بشير العثمان يفوز عن عكار ويحرز 11856 صوتاً بنبوءة من الدكتور داهش 

تحت هذا العنوان نشرت مجلَّة “اللواء” في عددها رقم 76،
الصادر في حزيران 1964، المقابَلة الآتية:


كلُّ الدلائل كانت تشير إلى أَنَّ بشير العُثمان سيفوز بالمقعد النيابيِّ عن عكَّار في انتخابات 5 نيسان الفائت، بعد أَن تفرَّق سليمان العلي وعلي عبد الكريم، حليفا الأَمس، في لائحتَين، ولكنَّ أَحدًا من الناس لم يكن ليعرف كم هو عدد الأَصوات التي سينالها بشير العثمان في تلك الانتخابات!
إلَّا أَنَّ الأُعجوبة الخارقة كانت هناك في محفظة نقود بشير العُثمان نفسه …
نائب عكَّار ووزير البريد والبرق سابقًا، بشير العُثمان، صديق الدكتور داهش منذ عام 1959، ولكنَّ أَواصر الصداقة لم تشتدّ بينهما إلَّا في عام 1961. وهو حين خاض انتخابات 1960، لم يكن يتبادل الزيارات بينه وبين العالـِم الروحانيّ، وكانت حساباته يومذاك تؤكِّد أَنَّــه سيفوز بالنيابة بعدد من الأَصوات أَكثر بكثير من الأَصوات التي أَحرزها هذه المــرَّة، فإذا النتائج تمنح المقعد النيابيَّ لكلٍّ من خصمَيه سليمان العلي وعلي عبد الكريم، ويبقى هو خارج البرلمان!
تغيَّرت المقاييس الانتخابيَّة في دورة 1964 …
فقد استعاد الرجُل عددًا من المناطق التي سقطت في أَيدي خصومه وكانت الحسابات هذه المــرَّة أَكثر دقَّــةً من حسابات عام 1960.
سلاح …المال
لكنَّ الموضوع ليس هنا …
إنَّه هناك، خلال اليوم الذي خطر فيه لبشير العثمان وزوجته السيِّدة عواطف أَن يمرَّا على منزل الدكتور داهش قبل أَن ينتقلا إلى عكَّار، وكان التاريخ السبت 29 شباط 1964!
ولم يكن الدكتور داهش لحُسن المصادفة خارج المنزل كعادته، بل كان داخل إحدى الغرف يطالع في أَحد الكتب …
الساعة تدقُّ النصف بعد الرابعة مساءً …
الدكتور داهش يسارع إلى استقبال زائريه، ويقول إنَّه سعيد بهذه الزيارة، فتفتح عواطف العثمان موضوع الانتخابات التي ستجري في عكَّار يوم 5 نيسان، وتقول إنَّ هذه الانتخابات تأْخذ منهما كلَّ الوقت، لا سيَّما وأَنَّها ستشهد صراعاً انتخابيًّا لم يمرّ على عكَّار قبل الآن. ويسأَل الدكتور داهش صديقه بشير العثمان:

أَتذكَّرُ أَنَّني نقلتُ مع الصحافيّ، الأُستاذ وليد عَوَض، تهاني الدكتور للنائب بشير العثمان. فسأَلَـنا: كيف حال الدكتور؟ أَجبــتُه: “إنَّه بخير، وإنَّه أَرسلَنا لكي نذكِّـرك بالرمز الداهشيِّ الذي كَــتَــبَه لك عند زيارتك له في 29 شباط.”
فكَّر النائب العثمان، ونادى على أَحدهم. ثـمَّ نهض وجاء بمحفظة نقوده، وفَتح الرمز الداهشيَّ، وصرخ بأَعلى صوته: “إنَّ الأَمر لا يُــصدَّق. يا أَلله …الــفَوز أَمرٌ معقولٌ، أَمَّا أَن يحدَّد لي الدكتور داهش عدد الأَصوات التي نلـتُها قبل الانتخابات بشهر ونيِّف …
وانعقد لسانه من الدهشة. لقد كان العدد 11856 صوتًا.

كيف شايف؟؟
فيقول بشير:

لابدَّ من التحسُّب للمفاجآت، وإن كنتُ على العموم واثقًا من أَنَّ عكَّار لن تخذلني هذه المــرَّة، رغم الأَموال التي بدأَت تتدفَّق في المنطقة على يد مَن كنتُ لهم بالأَمس أَوفى صديق ونصير!
وتقول عواطف:

المال هو السلاح الذي يخيفنا في المعركة.
وهنا قال الدكتور داهش:

اطمئنّي يا سيِّدتي.
وبحضور بشير العثمان وزوجته وقريب لهما اسمه حيدر سعد الله محمَّد رشيد، والدكتور فريد أَبو سليمان، “جوكر” الجلسات الروحيَّة، عقد الدكتور داهش جلسة روحيَّة، فكان هو كالعادة موضوع الاحتلال الروحيّ، وإذا به يمسك بيد العثمان، ويقول له بنبرات غريبة:

اطمئن يا أَخي، واهدأْ نفسًا!
ثـمَّ كتب الدكتور داهش على ورقة صفراء بعض العبارات، وأَقفل الورقة. ثـمَّ طلب من بشير العثمان أَن يغلِّف الورقة بورقة ثانية، ويكتب على هذه بخطِّ يده تاريخ الجلسة الروحيَّة، فكتب بشير العثمان عبارة: 29 شباط 1964، ثمَّ احتفظ بالورقة المطويَّة المغلَّفة داخل محفظة نقوده، ونهض مع السيِّدة زوجته وقريبهما وودَّعوا الدكتور داهش والدكتور فريد أَبو سليمان متوجِّهين إلى عكَّار.
ولم يعد الدكتور داهش يرى للثلاثة ظلًّا!
وفي هذه الفترة جرت الانتخابات في شماليّ لبنان، وفاز بشير العثمان وقائمته بالمقاعد النيابيَّة الأَربعة في عكَّار، أضي فاز هو وبهيج القدُّور عن السُّــنَّة، ورشدي فخر عن الموارنة، ويعقوب الصرَّاف عن الروم الأُرثوذكس، وكان مجموع الأَصوات التي أَحرزها العثمان، وهو رئيس القائمة، ما تعدادُه 11856 صوتاً!
من …. هو؟؟
ومرَّتِ الأَيـــَّـــام..
وتجمعني الصدفة مساء السبت الماضي بالدكتور داهش، فيقول لي:
لقد تنــبَّأْتُ لنائبٍ من الشمال، من منطقتك، بالفَوز، وبعدد الأَصوات التي سيحرزها. وهذه النبوءة مكتوبة على ورقة يحتفظ بها دون أَن يفتحها، وهو حين سيفتح الورقة سيُفاجأُ بدوره أَكثر مـمَّا سيفاجأُ أَيُّ إنسانٍ آخر!
وسأَلــتُه:

مَن هو هذا النائب؟؟
فلم يُـحِــرْ جوابًا، بل اكتفى بالابتسامة.

متزوج؟؟
قال:

نعم …

كان نائبًا سابقًا؟؟
قال:

نعم …

هل هو من طرابلس؟؟

لا.

من منطقة قرب طرابلس؟؟

نعم.

هل هو بشير العثمان؟؟
ولَـم يـُحـِـــرْ الدكتور داهش جوابًا مرَّةً أُخرى، وقال:

ستزور هذا النائب بنفسك يوم الإثنَين، ويكون معك الدكتور فريد أَبو سليمان الذي سيطلب من صاحبنا أَن يفتحَ الورقة، ويقرأَها بنفسه!
وكان مساء الإثنَين …
الدكتور أَبو سليمان يتَّصل بي بالتلفون، ويقول لي:

أنتظرك بسيَّارتي أَمام مدرسة “اللايــيك” للبنات في محلَّة ” كركول الدروز”، مع دقَّات الساعة الثامنة والنصف!
وفي الموعد المحدَّد كنت هناك مع المحرِّر رياض جركسي، ومصوِّر المجلَّة “ڤاسكين”.
وإذا بنا ندخل مع الدكتور أَبو سليمان منزل النائب بشير العثمان نفسه، فأُفاجأُ بأَنَّ سبب انقطاع الرجُل عن الظهور في الحفلات التي يحضرها النوَّاب هو أَنــــَّــه طريح الفراش بعد أَن داهمه مرض “اليرقان”، وأَلــزَمَــهُ المنزل حتَّى يستكمل فترة العلاج!
وفوجئ بشير العثمان بنا …
واعتذر عن عدم وجود أَحد في المنزل سواه، لأَنَّ العائلة ذهبَت إلى المطار لاستقبال قريب لها عائد من الولايات المتَّحدة. وسأَلــتُه:
أَلا تشترك في المباحثات النيابيَّة التي تدور الآن حول معركة الرئاسة؟
قال:

بلى لقد كان عندي اليوم كلٌّ من الرئيس رشيد كرامي والأَخ رينيه معوَّض!…
وهنا يتابع الرواية الدكتور فريد أَبو سليمان فيقول:

– أَتذكَّرُ أَنَّني نقلتُ مع الصحافيّ، الأُستاذ وليد عَوَض، تهاني الدكتور للنائب بشير العثمان. فسأَلَـنا: كيف حال الدكتور؟ أَجبــتُه: “إنَّه بخير، وإنَّه أَرسلَنا لكي نذكِّـرك بالرمز الداهشيِّ الذي كَــتَــبَه لك عند زيارتك له في 29 شباط.”

فكَّر النائب العثمان، ونادى على أَحدهم. ثـمَّ نهض وجاء بمحفظة نقوده، وفَتح الرمز الداهشيَّ، وصرخ بأَعلى صوته: “إنَّ الأَمر لا يُــصدَّق. يا أَلله …الــفَوز أَمرٌ معقولٌ، أَمَّا أَن يحدَّد لي الدكتور داهش عدد الأَصوات التي نلـتُها قبل الانتخابات بشهر ونيِّف …

وانعقد لسانه من الدهشة. لقد كان العدد 11856 صوتًا.

error: Content is protected !!