مولده وطفولته
في حيّ باب العمود من مدينة القدس، ولد سليم موسى العشّي، المعروف بالدكتور داهش، في أول حزيران سنة ١٩٠٩.
والده موسى الياس أليشي ( نسبة إلى أليشع النبيّ )، ووالدته شمونة ابنة حنّا مراد كانون وقد وُلدت عام ١٨٧٨. عاشا، قبل زواجهما، في بلاد مـا بين النهرين؛ الأب في بلدة إفسس (الواقعة على السفح الشرقي من “طور عابدين”، شمالي بلاد ما بين النهرين)، والأمّ في بلدة آزخ المجاورة؛ و كانا ينتميان الى الطائفة السريانية، تلك الطائفة التي تتكلّم الآرامية، لغة المسيح، حسب كثيرين من المؤرّخين. ثمّ اعتنق موسى البروتستانتية، وأنشأ مدرسةً، في مسقط رأسه، انصرف فيها الى تعليم الناشئة بنفسه. وكانت شمونة إحدى تلميذاته، فاجتذبت نظره باستقامتها وذكائها، فمال قلبه إليها، و اقترن بها.
في عام ١٩٠٦، أراد موسى زيارة القبر المقدّس القائم في مدينة القدس الفلسطينية. وكانت امرأته تشاركه هذه الرغبة النبيلة، فسارت برفقته إلى الأراضي الفلسطينية. وأبى موسى العودة إلى بلاده وطابت له الحياة في فلسطين. وقد سكنا في بيت لحم قبل أن ينتقلا منها إلى مدينة القدس. وفي فلسطين، حرّف اسم العائلة من (أليشي) الى (العشّي).
ووُلد لهما صبيّ، بعد ثلاث بنات. وتشاورا في ما يسمّيانه. وإذ تحيّرا، أُلهم الوالد بأن يفتح الكتاب المقدّس، عفويّاً، و يضع إصبعه، دونما نظر، على إحدى الصفحتين. وإذا بأنملته تقع على عبارةٍ وردت في العهد القديم: “فولدت ابناً، فدعاه سليمان، و أحبّه الرب” (سفر صاموئيل الثاني ٢٤:١٢ ). فسمّيا طفلهما سليمان، ثم خفّفا اسمه، فصار (سليم).
وفي هذه الأثناء أحسّ موسى بالحاجة إلى العمل فالمال أصبح نذيراً بين يديه، وبحث عن عمل فوُفّق ودخل عاملاً في المستشفى الألماني في مدينة القدس، وظلّ يعمل في ذلك المستشفى ممرّضاً حتّى عام ١٩١٤. و ما إن أخذ الصبي يدرج , حتى ترك والداه القدس الى حيفا.
وفي أوائل ذلك العام وردته رسالةٌ من والده يدعوه فيها للحضور إلى بلاده إذ أنه أحسّ بدنوّ الأجل وخاف أن يموت وولده موسى بعيدٌ عنه، فأرسل يدعوه إليه. وأسرع موسى لتلبية دعوة والده الشيخ، فحمل حقائبه وسار برفقة عائلته إلى بلاده، ما بين النهرين. وما كاد يصل إلى بيروت، الولاية العثمانية في ذلك الحين، حتّى اصيبت إحدى بناته بمرضٍ، فأُخذت إلى إحدى أطبّاء البعثة الأميركية. وأثناء فترة التعافي، وصل إلى موسى خبر وفاة والده.
فقرّر البقاء فترةً في بيروت، حيث سكنوا في حيّ المصيطبة، بملك جرجي ناصيف.
في عام ١٩١٤، اندلعت الحرب العالمية الأولى، ورأى موسى أن يمكث في بيروت ريثما تنتهي الحرب، لا سيّما والأقوال المتضاربة تشير إلى أن الحرب لن تطول أكثر من شهور قليلة. غير أن الحرب طالت، والمال ينذر بالنضوب والجوع يهدد صغاره، والجند يبحثون عمّن يضمّونه إلى الفيالق التركية المشتركة في القتال إلى جانب الدولة الألمانية. وبحث موسى عن مكانٍ يختفي فيه عن أعين رجال الدولة العثمانية، وعن عملٍ يدفع به شبح الموت عن امرأته وأطفاله. ووُفّق إلى عملٍ في المطبعة الأميركيّة في بيروت.
أُصيب موسى بداء السلّ وتوفّي في ٢٥ كانون الأول عام ١٩٢٠ ، ودُفن في مصحّ هملن بالشبّانية في لبنان.
واحتارت أرملة موسى في أمرها بعد موت عميد أسرتها. فأرسلت ابنتيها وديعة واليصابات إلى خالتهما في القدس، وبعثت بولدها سليم وبإبنتها أنطوانيت إلى ميتمٍ في بلدة غزير في لبنان، تابعٍ للإرساليّة الأميركية، وسارت برفقة ابنتها الكبرى جميلة إلى طرابلس حيث أدخلتها إلى مدرسة البنات الأميركيّة.
في أواخر عام ١٩٢١، ترك سليم الميتم بسبب انحرافٍ في صحته. وقد نصح الأطبّاء والدته بنقله إلى منطقةٍ جبلية. وهكذا لم تستغرق إقامته في الميتم سوى بضعة أشهر.
في عام ١٩٢٢، أرسلته والدته إلى القدس ليقيم عند شقيقتها. فدخل هناك المدرسة، ولكنّ سوء صحّته منعه من مواصلة الدراسة. وأمضى معظم سنة ١٩٢٣ بين المنزل والمستشفى بسبب سوء حالته الصحيّة التي قاربت حدّ الموت، لكنّ العناية الالهية حمتْه وسمحت بشفائه من مرضه.
وفي ٧ آذار ١٩٢٣، حصل سليم على الجنسيّة اللبنانيّة، بعد أن حازتها والدته قبل عامين وفق معاهدة لوزان التي رسمت حدود الدولة التركيّة الحديثة.