الرسالة الداهشية وإضطهاد الدكتور داهش
في أواخر عام ١٩٤١، تعرّف الدكتور داهش على السيد الأديب يوسف الحاجّ، والذي أصبح فيما بعد المؤمن الداهشي الأول بالعقيدة الداهشية. ويذكر السيد الحاجّ كيف قال له الدكتور داهش في إحدى زياراته له: “يا أخي الحاجّ، إنّني وإيّاك سنشكّل هيئةً روحانيةً كبرى تبعث بالحياة وأبنائها إلى سماوات النور والمعرفة، وتكون هذه الهيئة هدايةً ثانيةً للناس.. “.
وبعد خمس سنوات وثلاثة أشهر من القسم العظيم الذي دوّنه الدكتور داهش، وفي ٢٣ آذار ١٩٤٢، تنزّلت الأرواح العلوية في هذا اليوم على الدكتور داهش، بحضور المؤمن الأول الأديب يوسف الحاج، معلنةً قيام الرسالة الداهشية , و بدء التاريخ الداهشي في العالم، وذلك في أول جلسةٍ روحيّة عقدها مؤسّس الداهشية .
بعض التعاليم والحقائق الداهشية:
١ – وجود الروح وخلودها:
أحد أهمّ أهداف المعجزات التي تجلّت على يدي الدكتور داهش كان إثبات وجود الروح وخلودها. ويقول الدكتور داهش ” إنّ ما يتمّ من ظاهرات روحية خارقة، ما هو إلاّ ليبرهن بالدليل المحسوس الملموس إنه يوجد عالم آخر ، بل عوالم أخرى، غير عالم الأرض. فالموت ليس هو إلا الولوج لعالم آخر، وليس هو الفناء بل الخلود.”. والإيمان بوجود الروح وخلودها يستتبع، لزاماً، التسليم بثلاثة أمور:
أ – الإيمان بوجود اللّه عزّ وجلّ ؛ لأنّ الروح تشهد له، فهي نفثةٌ إلهيّة من ذاته.
ب – الإيمان بوحدة الأديّان؛ لأنّ روحاً عليّاً واحداً أوحاها، وغاية سامية واحدة حرّكتها؛ وبالتالي السعي نحو تحقيق هذه الوحدة في وجود واقعي حيّ .
ت – التسليم بمعرفة الروح الخارقة المحيطة بالأسرار كافّة، والعمل بإرشاداتها الخيّرة.
٢ – وحدة الأديان الجوهرية:
تعلّم الداهشية أنّ التوراة والإنجيل والقرآن والغيتا وكتب البوذية والكنفوشيوسية وغيرها من الرسالات الإصلاحية، بالإضافة إلى كتب الدكتور داهش المُلهَمة ، على أنها كتاب الهيٌ واحدٌ وجامع، يضم في صفحاته المقدسة نور الله الخالد الداعي إلى الحق والخير، وأنّ الأديان جميعها واحد، وأن الأنبياء والرسل والهداة هم من نفس الجوهر. فالإيمان بالوحدة الجوهريّة للأديان وبوحدانية الأنبياء هو السبيل إلى الوحدة الإنسانية، ومن خلاله، يسع الحبّ صدر المؤمن ليشمل المؤمنين من جميع الأديان.
٣- التقمّص:
يقول الدكتور داهش: “هو لتُتاح لنا الفرصة بتكرار عودتنا إلى الأرض لأن نتخلّص من شرورنا ونرتقي بأرواحنا”. هذا النظام الروحي هو بلا شكّ رحمة للإنسان. فإذا طرحنا من مُدّة عمر الفرد الوقت الذي يقضيه في النوم (أي أكثر من ثلث العمر) ، والمرض ، والطعام، وكسب لقمة العيش ، بالإضافة إلى خمس عشرة سنة وهي فترة الطفولة غير المسؤولة، فلن يتبَقى من عمره أكثر من بضع سنوات ، وربما بضعة أشهر. إن هذا ليس وقتًا كافيًا للإنسان لينغمس في التأمل الروحي ، وتحقيق تنقية روحه ، والتغلب على ميوله المتجذّرة العديدة. وبالتالي، سيُحكم على الإنسان بشكل حتميّ بالعذاب الأبدي. إن رحمة التقمّص إذن تكمن في منح البشر آلاف الفرص لإصلاح أنفسهم. وفي نهاية هذه الدورات، إذا لم يتمّ تحقيق ارتقاء للروح ، فإن الحكم بالجحيم سيكون إذن عقابًا عادلًا. يُفَسِّر التقمّص إذن لماذا يولد الناس بعجز أو بِأمراضٍ وراثيةٍ أو طبيعية أو ظروف سيئة من الجهل أو العوز. لأن التجسّد الحالي للإنسان ما هو إلا نتيجة أفعاله وميوله وأفكاره في حياته أو حيواته السابقة.إذ إنّه في قدرة الإنسان، من خلال الإرادة والجهد، تحسين ظروفه من سيء إلى أفضل.
٤- السيّالات الروحية:
السيّال هو وحدة طاقةٍ نَفْسَيّة ذات إدراك نِسبيّ، وإرادَة مُحَرّكة، ونزعات مختلفة، وخصائص وَظيفيّة. وقوام السيّال جوهر روحِيّ إشعاعي خالِد ليس بإلإمكان إدراكه إدراكاً حِسيّاً لإتّصافه بسرعة اهتِزاز فائقة، ولأنّ الإنسان محدود بشبكة من الحواس ذات حدود عُليا وحدود دُنيا لا يَسَعهُ تجاوزها. إن موادّ الكون بأكمله من كائنات، ومِن الذرّات إلى المجرّات، هي سيّالات روحية من مواد بنيوية وَبأشكال نِسبيّة. فإن جوهَر المادة – بجميع أشكالها، وأحدها جسم الإنسان – هو سيّال مكثف مُكوَّن من عناصر تأسيسيّة، بعضها اكتُشِفَ عِلْمِيّاً. والهدف من الوجود أن يرقّي الإنسان سيالاته ويتغلّب على ضعفها بإتباع طرق الخير والفضيلة التي بشر بها الأنبياء والمصلحون والموجودة في جوهر الأديان.
٥- اللاعنف:
تشجب الداهشية العنف بكلّ أشكاله، وحتّى في أصعب فترات الاضطهاد الذي تعرّض له الدكتور داهش على يد الحكومة اللبنانية، قد منع أتباعه من ارتكاب أي عمل عدائيّ بحق مضطهديه، وقد مجّد الدكتور الدكتور داهش في العديد من كتاباته المهاتما غاندي وطرق نضاله السلميّة والأخلاقية.
٦- السببية الروحيّة:
لا وجود للصُّدْفة، على الإطلاق، في العقيدة الداهشية. لأنّ هناك أسبابًا لكل حدث أو حالة أو وجود. لكن وراء السببية المادية هناك سببيّة روحية محجوبة عن البشر، وهي تَحكم الأفراد والمجتمعات وكذلك جميع الكائنات الأخرى. فما عليه نحن من حالاتٍ جسديّة واجتماعية واقتصادية ونفسية وظروف وثروة وفقر وذكاء وغباء وأمراض ولامبالاة وسلام وحرب وكسب وخسارة، وانجذاب متبادل أو نفور، وحوادث سير وكوارث طبيعية في البرّ والبحر والجوّ ، إلخ … إنّه لكلٍّ منها أسباب روحية مَحْجوبة عنّا ، ما يحدو بِنا لإسْنادِها إلى “الصدفة”. لكنّ قاعدتها العامة هي واحِدة، وهي الإستحقاق والعَدالة. تَجْري السببية الروحية وفقًا للقوانين الإلهية ، وتحدث على الأرض وفق قوانين الطبيعة السّائدة عليها.
وبعد إعلان بدء الرسالة الداهشية، تزايد حصول المعجزات أمام حشود الزائرين، والذين تضمّنوا ذوي الكفائة العلمية والثقافية، من أطباء ومحامين وأدباء وغيرهم.
إضطهاد الدكتور داهش وأتباعه:
بعد اعتناق الأديب يوسف الحاجّ الداهشيّ، تتابع المؤمنون بها من رجال الأدب و العلم، وأعيان المجتمع. وكان بينهم رئيسة نقابة الفنّانين، الأديبة ماري حدّاد، شقيقة زوجة رئيس الجمهورية اللبنانيّة الأسبق بشارة الخوري، فآمنت هي وزوجها وأفراد عائلتها.
إزاء هذا المدّ الإيماني الجديد يغزو المجتمع اللبناني، في مختلف طوائفه، موحّداً بينها، مزلزلاً أوهامها وتقاليدها البالية، مُحدثاً ضجّة مدوّية في الصحافة اللبنانية والعربية، خاف رجال الدين المسيحي أن يضعف نفوذهم في لبنان و يتلاشى، فأخذوا ينسجون المؤامرات على رجل الروح، متعاونين مع رئيس الدولة بشارة الخوري وزبّانيّته .
حاولوا، أوّلاً، إقناع ماري حدّاد بالتخلّي عن عقيدتها الجديدة؛ لكن مساعيهم تحطّمت على صخرة إيمانها الوطيد.
إذ ذاك، حاولت السلطات إحالة رجل الروح على المحاكمة، بتهمٍ راحت تدبّر من يفتريها عليه. ففشلت فشلاً ذريعاً؛ والمُدّعي العام المركزي الأستاذ ديمتري الحايك الذي كلّفه رئيس الدولة بهذه المهمّة، بدل أن يصدر اتّهاماً بحقّ الدكتور داهش ، آمن برسالته السماوية.
حينئذٍ، عمدت السلطات الى استمالة النواب بمختلف الأساليب الترغيبيّة والترهيبيّة، ليقرّوا مشروع قانون يمنع ” مناجاة الأرواح”، و بالتالي يمنع الدكتور داهش من ممارسة نشاطه، واجتراح معجزاته ؛ لكنّ المشروع سقط، أيضاً. عندئذٍ نشطت السلطات، بالتعاون مع رجال الدين المسيحي، الى تشويه سمعة رجل الروح الطاهر، بتلفيق الشائعات والافتراءات الخسيسة عليه، وتذييعها بين الناس، في الكنائس، والمدارس، والصحف. ومُنع الداهشّيون من الردّ على تلك الحملات من الأكاذيب الدنيئة.
أخيراً, لجأت السلطات إلى أساليب غير شرعية، فألقت القبض عليه في ٢٨ آب ١٩٤٤؛ و دونما محاكمة، زجّت به في السجن . ثم ما لبثت أن سجنت الداهشيين البارزين، تباعاً، بينهم الأديبة ماري حدّاد نفسها دونما محاكمة أيضاً.
و في ٩ أيلول ١٩٤٤، نفت السلطات مؤسّس الداهشية إلى خارج الحدود اللبنانية، بعد أن جرّدته من جنسيته اللبنانية، بطريقة تعسّفيّة خرقت بها الدستور، و بعد أن سامته من الجلد والعذاب والإهانة ألواناً. ثم أُبعد من قبل السلطات السورية الى الحدود التركية.
بعد مضيّ شهرٍ واحد على نفي مؤسّس الداهشية، تمكّن رجل الروح من العودة سرّاً الى لبنان. و من عرينه، نجح في شنّ حملةٍ إعلامية رهيبة، فوضع و وزّع، على نطاقٍ واسع، ٦٦ كتاباً أسود، و ١٦٥ منشوراً تناولت رجال الحكم و الدين ممّن تآمروا عليه، ففضحت مخازيهم، وهتكت أسرارهم و مؤامراتهم على الشعب.
و قد ساعدت هذه الكتب و البيانات السوداء على إيقاظ الشعب وإثارته ضد حكّامه، فأُسقط بشارة الخوري من على كرسيّ الرئاسة سنة ١٩٥٢، و اُنتخب كميل شمعون رئيساً للجمهورية، فردّ الجنسيّة للدكتور داهش، في أول عهده، سنة ١٩٥٣.
وقد كتبت العديد من الكتب موثّقةً فترة الإضطهاد وحوادثها والظلم الذي تعرّض له داهش البريء أثنائها منها “كتاب جريمة القرن العشرين، للمحامي خليل زعتر، الدار الداهشية للنشر، نيويورك، ٢٠١٨”، “الرسائل المتبادلة بين الدكتور داهش مؤسس الداهشية والدكتور حسين هيكل باشا، رئيس مجلس الشيوخ المصري”، دار النسر المحلق، ١٩٧٩، وغيرها.
في عام ١٩٥٣، وبعد ان استردّ الدكتور داهش جنسيّته السليبة بكفاحه العنيد، انصرف الى إتمام رسالته الإلهيّة؛ فكان، حتى ساعةٍ متأخرةٍ من الليل، يستقبل زائريه الذين كانوا يتقاطرون عليه بالعشرات، يوميّاً، فيعاينون معجزاته ويستمعون إلى تعاليمه الروحية الداعية إلى وحدة العائلة الإنسانية وإلى الأخوّة والمحبة بين الجميع.