهش وتراثه الأدبي والفني
بدءاً من سنة ١٩٦٩، باشر الدكتور داهش “رحلاته حول الكرة الأرضية”، زائراً أكثر من أربعين بلداً، مدوّناً وقائعها في سلسلةٍ تحمل هذا الإسم، وتضمّ ٢٢ جزءاً. وقد سجّل فيها مشاهداته، وانطباعاته، وأحكامه البتّارة على مجنية القرن العشرين، حيثما حلّ.
وكان الدكتور داهش مولعاً بالفنّ وممجّداً لجماله. فأحد الأهداف الرئيسية لرحلاته حول العالم كان شراء وجمع القطع الفنية، من لوحات وتماثيل وغيرها. وقد شكّلت هذه المجموعة، التي وصل عددها إلى ما يزيد عن ال٢٠٠٠ قطعة فنية، الحجر الأساس لمُتحف داهش للفن. وقد بدأت رؤية مخطّط هذا المشروع الضخم قبل عقودٍ سابقة، عندما دأب الدكتور داهش وأتباعه المخلصين على إرسال حوالي النصف مليون رسالة إلى مختلف الفنّانين والمعارض في جميع أنحاء العالم لهدف إنشاء هذا الصرح الفني الرائع.
شهد عام ١٩٧٥ بداية الحرب الأهلية اللبنانية العنيفة والتي تسبّبت في مقتل حوالي ١٥٠ ألف شخص. وهذه الحرب كان قد تنبّأ الدكتور داهش بحصولها ونشرت النبوءة حينها في ٤ كانون الثاني ١٩٤٨ في جريدة “الحياة” اللبنانية. وبعد فترةٍ وجيزةٍ من اندلاع الحرب، تحرّك الدكتور داهش وأتباعه، وعلى وجه السرعة ورغم المخاطر الكثيرة والصعبة، عملوا على شحن المجموعة الفنية الضخمة إلى الولايات المتحدة الأمريكية لحمايتها من تهديدات الحرب وخطر السرقة.
وسافر الدكتور داهش إلى الولايات المتحدة في آذار ١٩٧٦ للإشراف على نقل القطع الفنية وتخزينها الآمن.
فضلاً عن ذلك، و عن وضعه عشرات المؤلّفات الأخرى، صرف مؤسّس الداهشيّة قسطاً وافراً من وقته، لإتمام إنشائه مكتبةً ثقافيةً جامعة كان قد بدأ تجميع كتبها، منذ عنفوان شبابه، و قد ضمّت، حتّى الآن، نحو ٢٠٠ ألف كتاب في لغات متعدّدة، اختارها بنفسه من بلدان كثيرة، لتكون تراثاً للداهشيين والبشرية يستحثّهم على الاستزادة من المعرفة.
بعد إستكمال رحلاته حول العالم، وفي ١٤ كانون الأول ١٩٧٨، عاد الدكتور داهش إلى لبنان ليشرف على طبع المزيد من مؤلّفاته، ومنها “قصص غريبة وأساطير عجيبة” (في أربعة أجزاء)، والأجزاء الأولى من سلسلة “الرحلات الداهشية حول الكرة الأرضية”، وسلسلتا “حدائق الآلهة توشيها الورود الفردوسية” (١٠ أجزاء) و”فراديس الإلهات يرصعها اللينوفار المقدس” (١٠ أجزاء).
وفي ١ أيلول ١٩٨٠، غادر لبنان نهائياً لاستئناف رحلاته العالمية، فزار أميركا والهند وبعض الدول الأوروبية.
وتوفّي الدكتور داهش في ٩ نيسان ١٩٨٤ في الولايات المتحدة الأميركية حيث دُفن .