مجلة “الأسبوع العربي”
هذا الطفل شُفيَ من الشلل والجنون
الأسبوع العربي العدد ٢١٠ السنة السادسة الاثنين ١٧ أيار ١٩٦٥
بقلم جورج عيسى
. … انتشل الدكتور داهش طفلا من الموت ، وكسر منجل القدر ، الذي كان يقترب من عنقه …
شيء مذهل، وظاهرة خارقة لنواميس الطبيعة ، تدلل على مقدرة الدكتور داهش الروحية …»
ويلصق الدكتور فريد ابو سليمان فمه باذن رئيس التحرير ، ليواصل سرد القصّة، وشوشة ، لئلا يسمع المحررون الملتفون حول طاولة الاجتماع في مكتب رئيس التحرير، وبين لحظة واخرى ، ينظر اليهم بريبة ، ليتأكد من ان احداً لا يسترق السمع .
وخلال دقائق ، كان الدكتور الداهشيّ يتسلل خارجا ، تاركا (للاسبوع العربي ) أن تنشر تفاصيل الحدث الفريد.
… وخلفه انطلقت ابحث عن الحقيقة
رأيت الطفل الذي ارتد عن القبر .. وتحدثت الى والدته ، وجده، والطبيب الذي اشرف على علاجه .. واخيرا … الدكتور داهش نفسه الذي اجترح المعجزة .
لنعد سنة إلى الوراء.. الى آذار مارس عام ١٩٦٤
الطفل ايلي معلوف يعيش في منزل جده الياس . بعد سفر امه الى السعودية للحاق بزوجها الذي يعمل هناك.
نهض الطفل في صباح احد الايام ، واتجه نحو المدرسة ، بادي الاعياء ، ينقل خطواته بتثاقل ، وعاد بعد الظهر ليندس في الفراش ، دون ان يتكلم ودون أن يتناول طعامه وبقي كذلك حتى الصباح التالي . يقول الياس ربيز جد الطفل : « لم نأبه للأمر، واعتقدنا أن الاعياء الظاهر على وجهه ، هو بداية « زكام ، سرعان ما يذهب، ويقفز الطفل من سريره . ولكن فوجئنا بما لم يكن يخطر لنا على بال، فما ان انبلج فجر اليوم الثالث ، حتى جلس ايلي في فراشه وطلب كوبا من الماء، اتته به خالته التي ما ان اقتربت من السرير ، لتضع حافته بين شفتيه ، حتى اقلت من يديها، واطلقت صرخة ، جمعت كل من بالبيت.
كان منظرا رهيبا الطفل ملقى على السرير ، وجسده متيبس كتمثال من الجبس، عيناه جاحظتان وفمه ملتو وشعره كالمسامير . حاولت اعادة راسه الى المخدة ، وانا غير مصدق ان في هذا لجسد شريانا واحدا لم يتجمد الدم فيه وكانه قطعة لحم في براد .
تحاملت على نفسى وحملته الى عيادة الدكتور جميل مالك، ومنها الى مستشفى سانت تريز في الحدث ، فأنبأت الفحوص والتحاليل التي اجريت له ، بوجود عارض في الراس يستوجب وضعه تحت اشراف طبيب اختصاصي .
وفي مستشفى “اوتيل ديو ” حيث الطبيب الاختصاصي انقضى اسبوعان .. والطفل في سريره الابيض .. عقاقير تعطى له بالفم ، واخرى يحقن بها، ومئات الليرات تنتقل من محفظتي الى ادارة المستشفى ، دون ان يطرأ تحسن على صحة الطفل فاضطررنا لنقله الى البيت ، طالما ان لا جدوى من العلاج .
وبحركات من يديه ووجهه يصف الرجل النوبات التي كانت تصيب الطفل ، ظهر كل يوم : يفغر فمه ، ويطلق صرخات هستيرية ويحرك يديه في الهواء كأنه يدافع بهما عن مُعتد يحاول ضربه، ولكنه لا يلبث أن يستكين ويستغرق في نومٍ عميق.
واستدعيت الام من السعودية ، فجاءت وهي لا تعلم ان حالة طفلها على هذه الدرجة من الخطورة ، ولم تصدق ، أن هذا الذي يصاب بنوبات جنونية ، يدخل اثناءها في معركة وهمية مع خصم غير مرئي هو ابنها ، الذي تركه سليما ممتلئا نشاطا وحيوية.
تقول نوال ربيز الام : بكيت لمرآه والقيت بنفسي على سريره ، وانا احملق في وجهه مذعورة ، لا ادري ما افعل ، ولو اردت ان افعل شيئا ، لما استطعت فقواي خائرة ، وسحابة سوداء تحجب الرؤية عن عيني .
ماذا حدث له ؟ هل انتهى بسبب عارض لم يتنبه له الجد الذي تركته في رعايته، فاستفحل الامر ، وترتب علي الان ان أدفع الثمن حسرة تنهش قلبي ..
ومرت دقائق .. الطفل بوجهه الوردي. ساكن على سريره ، وانا إلى جانبه ، جامدة الوجه ، لا احس بمن وبما يدور حولي .
وبحركة لا شعورية ، مررت بيدي على جبهته ، فانشقت اجفانه ، وبدا كأنه استعاد وعيه، ولكنه اطلق صرخة هستيرية ، انهمرت بعدها الدموع من عينيه وهو يردد :
“باردون مدموازيل سهام “
وسهام هي معلمة في المدرسة التي يذهب اليها.
حاولت احتضانه لتهدئته وإدخال الطمانينة الى قلبه، ولكن محاولتي زادت “نوبة الصرع ” ، فغرس اسنانه في لحمي ككلب مسعور ، وبدا يتاوه كانه بين يدي جلاد ، حتى أغمي عليه ثانية ، وراح في سبات اشبه بالموت .
وتواصل الام حديثها فتقول : ” يبدو ان سهام المعلمة ، كانت تقسو عليه ، فبات كل واحد في نظره سهام، حتى انا، وتطور الامر بمرور الايام ، وازدادت حالته خطورة ، فلم يعد يقوى على الوقوف على قدميه ، وعندما تنتابه الحالة الهستيرية لا يحرك سوى يديه ، كأنَّما الحياة رحلت عن اسفل جسده ، لتستقر في ذراعيه تمهيدا للرحيل النهائي » .
ويعود جده ليواصل الحديث : ” عندما يأسنا من امكانية شفائه بعد ان خسر الطب الجولة مع المرض ، حاولت تجربة علاج اخر ، لا أؤمن به، ولكن ما باليد حيلة ، فالغريق يتشبث بقشة .
حملناه الى كهوف المشعوذين ، لإعتقادنا بان ما به ” مسا شيطانيا ” ، وليس مرضا جسمانيا ، ففشل المشعوذ الأول والثاني ، وانتقلنا الى ثالث ، قال أنه يقرأ في الماء ويعرف سبب المرض وطرق علاجه وباستطاعته طرد العفاريت التي تحتل جسد الطفل .. ولكن لا العفاريت طردت . . ولا الطفل شفي.
وقال رابع : ساعطيكم وصفة ، تبعد عنه الشياطين ، وتطهر بيتكم من كل انواع الجن الازرق والاحمر ، الاناث منه والذكور، ولكن يتوجب عليك ان تقصدي السوق حالا – وكان يوجه كلامه الى الام _ لتبحثي عن اكبر صحن من البورسلين ، وحذار ان تحاولي مساومة البائع على ثمنه ، حتى لو طلب الف ليرة ..
وجاءت الام بالصحن ، حسب المقاييس والمواصفات التي اشار اليها، فكتب عليه بعض العبارات وطلب منها أن تلقيه في البحر في موضع معين وفي وقت حدده هو.
وطمأنها بان الشفاء سيكون على يديه وان الكتابة التي أدرجها على حافة الصحن سيزلزل كيان الشياطين ويهزم كل الجن ..
وقمت بتنفيذ أوامر المشعوذ، يقول جد الطفل ،” القيت بالصحن في البحر في المكان والزمان المحددين ، وعدت إلى البيت بانتظار الانقلاب الذي ستتعرض له مملكة الجن، مترقبا بلهفة شفاء الطفل على ايدى عملاء الشيطان المتفاهمين معه بلغة البخور والتوابل والبهارات والعطور “. و لكن شيئا لم يحدث ، وذهبت كل جهودنا وما بذلناه من مال ودموع مع الصحن لتستقر في قعر البحر ، وبقينا مع الطفل في دوامته ، اياما اخر ، مات خلالها عشرات المرات .
وفجأة خطر لي ان اعرضه على الدكتور داهش ، علَّه يستطيع مساعدتنا ، فحملته . وكان في ذلك اليوم في أسوء حالاته. واتجهت الى دير مار الياس للروم الأرثوذكس لأصلي له، قبل أن يراه الدكتور داهش » .
وبإنفعال وحركات دراماتيكية يقول الرجل، وقد لمعت الدموع في عينيه:” اندفعت الى داخل الكنيسة ، والطفل بين يدي، وبلا شعور صرخت باعلى صوتي :” دخلك يا مار الياس ، اظهر عجائبك لنا حق فيها . ولم أتمالك نفسي ، فبكيت.
و يصمت الرجل قليلا ، وتهدأ مشاعره فيكمل قائلا : ومن الكنيسة اتجهت مباشرة إلى منزل الدكتور داهش مع ابنتي ام الطفل – وكنا نعلم انه سيرفـــــض استقبالنا فانتظرنا قرب الباب، عله يفتح لزائر ، ندخل وراءه.
وحدث ما توقعنا ، وعندما انشق الباب الحديدي الاحمر ، اندفعت – والطفل بين بدي ملفوفا بغطاء من صوف وامـــــه خلفي – الى الداخل، وطلبنا مقابلة الدكتور ، الذي لم يجد مفرا ، امام الحاحنا الشديد من رؤية الطفل ، وسماع قصة مرضه ، ثم نهض الدكتور داهش وسار الى غرفة مجاورة : احضر منها ورقة صفراء أشعل النار فيها ، فتصاعد دخانها الى وجه الطفل.
وعدنا إلى البيت غير مصدقين أن دخان ورقة محروقة يعيد الحياة الى جسد بدأت تفارقه الحياة ، ولكن ما هي الا ساعات ، حتى حصلت المعجزة ، واستعاد الطفل وعيه ، ونهض على قدميه يذرع الغرفة ويضحك ويلهو ، كان شيئا لم يكن ..
هذا ما قاله اهل الطفل ، واعاد الدكتور داهش سرد القسم الاخير منه فقال : ” قبل عام جاءني الياس ربيز وابنته نوال، ومعهما طفلها البالغ من العمر ست سنوات ويبدو ان الجو كان انذاك مهيئا روحيا ، فكتبت على ورقة رمزا معينا طالبا المساعدة الروحية للطفل واحرقتها ، قرب وجهه ، حمله جده وانصرفوا ، دون ان ادري ما حدث له بعد ذلك ، وما اذا كان قد شُفيَ ام لا، وحتى لو قيل لي انه لم يشف لصدقت . ولكن بعد عام اتت الام لتبلغني ان طفلها قد شفي بفضل المساعدة الروحية التي طلبتها له.
وبعد الدكتور داهش، وبعد كل هذه الملابسات ، جاء دور الطبيب ليضع النقاط على الحروف ، ويفصل فيما اذا كان الشفاء قد تم بمعجزة بعد ان قهر المرض كل العلاجات ، أم أن الشفاء تم فعلا بتأثير العلاجات اثر خروج الطفل من المستشفى.
يقول الدكتور جدعون محاسب الاخصائي الذي عالج الطفل في مستشفى الحكومة:” عندما ادخل ايلي المستشفى ، كان اشبه بالميت. وبعد الفحوص الدقيقة التي اجريت له تبين انه يعاني من التهابات في السحايا الدماغية ، وهذه كثيرا ما تصيب الاطفال، فشرعت في اعطائه الأدوية اللازمة للقضاء على هذه الالتهابات التي سبَّبت له الشلل النصفي، وبعد اسبوعين، حصلنا على نتيجة مدهشة ، فقد زالت الحمى والالتهابات ، ولم تعد هناك ضرورة لبقائه في المستشفى ، فطلبت الى اهله نقله الى البيت، ليقضي فيه فترة النقاهة ريثما يستردّ نشاطه العقلي.
يقول اهل الطفل ان ان اخراجه من المستشفى كان بسبب اليأس من امكانية شفائه؟
على العكس تماماً، فلم أسمح له بمغادرة المستشفى ، قبل أن تيقنت من انه قد شفي تماما ، وبات في وضع طبيعي . وكل ما يقال غير ذلك ، لا يمت الى الحقيقة بصلة.
ولكن نوبات الاغماء والصرع لازمته بعد خروجه من المستشفى ؟
هذا أمر طبيعي طالما انه لم يسترد نشاطه العقلي، واسترداد نشاطه العقلي يتم بشكل مفاجىء، وعندها تزول هذه النوبات نهائيا ، وقد يستغرق ذلك بعد زوال الالتهابات – يوما او اسبوعا او شهرا ، وقد سبق وعالجت حالات كثيرة مماثلة ، فهذا النوع من المرض، غير مستعص وعلاجه متوفر .
يقال ان الطفل شفي بمعجزة روحية؟
انا طبيب اتحدث بلغة العلم، ولا افهم شيئا من هذه الأمور ، ولكنني اعتقد ان استعادة النشاط العقلي وهو اخر مراحل الشفاء من هذا المرض، قد يكون ذلك قد تم في اليوم الذي عولج فيه روحياً كما يقال، وكانت مصادفة ، فظن أهل الطفل أن الشفاء تمّ بمعجزة روحية ، وهو في اعتقادي لم يكن كذلك.
وعدت مرة اخرى الى الدكتور داهش استطلع رايه في الموقف الذي حسم الطب فيه، ولكنه امتنع عن التعليق واكتفى بما قاله في السابق عن الحادثة ، مؤكدا مرة اخرى انه لم يكن ليعلم بنتيجة العلاج الروحي، لو لم يبلغه أهل الطفل النتيجة.
والان هل يمكن القول ان في الامر معجزة ؟ وهل شفي الطفل من التهاب السحايا واستعاد نشاطه العقلي بفعل العقاقير والعلاجات ام ان الارواح تدخلت فهرب المرض ؟
صورة : الدكتور داهش والی پساره الدكتور فريد ابو سليمان : طلبت مساعدة الأرواح وبعد سنة قيل ليبان المعجزة حدثت.