المكانة الخاصّة ليسوع المسيح في كتابات الدكتور داهش 

لقد خص داهش عدة أنبياء وهداة روحيين بكتابات تقتصر أحيانًا على إبراز فضائلهم كما الحال مع سقراط وبوذا والمهاتما غاندي، أو تتخذ قالبًا قصصيًا كما الحال مع موسى النبي، أو تمتد أحيانًا إلى عشرات الصفحات كما الحال مع النبي داوود ومزاميره والرسول العربي الكريم، أو يحتويها كتاب كامل كما الحال مع سليمان الحكيم في نشيد الأنشاد، وإرميا النبي في مراثيه لكنه ميّز السيّد المسيح باهتمام خاص، فأُلهم بصلوات كثيرة يُمجّده فيها، وبكتابات عن تأثيره العظيم في الحضارة البشرية، كما أوحي إليه كتاب كامل عن سيرة يسوع من الثانية عشرة إلى الخامسة عشرة من عمره لا بُدَّ من اعتباره الإنجيل الخامس؛ لكنه إنجيل موحى يكتبه المسيح نفسه بصورة مذكرات.
ففي فصل من كتاب مذكرات دينار عنوانه ليس لنبي كرامة في وطنه يصف داهش السيّد المسيح بأنّه كان سيد الثورة النبيلة التي استهدفت تحطيم قيود الظلم والعبودية التي كبَّلت هذه البشرية منذ كوِّنت، لكن صيحته المُدوّية لم تجد أرضًا خصبة لها.
لم يحمل السيد المسيح سلاحا إلا سلاح الحقّ والإيمان بالله والعدالة السماويَّة، فهاجم الظُّلم في الدولة الرومانيَّة الجبَّارة من دون هوادة، ولم يُهادن الشرَّ ، بل كافحه كفاح المستميت ليُنقذ من هبط إلى الأرض لينقذهم ، واستمر في تبشيره داعيًا السامعين لكلمة الحق أن يثوروا على دولة البطش والطغيان، فلم يستجب لدعوته إلا قليلون من أنقياء القلوب . وبالرغم من ذلك لم ييأس، بل استمر في مهاجمته لقيصر روما مُمَثلاً في شخص هيرودس طاغية فلسطين، من غير أن يأخذ الحذر لنفسه، فأدَّت به ثورثه النبيلة المخلصة إلى تقديم نفسه تضحية للبشرية التي كافأته على جهوده في سبيل تحريرها وحبُّه إيَّاها بتعليقها إيَّاه على خشبة الصليب ، فيا للظلم الرهيب”
لقد عاد سيد المجد إلى سمائه، ولم يُضره الأمر شيئا لكن البشرية التي رفضت تحريره لها ما تزال راسفة في قيود الذُّل والهوان وغائصة في مستنقع الشَّر والشقاء

يقول داهش، المسيح العائد:
أما الآن فإنهم يرفعون إليه صلاتهم، ويلتجئون إليه في ساعات أحزانهم، ويبثُّونه لواعج آلامهم وأشجانهم ، هم الآن يحترمون مخلَّفاته، ويُقدّسون ذكرياته، ويُردِّدون روائع آياته، ويتغنُّون بمُعجزاته.

خسنتم يا أرواح الشر، فإنَّكم تضطهدون أنبياءكم ومُرسَليكم عندما يكونون بين ظهرانيكم وتتهمونهم بأشنع اتهاماتكم وعندما ينطلقون من أرضكم إذ ذاك تعرفون قيمتهم فتندمون ولكن حين لا تجديكم ندامتكم، بل نتانكم وخيانتكم ، فيا ويحكم من يوم الدين.

أما كتاب مذكرات يسوع الناصري، فأي كلام يُقالُ فيه عن سموه لا يُغني عن قراءته ، يقول الدكتور غازي براكس في تقديمه للنسخة العربية الأصليَّة للكتاب: “لا، لم يأتِنا بسيرةٍ تاريخيةٍ نتوكأُ على المراجع فتُصيبُ هنا، وتخطئ هناك، ولا براويةٍ ابتنى الخيالُ أحداثها من واقعٍ ووهم، بل أتانا بشخصِ يسُوعَ نفسهِ بلحمةِ ودَمِه، وبحياةِ الناصري الحقيقية الفذَّةِ المؤثرة في سِني حداثته العجيبة، إذ تتفتحُ مواهبُهُ الروحية، وتبدأ الحياةُ بنسجِ آماله العظام وآلامهِ الجسام، وحبكِ مأساته التي ولدت في أسرتهِ ونمتْ في بلدتِهِ، لتُختم على الجلجلة. إنها حياةُ يسُوعَ المُلهمة كما عاشها تمامًا في حداثته، تفاجئ العالم بأسره كأكبر حدثٍ فكريٍّ روحيٍّ له علاقةٌ مباشرةٌ بسيد المجد، منذُ ألفي سنة.
ومن يُتَحْ له أن يلج هذا الكتاب النفيس بقلبٍ نقي وبصيرةٍ نيرة يرَ نفسهُ داخلاً إلى معبدٍ أو محراب، ويحسُّ بروحِ المسيح ترتعشُ بين سطوره، بل في كل كلمةٍ من كلماته، ويشعر بسلطته الروحية الخفيَّة تمتدُ إليه عبر عشرين جيلاً، وقد بُعثت ثانية، فلا يتمالكُ عن سؤال نفسه: ترى ألم يحقق وعدهُ وينجز عهده بعودته، ثانية إلى الأرض؟

نعم، لقد أوفى المسيح بوعده وعاد إلى الأرض متجسدًا في جسد داهش. إنه يعظ، ويحذر، ويعزي، ويؤدب، وأحيا تعاليم المسيح بعد أن كادت أن تتلاشى من قلوب المؤمنين، وبعد أن تحول جوهرها الروحي النقي إلى طقوس سطحية. هو الذي ينذر العالم بنهاية مروعة ما لم تتراجع حكومات العالم عن الطغيان والجشع والانحطاط الأخلاقي، وتستبدلها بالقيم الروحية والرحمة والمحبة والفضيلة، وأن تُشكل فيما بينها أسرة إنسانية يحكمها الأخوة والمساواة وحقوق الإنسان للجميع.

ومن صلوات داهش للسيد المسيح هاتان الصلاتان من كتاب بروق ورعود المطبوع عام 1946

أيها السيد المسيح، أيها الخروف الذبيح
يا روح الطهر، و معدن النقاء العميم
يا رجية الحزين، و محط رحال الأثيم
يا من بذلت دمك الطاهر لأجل خطايانا
أيها الإله العظيم، و يا من لا تنسانا
أنت هو حمانا، و ماحي آثامنا، و دينك هو الدين الصحيح

سنة 1942.

أيها السيد المسيح الممجَّد، و رسول الرحمة و السلام
أيها المتغنِّي بالفضيلة، المترنِّم بالطهر العجيب
أيها الرمز الإلهيّ، و ابن الله الحبيب
يا طلبة نفوسنا الخفية، و رجيَّة أرواحنا الحائرة
أدنُ منا وفينا، يا ابن الله، لتقوّي عزائمنا الخائرة
والمسْ أرواحنا بأناملك الطَّاهرة لتزول عنها الأوزارُ والآثام

سنة 1942.

error: Content is protected !!