أنا داهش أتحدّث إليكم
تحت هذا العنوان نشرت مجلَّة “الأُسبوع العربي” في عددها رقم 263،الصادر بتاريخ 22 حزيران 1964، المقابلة التالية التي أَجراهاالصحفيّ داود أ. الصائغ مع الدكتور داهش. وقد استَهَلَّها بقوله:”قابلتُ الدكتور داهش 3 مرَّات ليقدِّم لكم نفسَهُ وفلسفَتَه وخوارقَه.”
“تُرى ماذا سيقول الناس عنّي بعد موتي وزوالي؟
إنَّ البعض سيستمطرون على اسمي اللعنات والنقمات.
كما إنَّ آخرين سيردِّدون ذكري بالتقديس والرحمات.
وستخرجُ آهاتٌ عميقةٌ من شتَّى القلوب والصدور،
بعضها آهاتُ غبطةٍ وحبور، وبعضها غصَّاتٌ لِساكِن القبور.
أَمَّا أَنا، فحسبي أَن أَكونَ بين يدَي الديَّــان لعرض أَعمالي؟”
مَن ذا الذي يفكِّرُ بأُمور الحياة والآخرة، ويتوقَّع أَن يذكره البعض بالمديح وآخرون باللعنات. أَتُــراهُ قام في حياته بما يستَوجِب أَن ينقسِمَ الناس حول أَعماله فئــتَين، فخرجَ عن دائرة الرجل العاديّ الذي يُــقال عنه في حياته وبعدها “إنَّــه رجلٌ آدميٌّ”؟
لعلَّ الأَسواء لم تُنسَبْ مرَّة إلى إنسانٍ كما نُسِبَتْ إلى قائل هذه الكلمات. دولةٌ بأَسرها بكامل أَجهزتها، وقــفَت في وجهه، من رئيسها الأَوَّل، إلى هيئتَيها التنفيذيَّة والتشريعــيَّة إلى جميع المأْمورين عندها، إلى جهاز الإعلام فيها الذي تولَّى قيادة الحملة وقال للناس: ارجموا هذا الرجل، أَلصقوا به النقائص، أَرفقوا اسَمه باللعنة والشتــيمة، ضعوه على هامش مجتمَعكُم، فهو عميلٌ للشيطان … ولَغَطَ الناس بأَخباره، وقالوا عنه: ساحر، مُشعوِذ، مُنوِّم مغناطيسيّ، سَلَبَ الناسَ عقولَـهم وأَموالَـهم، وأَلْحــَــقَ بهم الويل. وهزأَ المجتمع بكلِّ من تبعَه وآمن بما يقوله ويفعله.
قصَّـةٌ قديمة، ترجعُ إلى أَبعد من عشرين سنة. ومنذ ذلك الزمان، لم يتبدَّل بعد رأْيُ الناس فيه أَو تتغيَّر صورتُـه في أَذهانهم. فإذا ما سأَلتَ أَحدًا عنه ردَّد على مَسامعكَ هازئًا ما حفظَه من أَخبار السوء عنه، وأَردفَ يقولُ بكثيرٍ من اللامُبالاة: “تُــرى، ماذا حلَّ به اليوم. يقولون إنَّه قُــتِلَ في طهران [أَذربيجان]، وإنَّ الحكومة أَبعَدَتْه منذ مُدَّةٍ طويلة وحظَّـرَت عليه دخول البلاد ثانيةً … الرجل انتهى منذ زمن بعيد، وأَحابيلُه انكَشَفَت للناس …”.
حسبُـنا أَن نعلَم أَنَّ أَكثر الذين يعرفونه عن كَثَب، ويعتبرون أَنفسهم من الـمُقرَّبين إليه ويعترفون بمقدرته في افتعال الخوارق، ويحدِّثونك بإعجاب عن خُلُقِه وإنسانيَّته ومبادئه، وبراءته مـمَّـا نُسِبَ إليه، يستحلفونَك في نهاية حديثهم أَلَّا تنقل شيئًا عن لسانهم بخصوصه، وأَن تحفظَ ذلك في سرِّكَ ولا تذيعَه؛ فهم يخجلون ويخافون أَن يجاهروا برأْيٍ صالحٍ عنه مَخافَةَ أَن يحسبهم الناس من أَتباعه، فينبذوهم كما نبذوا أَمثالهم من قبل.
أَمَّا هو، فيعرفُ ذلك ويقول لك: “أَنا أَعذرُهم، فالإنسان مهما علا شأْنُـه، مطبوعٌ على الضعف.” ولعلَّ ابتعاد الناس عن هذا الرجل [هو] ما جعله يبتعد عنهم، هو أَيضًا.
داهش، الرجل الأُسطورة، أَين هو؟ مَن هو؟ كيف يعيش؟ مَن هم الداهشيُّون؟ ما قصَّة خوارقه؟ لماذا لا يقوم بمعجزات تجعلُ الناس يؤمنون بمقدرته الروحيَّة إذا كان من غير طينة البشر العاديِّين؟ أَو لماذا لا يدعهم يؤمنون به على الأَقلّ، فيسيطر على عقولهم، وينزع منها صورة الشرّ التي طُــبِعَت في مخيِّلاتهم عنه؟
ونحن، في تحقيقنا عنه، لا نتوخَّى إنصاف الرجل أَو الدعوة للإيمان به بقَدرِ ما نتوخَّى القيام بتحقيقٍ موضوعيٍّ مع داهش وعَنه. سنَدَعُه يتحدَّث إليك لأَوَّلِ مرَّة، يشرحُ لك مبادئه، يروي لك أَسبابَ النقمة التي أُثيرَت عليه، يُبدي آراءَه المختلفة، ويُطلِعُك على طريقة عَيشِه وأَسرار مقدرته غير العاديَّة. وسينقلُ إليك بعضُ الداهشيِّين بعضَ الأَخبار عنه، ويكشفون عن الأَسباب التي حدَتْ بهم لاعتناق الداهشيَّة والـمُجاهرة بها.
داهش، من هو؟
اسمه الأَصليّ سليم العشِّي، لبنانيٌّ مسيحيٌّ بروتستانتيٌّ، وُلـِدَ [في القُدس]، ونشَأَ في حيِّ المصَيطبة عام 1912. وكان والــدُه موسى العشِّي رجلاً تقيًّا صالحًا، توفّــيَ عام 1920، تاركًـا لزوجته أَربع بنات وصبيًّا. وكانت العائلة فقيرة الحال، زادت في ضيق يدها ظروف الحرب القاسية. فلم تجدِ الأُمُّ بدًّا من إدخال الصبيّ أَحد المياتِم. فقضى سليم في الـمَيتَم بضعة أَشهر، كانت كلَّ عهده بالدراسة، وخرج بعدها مُلِمًّا بالقراءة والكتابة، ولم يدخل المدرسة ثانية.
ويروي الدكتور فريد أَبو سليمان “أَنَّ مقدرة سليم هذه قد تجلَّت عنده في سنٍّ مُبكِّرة. وتعــوَّدَ رفاقُــه في اللعب أَن يشاهدوه وهم يلعبون معه في “الكِلَل”، يضعُ يده فوقها فتختفي فجأَةً. كما استطاع مرَّةً، وهو في العاشرة من عمره، أَن يحوِّلَ الرماد إلى كتابٍ، كتابٍ كان خالُـه قد حرقَه له ليحمله على تخفيف الـمُطالعة خوفًا على صحَّته من الإجهاد”. وطارت شُهرتُـه في الحيّ أَوَّل الأَمر، وانطلق الناس يتحدَّثون بدهشةٍ عن مقدرة الصبيّ الروحيَّة، ويتناقلون أَخبارَه. وانكَبَّ سليم على المطالعة ليعوِّضَ ما فاتَه تحصيلُه زمنَ الدراسة؛ فالمطالعة كانت ولا تزال شاغله الأَكبر.
وسافرَ سليم العشِّي إلى الخارج، وطافَ في البلاد العربيَّة والأُوروبيَّة، واستحصل على لقب دكتوراه من جامعة [معهد] لوساج [Sage Institute] في باريس عام 1930. على أَنَّ مقدرة الدكتور داهش الروحيَّة، كما يقول الداهشيُّون، لَـم تبرُز بشكلها الواضح القويّ إلَّا ابتداءً من عام 1942. وفي تلك السنة بالذات اعتنقَ كثيرون الداهشيَّة. فكان أَوَّلَهم يوسُف الحاجّ، ثـمَّ حليم دمُّوس والدكتور جورج خبصا والدكتور فريد أَبو سليمان وجورج حدَّاد وزوجته [ماري حدَّاد] وجوزف حجَّار وآل نـعَيمــة. كما آمن كثيرون بمقدرته دون اعتناق الداهشيَّة. والجميع يقــرُّون بقـوَّة الرجل غير الطبيعيَّــة.
يقول الدكتور فريد أَبو سليمان: “أَنا أُؤمنُ بأَنَّ الدكتور داهش فوق مستوى البشر، يقوم بالأَعاجيب والخوارق. قـوَّتُــه تتحدَّى العلم والناموس الطبيعيّ، وليس في العالَـم كلِّه مَن يتمتَّع بمقدرةٍ كمقدرته، ووجوده في لبنان حدثٌ بشريٌّ كبير ونعمةٌ ما بعدها نعمة.”
تعرَّف الدكتور أَبو سليمان على الدكتور داهش بواسطة يوسف الحاجّ، عام 1942. وهو يُـعتَـبَـرُ اليوم من أَكثر الداهشيِّين إيمانًا بداهشيَّتهم، وبداهش، وأَكثر الـمُقرَّبين إليه. يخبِـرُكَ أَنَّــه، أَثناء المدَّة التي تعرَّضَ فيها الدكتور داهش للملاحقة، تعرَّض هو أَيضًا مع سائر الداهشيِّين للضغط والـمُضايقة من قِــبَل السُّلطة، وأَنــــَّــه خُــيّــِرَ عام 1944 بين الاحتفاظ بوظيفته الحكوميَّة التي كانت تدرُّ عليه ثلاثة آلاف ليرة في الشهر، أَو تَــرْك داهش. يومذاك قال للذين خَــيَّــروه إنَّه مستعد للتضحية بكلِّ شيء مُقابل عدم التخلِّـي عن عقيدته. والدكتور أَبو سليمان يحفظُ كلَّ شارِدةٍ ووارِدة من أَخبار داهش، ويُسجِّلُها كلَّها في سجلٍّ خاصّ، ويقوم بمهمَّة صلَةِ الوصل بين الدكتور داهش والناس.
والدكتور جورج خبْصا داهشيٌّ منذ عام 1942 أَيضًا. عرَّفه على داهش المرحوم حليم دمُّوس. أُعجِب بالرجل منذ أَوَّل وهلة، وآمن بقوَّته الروحيَّة العجيبة منذ أَوَّل ظاهرة. على أَنَّ رأْيه في داهش يختلف بعض الشيء عن رأْي الدكتور أَبو سليمان. يقول عنه: “الدكتور داهش رجلٌ مثل سائر الناس، يتميَّزُ عنهم بالقوَّة الروحيَّة الخاصَّة التي يتمتَّع بها، والتي يمارسُها لغايةٍ مُعيَّنة، وهي إظهارُ قــوَّة الروح واللامنظور. فالدكتور داهش لم يستعمل هذه القوَّة مــرَّةً لغايةٍ دنيويَّــة أَو مادِّيَّــة. ومبادِئُه مثل كلِّ المبادئ، لها مؤيِّدون ومعارضون … وهي لـم تنتشر حتَّى الآن بشكلٍ واسع لأَنَّ عالَمَنا هو عالَـمٌ مادِّيٌّ، وتفكيرُ الناس مادِّيّ. فالمادَّة طَغَت في عصرنا الحاضر على كلِّ شيء، وغَدَت الروحانـيَّـات في “المرتبة الثانية”. وابتعاد الدكتور داهش عن الناس، في رأْي الدكتور خبصا، مَردُّه إلى عدم رغبته في تنفيذ الرغبات المادِّيَّــة التي يطالبُه بها هؤلاء، “لأَنَّ قــوَّتَــه لا يجب أَن تُستَعمَل إلَّا لغاياتٍ روحيَّــة.”
مع الدكتورَين خبصا وأَبو سليمان، تعالَ معنا لــنُدخِلَك إلى محراب داهش، ونكشِف الداهشيَّة.
تَـخَـالُ نفسَك في مُتحفٍ وأَنت تدخلُ إلى منزل داهش. يستلفتُ انتباهَك أَوَّل ما يستلفتُ اللوحات الزيــتــيَّــة العديدة التي تُــزيِّــنُ الجدران، والــتُّحَف الصغيرة الـمُوزَّعة على الطاولات وفي الزوايا وعلى الحيطان. تدخل المكتب أَوَّلاً، وتستريح قليلاً قبلَ أَن يجيءَ الخادم ويُــعْــلِمُك بأَنَّ الدكتور بانتظارِك. يقودُك ممشى طويل إلى باب الصالون، حيث يقف رجلٌ مربوعُ القامة، يستقبلُك بحرارة ولُطف مُتناهيَين، ويدعوكَ للدخول والجلوس. تتأَمَّلُ في وجهه مَلــيًّا لتحاولَ أَن تــتــبـيَّنَ بعض ملامح القسوة والشرّ التي انطبَعَت في ذهنِك عنه لكثرة ما سمعتَ من أَخباره: وجهٌ أَسمر مستدير يوحي بالطيـبة والـثِّـقة، ذو تقاطيع مُـتـناسقة، عينان سوداوان واسعتان، جبهةٌ فسيحة، صدغان بيضاوان وشاربٌ رفيع. وتكتشفُ شيئًا فشيئًا أَنَّ الرجلَ لا يختلفُ عن سائر الناس في شيء، وأَنَّ أُسطورَتَــه هي مـُجــرَّد أُسطورة. ثـمَّ يزولُ تَعجُّـــبُــك حين تسمعُه يرحِّبُ بك مُـجدَّدًا بصوته الهادئ الخافت، وتحسُّ أَنَّــه مُرتبكٌ بعض الشيء لِمُجالستك ارتباك الصغير الذي يشعرُ بالخجل وسط جمع للكبار لا يعرفهم. يستوي في جلسته، ويجيبُ على أَسئلتك بهدوءٍ ودون أَيِّ انفعال، أَو يجيبُ عنه أَحد الداهشيِّين الحاضرين … “تفضَّل، اسأَل.”
“قــوَّتي هِــبَــةٌ وليسَت عِلْـمًا”
الله، الروح، المادَّة، الدين، الثواب، العقاب، خلود النفس، الجلسات الروحيَّة، أَكثر ما يستعمل الدكتور داهش من تعابير.
داهش: “عصرُنا هو عصرُ المادَّة، عصرُ الآلة والاختراعات، عصرٌ أَضعَفَ إيمان الإنسان بالقـيَم الروحيَّة وجعَلـه يولي المادَّة اهتمامه الأَوَّلي [الأَوَّل]. في الجلسات الروحــيَّــة نــتحقَّقُ بأَنَّ قــوَّةَ الروح تفوقُ قــوَّة المادَّة، لأَنــَّها خالدة لا تزول، وأَنَّ هنالك ثوابًا وعقابًا. فباستطاعة الروح مثلاً، في جلسةٍ روحيَّــة، أَن تحوِّلَ صحنَ السجائر الزجاجيّ هذا إلى صحنٍ ذهبيٍّ، ويبقى هذا الصحن أَبدًا …أَن تُعيدَ إليك شيئًا فَقدْتَــه منذ مدَّةٍ طويلة، وفي أَيِّ مكانٍ كان؛ أَن تحوِّلَ لك ورقة عاديَّة إلى ورقة مائة ليرة؛ أَن تحملَك من مكانك إلى مكانٍ آخَر، إلى خارج البلاد مثلاً، في نفس الظرف؛ أَن تستحضرَ إلى قربك أَيَّ شخصٍ أَو شيءٍ تريده؛ وبكلمةٍ، تـــُجيــبُ الروح على كُلِّ مطالبك ورغباتك.”
ويــؤكِّــدُ الدكتور داهش أَنَّ الظواهر هذه إنـــَّما تحدث لــتُــبَـيِـّنَ أَنَّ القوَّة الروحيَّة هذه ليست من صنع البشر. “قــوَّتي هبةٌ وليست عِلْمًا، والظواهر تجري بدون إرادتي”. والجلسات الروحيُّة وسيلةٌ لا غاية، هدفُها إظهار تــفَــوُّقِ النفس وحمل المرء على التــثــبُّت من خلودها، وجعله يؤمن بأَنَّ هنالك ثوابًا وعقابًا، وتدفعه إلى الإصلاح من حاله والسير على قواعد مستقيمة.
والداهشيَّة، كما يقول داهش، لا تـتـنافى مع الأَديان مطلقًا، فهي تــقوِّي المسيحيّ في مسيحـيَّـته، والـمُسلم في إسلامه؛ وتعاليمها مَثَلٌ لكلِّ إنسان يريد السير على قيمٍ روحيَّة ثابتة، فالداهشيُّون يقولون: “الله ينبوع والديانات جداول.”
وهذه الخوارق التي يقوم بها الدكتور داهش تظهر أَثنــاء الجلسات الروحيَّة. وحضور هذه الجلسات يتطـلَّب شروطًا. فعلى الراغب في ذلك أَن يرسم على ورقة نجمة خماسيَّة، ويكتب في زواياها الخمسة أَحرفًا لو جُـمـِعَت لكانت كلمة “جذبوها”؛ وعلى الورقة تكتب “بحقِّ الله والنبيِّ الحبيب الهادي أَن يُسمَحَ لي بجلسة روحيَّــة.” ثـمَّ تُوقِّع، وتضع التاريخ، وتطوي الورقة بطريقة خاصَّة، ثـمَّ تحرقها.
وعليك أَن تكــرِّر هذه العمليَّة مدَّة ثلاثين يومًا متوالية. إذَّاك تُدعى لحضور الجلسة، وتشهد “المعجزات” بنفسك.
الدكتور خبصا: “أَنا أُمارس الطبَّ منذ خمسة وثلاثين عامًا، ولا أُؤمن إلَّا بالأَشياء الحسيَّـة الملموسة. في عام 1930، حين كنت لا أَزال أَدرس الطبّ في باريس، فقدتُ مُفكِّرة صغيرة كنتُ أُدوِّنُ عليها بعض الملاحظات اليوميَّة. وعبثًا حاولت البحث عنها. وفي عام 1942، بعد أَن اجتمعتُ بالدكتور داهش وحضرت أَوَّل جلسة روحـيَّـة، طلبتُ إليه أَن يُعيدَ إليَّ، بواسطة الروح المفكِّرة التي فقدتـــُها في باريس، فقال لي: ضعْ يدك بيدي، ففعلتُ، وإذْ بالمفكِّرة نفسها في يدي. أَخذتـُها، تفحَّصتُها، وهي لا تزال معي حتَّى الآن.”
الدكتور أَبو سليمان: “اسمَعْ هذه القصَّة. كنتُ ذاهبًا مـرَّة مع الدكتور داهش لزيارة أَصدقاء. وعندما وصلنا، رأَيته يسبقني على السلَّم ويخترق الباب في أَعلى الدرج. وحين تبعــتُه وحاولتُ الدخول بدَوري، اصطدمتُ بالباب المقفَل، وارتطم رأْسي به. إذَّاك قرعتُ الجرس، ففتح لي أَحدهم بعد دقيقتَين وقال لي: رأَينا الدكتور داهش يقف بيننا فجأَةً ونحن جالسون، دون أَن نراه يدخل من أَيِّ باب. إذَّاك علمتُ أَنَّ الباب الخارجيَّ كان مُقفلاً عندما دخل منه الدكتور داهش، وعندما حاولتُ أَن أَدخل أَنا أَيضًا.”
واستطرد الدكتور أَبو سليمان قائلاً:” بإمكان الدكتور أَن يدخل والأَبواب مُـقفلة، وكثيرًا ما فعل ذلك معنا. وله ستُّ شخصيَّات، فبإمكانه أَن يكون موجودًا مرةً واحدة في مكان واحد أَو في ستِّ أَمكنة مختلفة.”
وعن ظاهرة شخصيَّات الدكتور داهش هذه، روى المرحوم حليم دمُّوس في مجلَّة “عالَـم الروح” المصريَّة، لصاحبها أَحمد فهمي أَبو الخير، في نيسان 1951، ما يلي:
” … وهذه الظاهرة غريبة في بابها، أُدوِّنُـها كما وقعت بتاريخ 6 أَيَّــار من عام 1944، فليطالعها القارئ بدقَّــةٍ وعناية:
“في مساء ذلك اليوم (6 أَيَّــار) كنتُ جالسًا مع الأُستاذ يوسُف الحاجّ، صاحب مجلَّة “الأَنوار” المحتجبة، فأَشار علينا مؤسِّس الداهشيَّة (الدكتور داهش) بوجوب كتابة رمز مُقدَّس وحرقه في الغرفة التي نحن فيها، وهي غرفة الجلسات الروحيَّة. فقمنا بما طلبه منَّا تمامًا. وما كدنا ننتهي من إحراق الرمز المقدَّس وتحويله إلى رماد حتَّى قُرعَ باب الغرفة التي نحن فيها، ودخَلَت على الأَثر شخصيَّة من شخصيَّات الدكتور داهش وحَـيـَّــتــْــنا، وكانت ترتدي نفس الثياب التي كان يرتديها. وفُــتِحَ باب غرفة النوم المجاورة، فإذا بشخصيَّةٍ ثانية تدخل علينا وهي ترتدي غير ثيابه، ثـمَّ قُـرِعَ باب الحمَّام الـمُقابل تمامًا لغرفة النوم، وإذا بشخصيَّة ثالثة تظهر وهي مرتدية ثوبًـا لا يشبه ثياب الشخصيَّة الثانية ولا الأُولى. وما هي إلَّا لحظة حتَّى لـمَحنا من جهة غرفة الطعام مرور شبح ما لبث أَن اقترب رويدًا رويدا من الغرفة التي نحن فيها، وإذا به شخصيَّـة رابعة، وكانت ترتدي بدلة نوم (پيجاما) ذات خطوط مستطيلة.
“وأَخيرًا برزت أَمامنا من صحن الدار الداخليّ شخصيَّــةٌ خامسة وهي ترتدي بدلة تختلف عمَّا ارتدته بـقيَّــة الشخصيّات … فهذه الشخصيَّات الخمس أَلَّــفتْ شبه حلقة، وجعل كلُّ شخص فيها يحادثُ رفيقه وزميله وشبيهه بشتَّى الشؤون الروحيَّة العُلويَّة التي لها أَسمى وأَقوى صِلة بهذه الرسالة الداهشيَّة. أَمَّا نحن فكنَّا نصغي خاشعين وكلُّنا عيون مدهوشة وقلوب خائفة لِما نراه ونلمسه ونسمعه. وليت شعري هل باستطاعتنا إنكار مثل هذه الحقائق والمعجزات والخوارق، وكلُّها ظاهرات واقعيَّة تجري أَمامنا! أَمَّا مؤسِّس الداهشيَّـة نفسه، فقد جلس على كرسيِّه بجانب مكتبه الخشبيِّ، وجعل ينظر إلى شخصيَّاته الخمسة وهو يبتسم … وبعد مرور عشرين دقيقة من الوقت وقَفَت الشخصيَّات الخمس وودَّعَتنا مسلِّمةً علينا يدًا بيَد.”
وكان المرحوم حليم دمُّوس من أَكثر الداهشيِّين إيمانًا بداهش وبتعاليمه. وضع تآليفَ عديدة، ونظم قصائد لا تـُحصى عن الداهشيَّـة. وكان يدوِّنُ الوقائع التي يشهدها في كتاب اسمه “الوقائع الداهشيَّـة”، ويراسل مجلَّة “عالَـم الروح” المصريَّـة، ناقلاً إليها أَخبار الرجل وخوارقه. نشر في هذه المجلَّة مـرَّة واقِــعــةً عن نقْل مسبَحة من كربلاء، في جلسة روحيَّة، للشيخ منير عسيران، وكيف في جلسة أُخرى، طلب المحامي إدوار نون إلى داهش أَن يتحوَّل الماء إلى نبيذٍ مُعتـَّـق، وكيف تنبَّأَ داهش بموت خليل معتوق، وكيف عرف ماذا يجول في خاطر صبري حماده فوضع له في يده نموذجًا مادِّيــَّـا من ذلك الفكر، وكانت “خمس دنانير ذهبيَّة، تاريخ ضربها قديم”، كنموذجٍ ملموس عن الصناديق الذهبيَّة التي كان صبري حمادة يعتقد أَنــَـَّها مــُخـبَّأَة في مكان ما من جرود عكَّار منذ زمن الحرب.
“نحن نـؤمنُ بالـتــقمُّـص”
والداهشيَّـةُ فكرةٌ روحيَّة قبل كلِّ شيء يؤمن الذين يدينون بها بالـتقمُّص. يقول داهش: “التقمُّص” رحمة إلهيَّة، ولو لَـم يكن هنالك تقمُّص لهلك جميع الناس، ولَما كانت قــوَّة إلهيَّة. فالمرء لا يمكنه التغلُّب على كلِّ الميول والنزعات: المرأَة، المال، الكبرياء، الكذب، الخ … فالتقمُّص يكون بنسبة أَعمال الإنسان، والإنسان يتقمَّص بنسبة أَعماله. والذين يولدون من أَصحاب الأَمراض والعاهات يكونون قد أَوصلوا أَنفسهم لهذه الحالة في تقمُّصهم الجديد، بالنسبة لأَعمالهم الشريِّرة في تقمُّصهم السابق. ما ذنب الولد الأَعمى مثلاً؟ هو لم يولد أَعمى إلَّا لأَنَّـه أَوصل نفسه لأَن يكون أَعمى بالنسبة لأَعماله السيِّئة بدوره السابق.
الدكتور خبصا: “كلُّ شيء يعود إلى تأْثير الروح. حتَّى الأَمراض الجسديَّة سببها حالات نفسيَّة، وحتَّى السرطان نفسه!”
الدكتور أَبو سليمان: “البرهان على ذلك أَنَّ أَشخاصًا من بِــنــيـةٍ واحدة، أَشقَّاء مثلاً، يتعرَّض بعضهم لمرضٍ دون سواهم، وسبب ذلك حالة نفسيَّة لا جسديَّة. فالمريض مريض بنسبة أَعماله.
الدكتور داهش: “الإنجيل نفسه يذكر شيئًا عن التقمُّص (إنجيل متَّى). فعندما شفى المسيح الخاطئة، فال لها مغفورةٌ لكِ خطاياكِ. أَليسَ ذلك دليلاً على أَنَّ خطاياها كانت سبب مرضها؟
“التنويـمُ المغناطيسيُّ أُكذوبةٌ عالمـيَّــة”
التنويم المغناطيسيُّ في رأْي الدكتور داهش تدجيلٌ وكذب. ولا أَحد في العالَـم يستطيع أَن يؤَثِّرَ على غيره. وبين النائم والمنوَّم اتِّفاقٌ مُسبَق على كلمات مُصطلح عليها للسؤال والإجابة بواسطتها. كما إنَّ الاتّصال الفكريّ المسمَّى télépathie، لا وجود له الــبتَّــة. ولعلَّ في رأْي الدكتور داهش هذا ما يدعو للاستغراب، لأَنَّ الكثيرين يظــنُّــون أَنَّ الظاهرات الروحيَّة التي يدعوها هو وأَتباعه خوارقَ، ليست في الواقع سوى نوع من التأْثير على النظر يجعل المشاهد يتخيَّل حدوث الظواهر.
ولكي يثبتَ الدكتور داهش أَنْ ليس في أَعماله ما يتَّصل بالتأْثير المغناطيسيِّ، قال لي: “سأُجري أَمامك تجربةً بسيطة.” فقام وجاء بورقةٍ بيضاء، وأَخرج من جيبه ورقة نقدية من فئة الخمس ليرات ]لبنانيَّة[، وقصَّ من الورقة البيضاء قطعةً على قياس الورقة النقديَّة، ثـمَّ طواها بعناية، وقال لي: “ضعها في يدك.” أَخذتُ الورقة المطويَّــةَ، تأَمَّــلتُها، ثـمَّ وضعتُها في يدي اليُسرى، وأَطبقتُ عليها. ثـمَّ قال: “اكتُب اسمَك على ورقة ثانية واحرقها”؛ فكتبتُ وحرقتُ الورقة في صحنٍ للسجائر أَمامي، ويدي اليُسرى ما تزال مُطبقة على الورقة الأُولى. ثـمَّ جاء بمجلَّة فوضعها على يدي اليُسرى لحظة، ثـمَّ قال: “انقُل الورقة إلى يدك اليُمنى،” ففعلتُ. ثـمَّ قال لي: “افتح يدك”؛ ففعلتُ. ووجدتُ الورقة البيضاء قد تحوَّلت إلى ورقةٍ من فئة الخمس ليرات جديدة، مطويَّـة على نفس الشكل والحجم وعليها اسمي، نفس الاسم الذي كتبته على الورقة المحروقة. وكانت الخمس ليرات الأُخرى التي أَخرجَها من جيبه لا تزال على الطاولة.
لم أُفسِّر الحادثة بأَيِّ تفسير، ولم أَسعَ لِفهم أَسرار تحوُّلِ الورقة البيضاء إلى ورقة مالـيَّـة. قال لي داهش: “احتفظ بها. فستتمكَّن بواسطتها من حضور جلسة روحيَّة.” أَخذتُ الخمس ليرات المطويَّة، ولا تزال معي واسمي عليها.
لماذا قامت القيامة على داهش
تأْثيرٌ مغناطيسيٌّ، سحر، شعوذة، قـوَّة روحيَّة، … لعلَّ عدم فهم الناس لشخصيَّة داهش الحقيقيَّة هو الذي حمل السلطات على ملاحقتِه قضائــيًّا وقانونــيًّا في عهد الجمهوريَّة الأُولى. ولعلَّ قصَّة هذه الملاحقة والإشاعات التي رافقتها جعلت الناس يسيئون الظنَّ به ويتَّهمونه “بخراب البلاد، وإلحاق الشرّ بها.” فماذا يقول هو عن هذه القصَّة:
“أَنا لم أَتجاوَز مــرَّةً القوانين الموضوعة. وأَسبابُ نقمة الشيخ بشارة الخوري عليَّ، ومن ورائه نقمة السُّلطة وبعض الناس، هو أَنَّ شقيقة زوجته، السيِّدة ماري حدَّاد، اعـتـنَـقَت الداهشيَّة على أَثَر جلسة روحيَّة، كما اعتنقها زوجُها وأَولادُها وصهرُها. وحاول الشيخ بشارة وزوجته إقناع السيِّدة ماري حدَّاد بالتخليّ عن مُعتقدها الجديد هذا، فكان جوابُــها لهم أَنَّ الدستور اللبنانيّ يكــفَــلُ حرّيَّــةَ الـمُعتقَد، وأَنَّ لها بالتالي حريَّــة اعتناق أَيِّ مذهبٍ تريده.
“وعندما وجد الشيخ بشارة أَنَّ جهود الإقناع لَم تـُجـْدِ نفعًا، عمَدَ أَوَّل الأَمر إلى محاولة استصدار قانون يـُحظِّــرُ عقد الجلسات الروحيَّــة في لبنان، لكنَّ المجلس النيابيّ رَدَّ مشروع القانون بعد مناقشةٍ عنيفة. وصدرت الصُّحُف الـمُواليـة في اليوم التالي تقول إنَّ داهش قد سيطــرَ على النـوَّاب، وإنَّ وجودَه خطرٌ على البلاد، لأَنــَّه يتلاعب بالعقول.
“وزارني بعد مدَّة إسكندر رياشي ومنير تقِّي الدين ليسأَلاني عن رأْيي في ذلك، فقلتُ لهما: أَنا عرفتُ منذ مدَّة، وفي جلسةٍ روحيَّة، أَنَّ مشروع قانونٍ سَــيُــعدُّ ويُــرسَل إلى مجلس النوَّاب ويُـــردّ. وهكذا لَـم تجد السلطة مـَخرجًا قانونــيًّا لـمُلاحَقتي، لأَنــَّها لم تأْخذ عليَّ أَيَّ مأْخذ، لكنَّها أَرسلت عصابةً من القبضايات لاغتيالي. ولم يتمّ هذا الاغتيال لأَنَّ مُساعدة روحيَّة قد حصلت، فاكــتفوا باعتقالي.”
وعن تلك الفترة كتبَ حليم دمُّــوس في جريدة “الجمهوريَّة” السوريَّـة، في 9 أَيَّــار 1948، ما يلي:
“أَنا الآن تحت سماء دمشق الفيحاء. وسأُغادرها قريبًا إلى أَحد الأَقطار العزيزة للالتجاء إليها والدفاع عن القضيَّة الداهشيَّة ومؤسِّسها … بالأَمس اعتقلوا في بيروت فريقًا من إخوتي الداهشيِّين، وبينهم السيِّد جورج حدَّاد، عديل رئيس الجمهوريَّة، وصهره الأَديب الحَلَبيّ المعروف، السيِّد جوزف حجَّار، والدكتور المشهور فريد أَبو سليمان. ولم يجدوا السيِّدة ماري حدَّاد في منزل الرسالة، وهم جادُّون في طلَبِها وطلب سِواها بحسب الأَوامر الـمُعطاة لهم من جبل (الطور). وهذه هي المرَّة السادسة التي يقومون بهذه الحملات العنيفة بدون أَيِّ مُبرِّر.”
ولَمَّا لم يتمكَّن الداهشيُّون من الردِّ على الاتّهِامات التي كانت تُـــوَجَّه إليهم في الصُّحُف، لأَنَّ هذه الصُّحُف لم تقبَل بنشر الردود، عَمدوا إلى نَشرِ كُتُبٍ سوداء عن الشيخ بشارة وعهده. وعام 1952، نشرت السيَّدة ماري حدَّاد مذكِّراتها الداهشيَّة في جريدة “النهضة”. ومـِمَّـا قالته في العدد الصادر في 2 نيسان من السنة نفسها: “أَيــــُّـها اللبنانيُّون، يجب عليكم محاكمة رئيس جمهوريـَّـتكم الخائن الذي سرقَ أَموالكم، واغتصبَ حقوقكم، واعتدى على قانونكم، وبَعْثَر أَشلاء دستوركم … ولَمَّا كان قد ارتكب ما يستوجب الجزاء الصارم، وشرَّدَ الدكتور داهش البريء بعد تجريده من جنسيَّته، وسبَّب فاجعتَنا الهائلة، أَلا وهي موت ابنتنا ماجْدا، الضحيَّة التي سيدفع ثمنًا لها دماً بدَم كي يذوقَ مقدار الأَلـــَـم والحزن العميق الذي غمر حياتنا حتَّى ساعة مماتنا …ولَمَّا سخَّر القوانين لِمَنفعتِه ومنفعة ذويه …”
ماجدا …لـِماذا انتحرَت
والقصَّة التي لَغَطَ بها الناس يومذاك أَكثر من سواها هي قصَّة ماجدا حدَّاد، ابنة جورج وماري حدَّاد، التي اعتنقت الداهشيَّة أَيضًا، والتي قال الناس بعد موتها إنَّها انتحرت بسبَب داهش. داهش يروي القصَّة كما يلي: “تضايقَت ماجدا كثيرًا من محاولات الشيخ بشارة لِـمُحاربتي. وعندما شاهدَتْ أَنَّ والدَيها وصهرها قد أُدخِلوا السجن بسبب اعتناقهم الداهشيَّة، قــرَّرت الانتقام من بشارة الخوري وفكَّــرَت في اغتياله. يومذاك كُنتُ مبعدًا في حَلَب، فأَرسل إليَّ الدكتور خبصا يُــنْــبِــئُني بعزم ماجدا هذا، فأَرسلتُ أَقولُ لها إنَّها إذا فعلَت ذلك فلن تكون داهشيَّة، وإنَّ الشيخ بشارة ستُكسَرُ يدُه قريبًا، وسيخرج من الحُكْم بصورةٍ مُذِلَّة. غير أَنَّ توتُّر أَعصابها الذي نشأَ نتيجة الصراع بين رغبتها في اغتيال الرئيس وبين مَنعي لها حملها على الانتحار، وبنفس المسدَّس الذي كانت ستقتل به الشيخ بشارة.”
داهش اليوم
كيف يعيشُ الدكتور داهش اليوم، ماذا يفعل، كيف يقضِّي أَوقاته. ” كما يفعل سائر الناس”، يقول لك؛ “أُقضِّي أَوقاتي في استقبال الأَصدقاء والداهشيِّين والمطالعة والتأْليف، وأَخرجُ لزيارة الأَصدقاء، وأُرافقُ ابنة شقيقتي إلى السينما أَحيانًا كثيرة.”
وتبلغ بك الدهشة بداهش ذروتها حين يدعوك لزيارة مكتبته. من صالون إلى صالون، كقصور أَلف ليلة وليلة، ثراء وتُحف وذوق رفيع في الديكور، يرشدك داهش إلى مكتبته وإلى الكتب الموزَّعة في مختلف أَنحاء البيت الفسيح: “عندي أَربعون أَلف مجلَّد لكتبٍ إفرنسيَّة وإنكليزيَّة وعربيَّة، وستماية نوع من المجلَّات والجرائد العربيَّة القديمة والحديثة، الـمحلِّـــــيَّـة والـمهجريَّـــة، ومجموعات كاملة لأَعدادها منذ تاريخ صدورها. كما إنّي مُتعاقدٌ مع ثلاثمائة مكتبة أُوروبيَّة وأَميركيَّة لتزويدي بأَحدث الكُــتُب وأَثـمنها … ثـمن هذا الكتاب خمسة آلاف ليرة.” يخرجه من الخزانة ويتفحَّصه أَمامك بإعجابٍ وسرور. “هذه المجموعة هي مجموعة سوكارنو. هذه الإنسكلوبيديا حصلتُ عليها بصعوبة بالغة، بعد أَن أَعلنتُ في الصحُف عن رغبتي في اقتنائها، لأَنَّ المكاتب العامَّة لا تحتوي عليها …كلُّ ما تطلبه من كتب ومجلَّات تحتويه مكتبتي.”
وإذا ما سأَلتَ الدكتور داهش كيف يؤمِّـنُ معيشته، أَجابك: “من واردات الكُتُب التي أَلَّــفتها.”
وبابتسامة وكلمة لطيفة يودِّعُك الدكتور داهش كما استقبلك، ويُعرِبُ لك عن أُمنيته بالاجتماع بك ثانية، وفي جلسة روحيَّــة.
.